“أزمة” الإخوان في مصر وفقه الخلاف والاختلاف في القرآن والسُّنَّة

الرئيسية » بصائر الفكر » “أزمة” الإخوان في مصر وفقه الخلاف والاختلاف في القرآن والسُّنَّة

بلا شكَّ أن جماعة "الإخوان المسلمون" في مصر، تشهد في الوقت الراهن، أزمة كبرى، ربما تُعتبر من أسوأ الأزمات التي مرَّت بها عبر تاريخها، وقادت إلى انقسام حقيقي واضح، حتى على مستوى الأطر التنظيمية والإدارية، في سابقة -ربما- هي الأولى من نوعها على مستوى الجماعة؛ حيث انقسم الإطار الإعلامي والمكاتب الإدارية للجماعة في مصر، في الداخل والخارج، إلى قسمَيْن، كلٌّ منهما يؤيد طرف من أطراف الأزمة الراهنة.

ويرى البعض أن الخطير في الأزمة أنها لا تنصب على جزئيات تتعلق بقضية الأولويات والآليات في التعامل مع الموقف في الوقت الراهن، في مصر، وصولاً إلى هدف إسقاط الانقلاب واستعادة الشرعية، وإنما في أنها تجاوزت ذلك إلى أمور من المفترض أنها لا تكون محل اعتبار داخل حركة إسلامية نقية قدمت التضحيات الجسام في سبيل قضايا الأمة؛ حيث جوانب من الاتهامات التي كالها الطرفان للآخر، يتعلق بقضية الصلاحيات والتمويل، مع اتهامات للقيادات التقليدية القديمة للجماعة باستغلال مناصبها لفرض رؤى على الجماعة والصف، وتتجاوز في ذلك اللوائح الداخلية وقواعد الشورى الراسخة.

وبالرغم من أن تكرار المواقف السلبية وما قيل فيها، قد يقود إلى تعميق الأزمة؛ إلا أنه من المهم في هذا الموضع الإشارة إلى بعض ما تم؛ لأنه محور هذا الحديث، وهو فقه الاختلاف في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، قبل أن نعرج على بعض المقترحات الخاصة بتجاوز هذه الأزمة، أو على الأقل تثبيت الموقف، وإدخاله إلى مساراته المؤسسية السليمة.

"الآثار الراهنة على الصف وعلى صورة الجماعة داخل الأوساط الحركية الإسلامية، وعلى مستوى الرأي العام، قاسية وعميقة، وهو الأمر الذي ينبغي أن يدركه الجميع"

وهنا لابد من التأكيد على أنه مهما كانت حقيقة الأمر؛ فإنه تبقى الآثار الراهنة على الصف وعلى صورة الجماعة داخل الأوساط الحركية الإسلامية، وعلى مستوى الرأي العام، قاسية وعميقة، وهو الأمر الذي ينبغي أن يدركه الجميع، خصوصًا في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها المشروع الإسلامي في مصر والعالم العربي والإسلامي، بل وفي العالم بأكمله؛ حيث من المفترض أن يكون الجميع على مستوى الموقف الذي تكالبت فيه قوىً عدة على الحركة الإسلامية، بما فيها جماعة "الإخوان المسلمون"، بالرغم من تاريخها وواقعها المُشرِّف في خدمة المجتمعات التي تواجدت فيها، حتى المجتمعات غير المسلمة، في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، وغير ذلك.

وهنا نشير إلى المواقف المستجدة من الحكومة البريطانية، إزاء الإخوان المسلمين، وما يجري في المنطقة لتصفية مشروع الإسلام السياسي الذي صعد بعد الربيع العربي.

أفرزت الأزمة الراهنة أسوأ صورة من صور الخصومة؛ حيث استخدمت أسوأ الألفاظ والطرق في التعامل مع الأزمة، وفي وصف بعض قيادات للجماعة، وهو ما أدى إلى فقدان أية مصداقية للحديث عن أطر التربية داخل الإخوان المسلمين.

وحتى على المستوى المهني البحت؛ فإنه من المعروف أن اللجوء إلى الإعلام من جانب البعض، داخل المؤسسات أو الكيانات المؤسسية، يعني إما خلل في قنوات التوصيل، وبالتالي يضطر صاحب الشكوى والمَظْلَمَة، إلى استغلال منبر عام للضغط من أجل المعالجة، وهو خلل في المؤسسة نفسها، أو يعني وجود خلل لدى صاحب هذه المَظْلَمة أو الشكوى، خلل في نواياه أو مراميه مما يطرحه، أو وجود الأمرين معًا.

وفي كل الأحوال؛ هناك خلل ينبغي معالجته، فوق ذلك، أنه من دون هذه المعالجة؛ لن يتم تحقيق أية نتيجة في أي جانب.

والمشكلة الآن ليست في الشرعية مع مَن؛ المشكلة في الأزمة بالصورة التي حصلت، فحتى لو حسم طرف الأزمة على حساب الطرف الآخر؛ فالأثر السلبي للموضوع حاصل ويتفاعل.

والمفترض في أطراف الأزمة، اشتراكهم في الغاية وفي الانتماء الإسلامي، وهو ما يعني أن المرجعية هي القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة.
في القرآن الكريم آيات عديدة تحمل منطقًا إلهيًّا من لدن حكيم عليم، لذلك لا يمكن دحض هذا المنطق.

ومن بين هذه الآيات: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)} [سُورة "البقرة"].

وفي الطبري، ينقل عن أبي جعفر، قوله في تفسير هذه الآية: "وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين، بقوله جل ثناؤه: ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهرُ قوله وعلانيته، ويستشهد الله على ما في قلبه، وهو ألدُّ الخصام، جَدِلٌ بالباطل".

وبالتأكيد، فإن أحد طرفَيْ الأزمة لابد مخطئًا فيما يقوله ويدعيه، وهنا نصل إلى نقطة الفُجْر في الخصومة، فهي –بدورها– من سمات النفاق كما قال المصطفى "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في أكثر من حديث صحيح.

فعن أبي هُريرة "رضي الله عنه"، أن النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قال: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" [أخرجه "البخاري" و"مسلم" في الصحيحَيْن]، وعن عبد الله بن عمرو أن النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قال أيضًا: "أربعٌ مَن كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خَلْصَة منهنَّ كانت فيه خَلْصَة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فَجَر" [أخرجه "البخاري" و"مسلم" في الصحيحَيْن].

والتصريح بالخطأ للتعريض بأخٍ مسلم، وكشف الستر عن عوراته، للنكاية به، من دون غرض الإصلاح –وهو غير متحقِّق كما تقدم في حالتنا هذه– بالتأكيد، هو خيانة للأمانة، فعلى أبسط تقدير، إنما المجالس بالأمانات، وهذه أمانة دون الأمانة الكبرى، وهي أمانة المشروع والدين والدعوة التي من المفترض أن يحملها الجميع.

"عدم الاجتماع من أطراف الأزمة على هذا المنطق الوارد في القرآن والسنة، فيما يخص قضية الخصومة والخلاف؛ فإنه يعني وجود رِيَب عديدة في هذا أو ذاك، أو في كليهما معًا"

ونقف –كذلك– هنا عند آيتَيْن من سُورة "آل عمران"، وهما: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)}، و{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)}.

هذا الكلام موجَّه للرسول الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم، في خطابه لأهل الكتاب، في قضية حقيقة نبي الله عيسى "عليه السلام"، أليس المسلمين أولى بهذا المنطق؟!، ألا ما يجمع الإخوان أكبر وأعمق مما يجمع محمدًا "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، بأهل الكتاب؟!
هذا هو المنطق القرآني القويم، وإلا ما اختلفنا عن الحركات التكفيرية التي تقصي الآخر المسلم باعتبار "ردته عن الدين"!

في هذا الإطار؛ فإن عدم الاجتماع من أطراف الأزمة على هذا المنطق الوارد في القرآن الكريم، وفي الهدي النبوي الشريف، فيما يخص قضية الخصومة والخلاف؛ فإنه يعني وجود رِيَب عديدة في هذا أو ذاك، أو في كليهما معًا، والضحية هم الصف والفكرة والمشروع.

حول قضية المعالجة:

المفترض أن الخيارات سهلة، فالذي يعقد الموقف هو التركيز على الخصومة والتشاحن، فمن يؤمن بشيء؛ فليقم به بالصورة التي يريد، فالنشاط كله رسالي، ولا يتعلق بالكيان نفسه، هذا الكيان وظيفي، يعمل على خدمة قيم ورسائل معينة؛ حيث التنظيم يقود إلى فاعلية أكبر في التعامل معها وخدمتها، أكبر من الإطار الفردي، ومن يدعموا هذا الموقف أو ذاك، عددهم كبير، وإمكاناتهم واسعة، إذًا؛ فلا يوجد أي مبرر للتشاحن والخلاف.

كما أنه من الممكن العمل على تشكيل لجنة حكماء من الحركة الإسلامية، الإخوانية وغير الإخوانية، تعمل على رأب هذا الصدع، وترتيب لقاء بين ممثلين عن كل أطراف الأزمة لبحثها، ومعالجة مسبباتها.

"من الممكن العمل على تشكيل لجنة حكماء من الحركة الإسلامية، تعمل على رأب هذا الصدع، وترتيب لقاء بين ممثلين عن كل أطراف الأزمة لبحثها، ومعالجة مسبباتها"

وإلى ذلك الحين؛ لابد من الضغط باتجاه بعض الأمور، أولها وقف الحملات الإعلامية المتبادلة، ووقف القرارات لحين الانتهاء من بحث اللائحة وما تفرضه في هذه الحالات.

كما تذهب بعض الآراء إلى ضرورة التراجع عن قرارات الأزمة، وكل ما من شأنه أن يعمّق الانقسام داخل الإخوان المسلمين في مصر، لأن ذلك من شأنه أيضا أن يمس الجماعة بالكامل حول العالم.

يأتي بعدها تنسيق أي اجتماع لمجلس شورى تنظيم مصر، ولو بشكل غير مباشر مثل "الفيديو كونفرانس"، أو على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، لحسم الأمر وفق اللائحة.

ويبقى من وجهة نظر البعض، أن تنظيم استطلاع في أوساط التنظيمات القُطْرية والجماعة على المستوى العالمي، حول الأزمة وسبل معالجتها، من بين أهم الخطوات التي يجب اتباعها؛ حيث إن ما سوف يتم التوصل إليه من توصيات من خلال هذا الاستطلاع، له من الشرعية وقوة الإلزام، بحيث يتم فرض نتائجه على الجميع.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

“افعلوا الخير” دعوة قرآنية وخُلُق نبوي

يقول رب العزة تبارك وتعالى في كتابه العزيز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا …