الرامي قبل السهم.. المربي أولا

الرئيسية » بصائر تربوية » الرامي قبل السهم.. المربي أولا
ratbiyah-group5
العمل في هذا المجال من أخطر التخصصات إذ إنه يلامس الروح والفكر لا الجسد، لأن إيلام الجسد هين في حين أن اضطراب الفكر رهيب.

إن كنا نسعى للنجاح وإيجاد التغييـر لا بد علينا أولا أن نكوّن المربي الذي سيقع على كاهله ثقل النهضة والتغيير، ولا بد من إيجاد المربي الواعي الجاد العامل، الذي يحمل بين جنباته صدق العاطفة والرغبة، واندفاع الشلال الهادر للعمل الدؤوب، والتحرك الذي لا يتوقف.

ونحن حين نتكلم عن المربي في العملية التربوية لا نتكلم عن معلم للدروس الخصوصية ينتهي اتصاله بمجرد انتهاء الحصة الدراسية، ولا نتحدث عن واعظ يلهب المشاعر ويحركها، بل إننا نتكلم عن ذلك الفارس المقدام الهمام، الذي يصاحب تلامذته مرشداً ومعلماً وناصحا، ومن هنا نكرر الحديث في أهمية المربي وتكوينه، فلا يكفي أن يكون المنهاج جيداً، ولا الأنشطة المصاحبة له قويةً، بقدر ما يكون المربي قدوة لمن حوله، جاداً عاملاً غيوراً، ذا شخصية متكاملة رزينة متزنة، لذلك كان المربي المكون الأول في العملية التربوية وصاحب المكانة الكبرى في المحضن التربوي.

"لا بد من إيجاد المربي الواعي الجاد العامل، الذي يحمل بين جنباته صدق العاطفة والرغبة، واندفاع الشلال الهادر للعمل الدؤوب، والتحرك الذي لا يتوقف"

الجيد عدو الأفضل

مع حاجة العمل التربوي المستمرة للعاملين، وفي ظل تصعيد مستعجل مبكر للمربي، تبرز مشكلة كفاءة المربي، إذ قد يكون بعضهم ليس على درجة كافية من الأهلية التربوية أو النفسية أو الخلقية لينتصب قدوة لمن حوله مع ما فيه من خير كثير، فتضطر المؤسسة التربوية لرفع شعار "ولا البلاش"، و"هذا الموجود"، ولا تكتفي به كشعار وحسب؛ بل يتحول إلى إحدى سياسات العمل، وجعلها ثقافة أو فكرة متقبلة، وهذه الأخطر إذ تهدد المحاضن التربوية؛ لأن ذلك يؤدي إلى "ضعف المستوى التربوي الذي هو الخرق الذي يمكن أن تدلف منه كلّ العلل والأوبئة والمشكلات إلى جسم المحضن التربوي، وهو الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام الفتن".

لابد أن يعطى المربي الاهتمام الكافي، ولابد أن يختار بعناية فائقة؛ لأن العمل في هذا المجال من أخطر التخصصات إذ إنه يلامس الروح والفكر لا الجسد، لأن إيلام الجسد هين في حين أن اضطراب الفكر رهيب، وأن لا نقبل بالعامل دون تمحيص أو تحقق من كفايته لمجرد نقص عددي، هذا قبول قد يعقبه نزاع وشقاق وفرقة، ولننطلق من الآن باحثين عن الأفضل ليكون معنا، ولندفع بالجيد ليلحق بنا، آخذين بيده مرشدين له، ولنتذكر أن الجيد عدو الأفضل.

المربي المنشود

إن الحديث عن المربي المنشود ليفتح أمامه أسئلة كثيرة ومتعددة في كيفية بناء المربي وما هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها، والتي تعمل بدورها على رفع كفاءة ذلك المحضن، واستمرارية العطاء فيه برسم بياني منتظم، سنورد هنا مجموعة من الصفات وهذه:-

1- الإخلاص وصدق النية:

فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وكل ما لا يرد به وجه الله يضمحل، فليس المقام مقام تشريف بل هو مقام تكليف وحمل أعباء أمانة ثقيلة.

"حذاري حذاري من مداعبة الشيطان قلب المربي، فلا يجد فيه موضع حب لإخوانه، وليحرص على أن يأتي الله بقلب سليم"

2- سلامة القلب:

فوا أسفاه على يوسف قتلوه إخوته، قتلوه قبل أن يلقوه في الجب، قتلوه في تلك اللحظات الأولى التي داعب فيها الشيطان قلوبهم، فحرّك فيها نيران الغيرة والحسد، فحذاري حذاري من مداعبة الشيطان قلبك، فلا تجد فيه موضع حب لإخوانك، ولتحرص على أن تأتي الله بقلب سليم.

3- التواضع ولين الجانب:

المؤمن سهلٌ بشوش محب للناس، فلا داعي للعزة الزائفة، واحتكار الحق لنفسك، وكن متواضعاً تكن قريبا من الناس، فمن تصدر الناس فهو خادمهم.

4- الفهم الشمولي:
فعليك أن تتعاطى مع أمور الحياة، كبيرها وصغيرها، بفهم واضح صحيح لا عوج فيه ولا غموض، لأننا نعلم أن فهم السؤال نصف الإجابة.. وفهم الحياة يعني استلام دفة الحياة كل الحياة.

5- الحنكة السياسية التربوية:
عليك أن تكون سياسياً تربوياً خبيراً، بلا مداهنة ولا نفاق، إنما سياسياً تربوياً تعامل مختلف النفوس بما يناسبها ويلائمها، فالسياسة التربوية من صميم ديننا، وهي طاهرة نقية تشخص الداء وتصف الدواء.

6- المعرفة الثقافية:
وليس المقصود بها تلك الثقافة العامة التي تكاد أن تكون سطحية، وإنما هي معرفة أكثر عمقاً وأنضج فكراً، فالأجيال سريعة التعاقب والمعلومات سريعة النماء، فعليك أن تكون صاحب ثقافة شاملة تتابع الجديد، وتطرح المفيد، وتوضح معالم التجديد؛ والمشاهد المؤلمة في هذا المجال كثيرة.

7- الجدية:
قال الله تعالى: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}، إنه منهج الجدية وعدم العبث أو اللهو بالدعوة ومقدراتها، إنه منهج الترقي، جدية في العمل والتربية والمتابعة والتنفيذ، جدية في بداية الأمر تصل بك إلى نهاية ما تريد، جدية وعزم؛ تقود الركب إلى بر الإمان وتحقيق الأهداف، وليست الميوعة توصلنـا.

"أيها المربي.. عليك أن تكون رجلاً في حركتك، في سكونك، في غضبك، حتى في هدوئك"

8- الرجولة:

لقد تكرر لفظ الرجال في كتاب الله عز وجل، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}، إذن إنهم الرجال هم أهل المساجد، وكذلك أنت أيها المربي عليك أن تكون رجلاً في حركتك، في سكونك، في غضبك، حتى في هدوئك، إلا أن بعضاً من المربين قد تلازمهم أخلاق الصبيانية، حتى وإن أطلق لحيته، أو اشتد عوده وضَخُمَ جسده.

وكن رجلا إذا أتوا من بعده      يقولون: مرّ وهذا الأثر

9- السمت:
قيل: المكتوب يظهر من عنوانه، لذلك فإن معرفة الطبائع والصفات، سهلة يسيرة، إذا ما قرأت العنوان جيداً، فكن صاحب مظهر جيد، وسمت إسلامي ظاهر، لا تكن هزليا هشا، بل كن صاحب رسالة يمتلك هُوية متفردة متميزة.

من حسن سمت المسلم       صمت المليء وحكمة المتكلم

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتب أردني مهتم بالشأن التربوي.

شاهد أيضاً

التفكير الفعّال من خلال الرياضيات

يسلط هذا المقال بعض طرق التفكير الفعّال باستخدام الرياضيات، وهو خلاصة تدريب قدمته منصة إدراك …