في ظلال الأزمة.. وقفات في الفهم والتربية

الرئيسية » بأقلامكم » في ظلال الأزمة.. وقفات في الفهم والتربية
عبد الرحمن الدويري

أخي يا بن الدعوة:
* بعضنا ينجر للفتنة بوسوسة شيطان، وبتَسويلِ نفس أمارة بالسوء، ولا يُحاذر!

* يمكنك أن تكون ناصحا، لكن أسلوبَ طرحِك عن قصدٍ أو عن غير قصد - قد يكون بابا للَّغط والاستفزاز، فيَدْلِفُ منه جُهلاء أو مُتربّصون أو مَدفوعون بعِللٍ كثيرة، ليزيدوا الطينَ بلة، والجمرَ اشتعالا!!

* علينا أن نُحاذرَ، فقد بات الأمرُ يُنذرُ بخطر، يُخشى معه سوء الخاتمة للكثيرين، من حيث يظنون أنهم يَحمُون الحقَّ، ويفتدونه، ويدافعون عنه، وباتجاهاته المتضاربة كلها.

* مات لي وَلِيٌّ حَميمٌ منذُ شهر موت فجأة: رجلٌ بسيط، سليمُ القلب، حاضرٌ للخدمة بلا طلب منك، ولا انتداب، كثيرُ الذكر، عَفُّ اللسان، لا مُغتاب لا نمامٌ، حِلسُ مسجدٍ، وحمامةُ فجرٍ، وفي صبيحة يوم تغسيله، كان ينعقدُ أصبعه السبابة على الشهادة، وتعلو وجهَهُ نضرةٌ وسماحة.

* لم يكن ثائرا، ولا مُجاهدا، ولا مُعارضا للنظام بأكثر من إنكار القلب، وهذا أضعف الإيمان بنصّ العقيدة، ولم يكن ابن حركة ولا دعوة.. كان دائم الخوف عَليَّ، والتحذيرَ لي، لكن حاله الذي ذكرتُ، وصفاء سريرته، أفضى به لخاتمة تُشتهى -والله- لكل حريص على النجاة، في حين بِتُّ أخافُ على نفسي وإخواني من عدم إدراكها -لا قدر الله- ونحن في هذه المخاضة، وبعضنا يخوض فيها مع الخائضين.!!

* دخلنا هذه الدعوة لنَنْجُوَ.. ونظفر فيها برتبة المجاهدين الذين اصطفاهم الله لحملِ دينه ورسالته، لنظفرَ بمثل هذه الخاتمة، أو بأحسن منها: الشهادة في نصرة الله ورسوله، وقد جعلناها هتافنا يوم أن بايعنا، فهي أسمى أمانينا، لكن سُفنَ بعضنا - للأسف- تجنحُ مُبتعدة في حَيْدٍ صخريّ من الاختلاف، حيث بعضُ القلوبِ كالحجارة أو أشد قسوة!!

* أقولها لكم بصراحة:

° عند جَلْدِ الإخوان بعضَهم بعضًا، وتجريدِ كلِّ قَبيلٍ قَبِيلَهُ من الفضائل، مع أول بارقة للاختلاف، لمجرد التبايُن في الأفكار، والافتراق في الرؤى،.. ينبغي أن يظل أحدنا جبانا عن الخوض، والتراشق، مع يقيني أن بعض هذا الذي يجري، جاء بدوافع صادقه أمنية، وبعضه الأخرُ جاءت به الغِيرة، وحظوظُ النفس، وتحاسد الأقران، ومنه ما هو محلُّ شُبهة، وأن بعضه زلاّتٍ وأخطاء، وبعضه الآخر خطايا وكبائر، تجلبُ المضَرة، وتُشيعُ السوء، لكن مِن الحكمة أن لا نكافئ بين هؤلاء جميعا في الوزن والقدر، ولا في الدوافع والأسباب، ولا نضعهم موضعا واحدا، في مستوى النقد ووسائله، لذا أن لا نعجل، أو نتمادى، ولا نقابل الأذى بمثله.

إذن، فما فضلُنا على غيرنا؟! حين نصير كلنا سواء!! وعندها نَخرُّ جميعا من سماوات مَبادئنا، لتَخْطَفَنا الطيرُ، أو تهوي بنا الريحُ في مكانٍ سحيق!!

° قف عند قناعتك، وفي حدود فهمك للصواب، والحق، على أصولٍ من العلم والنظر، لأنك سَتسْألُ عنه وحدك، وليس بينك وبين الله حجاب!!

° قف عند هذا الحدّ، دون استعداء، ولا لجاجةٍ ولا انجرارٍ، وإن استهدفك، أو اتّهمك البعض، بما يحلو لهم، أو يحكُ في صدورهم، إلا أن تقَعَ بيدك البيّنة، على خطأ فيه إدانة مباشرة، قد تَلبّس بها صاحبها، فهو لا يرعوي ولا يرجع، أو يتمادي ويزيد شططا، أو يرضى أن يكون - بصورة أو بأخرى - جزءا من برنامج الأذى والعدوان على الحق الذي تحمله، ويحاول أن يُكرهَك على تركه بكل وسيلة، فهاهُنا يقع الإذن بالرَّدِّ موقعه، عن الدعوة والذات المجروحة ظلما، دفعا للأذى، وهنا يُباح لمن بُغي عليه أن ينتصر للحق الذي معه ، فيُظهرَ صوابه، ويبّن الحقائق ويقرع الحجة بالحجة، دُون عدوانٍ على مُخالفه، ولا تَشَفٍّ به، ولا سُرورٍ بتردّيه وانحداره: { ولإن صبرتم، لهو خير للصابرين}.

° أنتظر – دوما- دفاع الله عنك، وعن كلِّ كاظمٍ للغيظ، في سبيله، فقد قال لي ولكم: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا}.

° بيّن الحقَّ من زاوية فهمك، وإيمانيك ويَقنك، ومَعرفتك ومُعايشتك، ولا تقبل أن تتْبَعَ أحدا بلا تظر، أو أن يَفرضَ عليك أحد موقفه ورأيه.

° وفي ظل تعافي المؤسسة -وهي صائرة إليها إن شاء الله - اقبل برأي الأغلبية، الآتي من طريق الشرعية، بلا تلاعبٍ، ولا كولسة، وانصاع له، ولو كان فيه حَتْفك، فيدُ الله مع الجماعة، ويد الله على الجماعة، يا جماعة!! والشرعية بلا شك قائمة، وهي مُحتاجة للتدارك والتجويد.

° أيها الأحباب، في كل مستويات الأزمة، دينُنَا أرحبُ مِن ضَيّقٍ فرضتموه، وواسعٍ ضيقتموه: { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات}، ولا تستبقوا العداوات، فَلَرُبّما تلتقون بفريق من أولئك، في مُنعرج غير بعيد، تكونون أحوج ما تكونون إليهم، ويكونون أحوج ما يكونون إليكم:

أكبادنا احترقت بأنَّات الجوى***ودماؤنا نهر الدموع القاني
والعطرُ فاح من الخمائلِ والرّبا***وكأنه شكوى بغيرِ لسانِ
أَوَلَيْسَ مِن هولِ القيامةِ أن يكون***ن الزهر نمَّامًا على البستانِ
النملُ لا يخشى سُليمان إذا***حَرَسَت قُرَاهُ عِناية الرحمنِ

° رحمك الله يا إقبال، فَدِماؤنا تحترقُ تفريقا للحقّ، لا افتراقا عليه، ونحن نَرى فِئامَا مِنَّا، يُجري فينا أنهار الألم، بغير موضعها، وتُبكينا دموع من دماء كان الأولى بنا توفيرها لميدان عملنا، وكبتِ عدوّنا !!

نعم يا إقبال، فمن المصيبة أن يستحيلَ العطرُ الجميلُ الجذابُ من دعوتنا وقيمنا وتعاليمنا، إلى شكوى تستثيرُ الأغيارَ علينا، وعلى أدواحنا، وخمائلنا!!
ومن العار أن يُصبح الزَّهرُ وَاشِيًا يسعى بالنميمة على بُستانه، أو يصبحَ الدعاةُ الفرقاء أسبابا لهدم الصرحِ، ونثرِ بُنيانه، وما هو بِمُنْتَثِرٍ: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم}، في خدمته وتمام بُنيانه!!

نعم يا إقبال، لو كان لنا يقينُ النّمل، وحِرصِهِ على قُراه ومَدائنه، لما خَشينا عليها، وعَينُ الله تَحرُسُها، لكنَّ يقينَ بعضنا حَارَ، أو تعدّدَ، أو افترق، ونخشى أنْ تُغمضَ القدرةُ عنه عينها، فيُوكله الله لنفسه، فيهلك في طرفة عين!!

° ويقننا أن الله لن يُسْلِمَنا، ما استسلمنا لِمُرادِهِ، فإن أبينا رَدَّنَا إليه بِسياط بلائه، وهاهي تلسعُ جلودنا، وعافيته لنا بالتوافق والاستيعاب أولى بنا وأرحم، وإلاّ فلا أرى ناجيا من البلاء، ممّن نفد صبره فشرد، أو تعاظمَ حِمْلُه فجمد.

أعلم أنّ حجم الظاهرة أقلُّ ممّا تبدو عليه في الفضاء المفتوح، ودون ما تُرَوِّج له الأقلام المشبوهة، وإنها لا تعكس حقيقة الصف ونقاوته وبراءته وفضله، لكل هذا الشَّغبَ مِن فئة محصورة من الطرفين، يأتي عاليَ الضّجيج، ويُسلّطُ عليه الضوء، فيرجع بالأذى على المسار العام كله، ويحزُنُ قلوب المؤمنين و: {ليس بضارّهم شيئا إلا بإذن الله}، وهو على محدوديته، لا ينبغي السكوت عليه، ولا تركه بلا ضوابط، إذا لا يليق بالدعاة، ولا بالأبرار أن يفعلوه، بعد أن حذرهم الله من الارتكاس فيه، في مستوى اللفظ، أو المصطلح، فأوجب عليهم انتقاءه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة : 104]

° أخي في الدعوة، هذه خِيارنا لأنفسنا، فاجعله خيارك لنفسك، وحصنك لدينك وخلقك ويقينك، وتعلّقْ بغايتك البعيدة، وارتفعْ عن المواطن والوهيدَة، وانشرْ فضلك، واكنزْ فضائلك، وارفع لله أمرك، وكن دوما على بصيرة.

أيد الله دعوتنا، ووحّد صفنا، وغفر ضعفنا، وأصلحَ خللنا، واختارَ لنا، حتى يكونُ ليس لنا من بعد خيرته اختيار!!!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

نصيحة لطلاب العلم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من …