عن الخلاف الداخلي في الجماعة “إخوان الأردن” .. ورؤية للحل

الرئيسية » بصائر من واقعنا » عن الخلاف الداخلي في الجماعة “إخوان الأردن” .. ورؤية للحل
ikhwan5

أضحت المحطات المتلاحقة للخلاف الداخلي في الجماعة معلنة، ويمكن اعتبار المحطة الأخيرة؛ والمتمثلة في تفكير مجموعة من قيادات الجماعة ورموزها في تأسيس إطار سياسيّ جديد للعمل؛ من أشدها أثراً على الجماعة وحدة ورمزيّة ونسيجاَ ومستقبلاً. وفي توصيف الخلاف وأسبابه ومآلاته اجتهادات وتباينات، ليس المقام لتناولها، وما يهمّنا –هنا- تناول بعض الجوانب في التوصيف؛ التي يستفاد منها في إنتاج حل لا غيره.

1- لا يستند الخلاف الحالي في الجماعة إلى تباين فكري أو منهجي أو سياسي، بل إنّ أغلب النخبة القياديّة في الجماعة متقاربة في تقييمها ونظرتها للقضايا الفكريّة والسياسيّة المختلفة، ويتضح ذلك من خلال عدة مؤشرات، منها:

أ‌- التوافق على الموقف من الإصلاح الوطني.

ب‌- التوافق على الموقف من مشروع قانون الانتخابات.

ج- التوافق على الموقف من الإصلاحات الرسميّة التي أعقبت الحراك الشعبي.

د- التوافق على الموقف من المشاركة في الانتخابات البرلمانية والبلدية السابقة.

"يمكن النظر إلى الخلاف الحالي باعتباره نتاج مركب من تراكمات نفسيّة وتجارب سلبيّة بين النخبة القياديّة في الجماعة، يرافقه اصطفافٍ تزداد حدته؛ فالانقسام ذو طبيعة نفسيّة لا منهجيّة"

وكل ما يساق من تباينات تندرج تحت التمايز في الأدوار والسلوك لا الموقف أو المنهج؛ بمعنى يمكن الاختلاف حول الكفاءة والفاعليّة في الأداء، كما يُختلف على السلوك ومدى انسجامه مع الثقافة التنظيمية السائدة في الجماعة. وقد يتساءل البعض عن وجود خلاف جوهري حول أولويّة الاهتمام بالقضايا الوطنيّة أو المحليّة، وما أراه أنّه لا يوجد اختلاف فكريّ أو منهجيّ في ذلك، ولا يعدو الأمر وجود حالة من عدم الرضا الذي يعتري جوانب الأداء؛ وذلك عائد لجملة من الأسباب المتعلقة في الجماعة والبيئة الخارجية، يقابل ذلك زخم في القضية الفلسطينية يلقي بآثاره على التفاعل عند الناس، بالإضافة إلى الظرف العام الذي يعيشه الأردن سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً وما يرافقه من معطيات إقليمية، ويغذي مثل هذه التساؤلات بعض الناقمين على الجماعة، والذين يرمون الجماعة بشتى التهم.

2- بمعنى لا يتوقّع – في حال إنشاء كيان سياسي جديد- أن يكون هناك تمايزاً منهجيّاً في الأداء بين الأطراف المختلفة، خصوصاً أنّ أغلب الرموز أخذ فرصة في القيادة التنفيذيّة سواء في الجماعة أو الحزب، لكن قد يتوقّع تمايز في مستويات الكفاءة والفاعليّة والحكمانيّة.

3- يمكن النظر إلى الخلاف الحالي باعتباره نتاج مركب من تراكمات نفسيّة وتجارب سلبيّة بين النخبة القياديّة في الجماعة، يرافقه اصطفافٍ تزداد حدته؛ فالانقسام ذو طبيعة نفسيّة لا منهجيّة، ونجد أنّ مستويات هذا الخلاف تقل في الدوائر المهنية والفنية المختلفة، كما هو الحال عند الأفراد.

4- أغلب أفراد الجماعة يمقتون الخلاف، ويرغبون بوحدة الجماعة، ويعتبرونه مقصداً، ولا يتفقون مع أيّ مسلك يخالف الثقافة التنظيمية الصريحة والضمنية للحركة الإسلاميّة.

5- إنّ الاتجاه العام في الاهتمام عند أعضاء الجماعة ليس سياسيا، وهذا يتضح من مستويات الانخراط في العمل السياسي والحزبي مقارنة مع غيره من جوانب تربوية ودعوية ونقابية وطالبيّة وغيرها.

6- إنّ الظرف الذي يمرّ به الأردن، وما أعقب الربيع العربي من تطورات، بالإضافة إلى تعامل المؤسسات الرسمية مع الأحزاب، يضاف إلى ذلك الموروث التاريخي عنها، فإنّ كل ما سلف قلل من رغبة الأردنيين في الانخراط في الأحزاب السياسية، كما أضعف دور الأحزاب في الحياة السياسية.

7- من المفترض أن تكون الجهود باتجاه الانخراط في مشروع نهضوي يكون من صميم رسالته بناء مؤسسات تربوية واقتصادية وثقافية واجتماعية خدمة للأردن، وتسهم في تمتين تربية الشباب الذي يُنهش دينياً واجتماعيّاً، كما تعمل على كسب قلوب الناس لفكرة الحركة الإسلاميّة، وتراكم الإنجازات.

8- عند الإقدام على أي مشروع سياسي أو اقتصاديّ أو اجتماعيّ من المهم القيام بدراسة جدواه؛ إذ لا يكفي أن يكون المحرّك للمشروعات هو الخلاف الداخلي –مهما كان قاسياً مرحليّاً-والبعض أحياناً يدلل على هذا المسار باستحضار تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، وهذه مقايسة مع فوارق، ولكنّه –في ذات الوقت- لا يستحضر التجارب الأخرى، والتي كانت نتائجها سلبية عموماً؛ على كل صاحب مشروع أن يحكم على جدوى مشروعه في بيئته ومعطياته. وفي ظل خصوصيّة الأردن اجتماعيّاً وسياسيّاً فإنّ القيام بإنشاء كيان جديد سيؤثّر سلباً على الفكرة الإسلاميّة بمجملها، ولن يستثنى طرف من هذا التأثير السلبي.

9- يجب أن نستدعي ما تمر به المنطقة من تطورات غير مسبوقة خصوصاً في الجارة العزيزة سوريا، والضفة الغربية واليمن ومصر وليبيا، مع ما رافق ذلك من حملة شعواء على الحركة الإسلاميّة في المنطقة. إنّ هذا الظرف يدعونا إلى مزيدٍ من التماسك وتوحيد الكلمة ونبذ الفرقة.

"جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج، فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم وأقام الحجة عليهم"

10- إذا أردنا النظر إلى تطور التهديدات والفرص التي تتعرض لها الحركة الإسلاميّة؛ فيمكن اعتبار أنّ المسار تجاوز ذروة الاستهداف بفعل انعطافات متعددة تتمثل في التغيير الذي حصل في الحكم في المملكة العربية السعودية وتطورات الأحداث في اليمن وسوء الأوضاع في مصر في ظل حكم العسكر، كما أسهمت التطورات في الضفة الغربية وفوز حزب العدالة والتنمية في تركيا في تجاوز هذه الذروة. وبهذا تتشكل مرحلة ذات ملامح سياسية مختلفة، تحتاج من الحركة الإسلامية إستراتيجيات مختلفة، تنهض ابتداء على الوحدة والتماسك، فلا يعقل عند بدء الفرص وانحسار التحديات –ولو مرحليّاً- أن نقابلها بالانقسام والتفتت!

11- قد يرى البعض أنّ في إنشاء كيانات جديدة فرصاً، كما أنّه ليس انقساماً، خصوصاً أنّ من يقترحون ذلك يتمسكون ببقائهم في الجماعة. حتى لو تمّت موافقة الجماعة على إنشاء كيان جديد؛ فسنكون أسسنا لبدء الانقسام الفعلي، الذي سيكون مؤكداً بعد حين، سواء قصدنا أم لم نقصد، وسينتج ذلك حالة من الحيرة والتشتت لدى أبناء الجماعة وعموم المجتمع، ومهما حاول البعض تبسيط المشهد، ووضع قواعد تنظمه؛ فلن تنجح الحركة الإسلاميّة في التعامل مع هذه الثنائية.

رؤية للحل:

تأسيساً على ما سبق، ونظراً لغياب مبررات مصلحيّة مقنعة لتأسيس إطار سياسي جديد، وحيث أنّ ما يجري هو شكل من أشكال النزاع الداخلي، ونظراً لعدم نجاح أيّ من المبادرات أو المحاولات السابقة لتجاوز الخلاف؛ والمبادرات هي شكل من أشكال الصلح الذي يزيل الخصومة والإشكال بتراضي الطرفين، كما لم تفلح جهود المؤسسات القيادية في تدارك الأمر وتطويق النزاع، فأقترح لتجاوز المرحلة الحاليّة القيام بما يلي:

1- اللجوء إلى التحكيم، وهو مبدأ إسلاميّ أصيل، كما أنّه مسار خاص لحل الخلافات، ويُعمل به سياسياً واقتصاديّاً واجتماعيّاً. وهو وسيلة للصلح بقرار خارج عن الطرفين المتنازعين. وعملت بمقتضاه دول فيما بينها، كما لجأت إليه دول مع شركات، وأمّا في الخصومات التجارية والفردية فكثيرون يقدموه على القضاء، ومما يجدر التنبيه إليه أنّ الله تعالى أمرنا بالصلح من خلال التحكيم؛ إذ قال عزّ وجلّ: ((وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)) النساء:14، وهذا في شأن البيت المسلم؛ فيكون في شأن الجماعة آكد وأوجب. وقال الإمام النّووي رحمه الله شارحاً لحديث نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ -رضي الله عنه-: (فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج، فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم وأقام الحجة عليهم... وإذا حكم بشيء لزم حكمه ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع عنه ولهم الرجوع قبل الحكم)، وحكم سعد كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما يشمل شخصه الكريم عليه السلام من أنواع الشرعيّة وبين اليهود. فكيف الحال بين النخبة في الحركة الإسلاميّة.

2- والمقصود بالتحكيم هو عرض الخلاف الحالي بين الأطراف على هيئة تحكيمية تتكون من الأغيار، ويتم تعين أعضاء هيئة التحكيم التي يفترض أن تكون بعيدة عن التحيز لأي من أطراف النزاع، ويتم القبول بحكمها. ويتفق مجلسي شورى الجماعة والحزب على الذهاب للتحكيم والنزول على حكم الهيئة، والعمل بمقتضاه.

"أمّا أنتم يا أبناء الجماعة فعليكم أن لا تقبلوا بغير الوحدة ولمّ الشمل، وعليكم أن تقوموا بدوركم، وأن تبذلوا الوسع، كلّ من موقعه؛ لاستمرار هذه الجماعة نسيجاً واحداً ربانيّاً"

3- يُقترح أن تتشكل هيئة التحكيم من سبع شخصيّات رفيعة، فمثلاً يمكن أن تتشكل الهيئة من رؤساء الحركات الإسلاميّة في المنطقة؛ أو من يقوم مقامهم ممن تعينهم حركاتهم لهذا الشأن، أو من هيئة يشكلها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بحيث يعرض الطرفان وجهة نظرهما في الأزمة واقتراحاتهما لتجاوزها، من خلال لجنة تمثل كل طرف، ويقبلان بقرار الهيئة أيّاً كان، واعتباره قراراً قطعيّاً، ويسري القرار على جميع المستويات في الجماعة والحزب.

4- تحدد هيئة التحكيم الخطوات التي تراها مناسبة، وجميع ما يستلزم نجاح عملها، ويستجاب لذلك.

وختاماً،،،

فأدعو كلّ الحريصين من قادة الحركات والأحزاب الإسلاميّة والعلماء والمحبين لهذه الدعوة المباركة المبادرة بتقديم الجهد لرأب الصدع واستئناف المسيرة في ظل هذا الاستهداف الخارجي لمنطقتنا ولدعوتنا.

أمّا أنتم يا أبناء الجماعة فعليكم أن لا تقبلوا بغير الوحدة ولمّ الشمل، وعليكم أن تقوموا بدوركم، وأن تبذلوا الوسع، كلّ من موقعه؛ لاستمرار هذه الجماعة نسيجاً واحداً ربانيّاً، التي لن يفرح بتشظيها –لا قدّر الله تعالى- إلا كل من لا يريد الخير لهذه الدعوة المباركة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
يعمل في مجال الاستشارات الإداريّة، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية ودبلوم عالي في MIS، وشهادتي ماجستير في MIS والعلوم السياسية ودكتوراه إدارة الأعمال. لديه العديد من المؤلفات من أهمها: نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي، رسالة في الطريق إلى دعوتنا، الموجز الميسر في ثقافة دعاة العصر، مصادر القوة والتميّز عند الداعية، الابتسامة وأثرها في عمل الداعية. له الكثير من الأبحاث والمقالات السياسية والفكرية والتربوية والدعوية.

شاهد أيضاً

شهادة الشيخ محمد حسين يعقوب ومحاكم التفتيش

تلك محاكم تفتيش حقيقية، مثل سابقتها في مأساة الأندلس القديمة. فلم يأتوا بالشيخ يعقوب ليسألوه …