أنر الزاوية التي أنت فيها

الرئيسية » خواطر تربوية » أنر الزاوية التي أنت فيها

اتكل كلّ منا على الآخر في إصلاح العالم وأوكل المهمة إليه دون الالتفات لدوره الذي يمكن فعلاً أن يخل بالتوازن، دون أن يلتفت إلى احتمال اعتماد الآخر عليه بالمقابل. فتتفاقم المشكلة، دون أن ينتبه حتى إلى أن هذا الآخر إن تصرف فقد يفعل ما يسوق إليه الضرر.

مسؤول يعني "ستُسألْ":

حين كنت صغيرة كانت قصة تروى أمامي باستمرار حتى مللت منها، وشعرت أنني استوعبتها أكثر من اللازم، وكأنني أعلم أنني سأضطر للعودة إلى دروسها ذات يوم، بل طوال عمري...

فكر حاكم إحدى القرى في إيجاد حل لمشكلة الفقر في قريته، فأمر بأن يتبرع كل من لديه بهيمة تنتج اللبن بكوب واحد فقط من اللبن ليسد به احتياج فقراء القرية، وحين جاء الموعد الذي حدده الحاكم، عبأ أحد مالكي المواشي كوبه بالماء وأضمر في نفسه أن كأساً واحدة لن تفسد كمية اللبن الكبيرة التي سيتبرع بها الآخرون، وقد مر الأمر بالفعل دون أن ينتبه أحد إلى فعلته، لكن حين أمر الحاكم بتقسيم اللبن على الفقراء تفاجأ الجميع بأن الإناء مملوء بالماء بدلاً من اللبن؛ لأن الجميع تصرفوا بذات طريقة الرجل البخيل ولم يتبرع أحد منهم باللبن، فانفضحت أخلاق أخرى كالغش والبخل والاتكال على الغير، فجعلت السبب الحقيقي لمشكلة الفقر يظهر جلياً أمام جميع أهل القرية.

" لم يأت أحد سكان المريخ إلى هذا الكوكب لتخريب حياتنا، وبالتالي لن يعيد التوازن إليها إلا (نحن) لأننا السبب في اختلاله"

هكذا بالضبط، يختل توازن العالم الذي نعيش فيه؛ لأن كلاً منا اتكل على الآخرين للقيام بواجبه حتى في الاهتمام بأموره وإصلاح نفسه وأداء التزاماته العملية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، الجميع مستمر في إلقاء المسؤولية على الآخر، والتبرير للخطأ من دون موضوعية حتى ينفي التهمة عن نفسه وحسب، كل ذلك تحت شعار: "وكأنني أنا الذي سأصلح العالم، وكأنني سأسبب اختلال توازنه إن قصّرت".

للأسف الجواب نعم... فهذا الاختلال العام في توازن الحياة التي نعيشها وارتباك الأخلاق وتمييع الحقائق، هو من صنع أيدينا ونحن بالتحديد من يتسبب به، فليس من المنطقي اعتقاد أن أحد سكان المريخ جاء إلى هذا الكوكب لتخريب حياتنا وحسب. وبالتالي لن يعيد التوازن إلى تلك الحياة إلا نحن، لا أقول بتحمل مسؤولية الآخرين بل على الأقل بوقوف كل منا عند مسؤولياته.

على اعتبار أن "نفسي نفسي" مبدأ صحيح، لو تهيّأ كل منا لتحمّل مسؤوليته كاملة تجاه نفسه على الأقل، وأعدّ نفسه ومنحها التأهيل المناسب واللائق للقيام بواجبه ثم للتكامل مع المجتمع في أداء الأدوار، أتوقع حينها أن نحافظ على البقية الباقية من التوازن في هذا العالم، بل وسيتعداه الإصلاح لترميم الجزء الذي تلف واختل، وحين يدرك الإنسان أبعاد موقفه وثقل جوابه حال توجيه سؤال له عن مسؤولياته وما فعل بشأنها، وكيف تصرف، فربما يحفزه ذلك لأداء أفضل بإخلاص لنفسه أولاً، ثم لهذا العالم الذي ينتمي إليه ويشكل جزءاً مهما منه.

" ثمة بريق خاص يحيط أولئك الذين يهتمون بأنفسهم ويحيطونها بالرعاية والدعم الخاص فيتميزون في ظل التشابه الذي نعيشه"

كن أنت التغيير الذي تريده:

يقول الشاعر الهندي طاغور: "أنر الزاوية التي أنت فيها"...

هكذا بالضبط وهكذا فقط وهكذا تماماً، فليس مطلوباً مني أن أصلح العالم، عليّ فقط أن أصلح نفسي وإن كان العالم كله يؤثر الاختلال، وأنا مقتنعة أن لا أحد سيؤثر الاختلال.

أفرح حين أجد شباب الجيل يتعثرون ولو بلا تخطيط بالممارسات الحميدة كالقراءة مثلاً، في ظل الظروف القائمة وضيق الفرص، يجد الشاب العربي نفسه أمام خيارات محدودة، فيقرأ ويرسم ويصنع الأشياء ويلتقي بجيله ويتناقش معهم ويكرر المحاولات بجدية وإصرار حتى يعيش، بدافع الغيرة أحياناً وبدافع إثبات الذات والشعور بالكينونة أو حتى طلباً للظهور والمديح والتميز بين أقرانه.

حتى أن ثمة بريق خاص يحيط أولئك الذين يهتمون بأنفسهم ويحيطونها بالرعاية والدعم الخاص فيتميزون في ظل التشابه الذي نعيشه، ولعل الاطلاع على ما يحيطنا والتواصل معه بإيجابية وعرض أنفسنا على مبراة القيم والأخلاق والمبادئ بين وقت وآخر، سيكون في صالح المنظومة الكاملة للمجتمع.

كيف يمكن لي أن أهيئ نفسي لأداء دوري؟ في الحقيقة هي خطوات بسيطة، تتلخص في أن تؤمن بأن لديك شيئاً ما لتقدمه، وبأنك لم تخلق ولم توجد في البقعة التي أنت فيها عبثاً ولا وجود عشواء، فهناك هدف لكل شيء، ووجودك بهذه الشخصية والقدرات وطريقة التفكير أهم هذه الأشياء.

" احمل لافتة الإيجابية عبر ملامحك، أقوالك وأفعالك، لتنشر عدوى الإيجابية، ثم انظر للعالم من بعيد وستكون راضياً جداً!"

يتداول الشباب مقولة لكنفاني: "لك شيء في هذا العالم، فقم" تصديق ذلك هو نصف الطريق، يتبقى عليك بعد ذلك أن تفهم نفسك وتحدد ما هو لائق بك ومناسب لك، ثم تبدأ في تحديد المكان أو الثغرة التي يمكنك ولا يمكن لغيرك أن يملأها فهي تليق بك وحدك وتحتاج إلى شخص بمواصفاتك بالضبط. إن تخيلت أن هذا العالم كلٌ متكامل، فإن الثغرة التي تخصك لن تكتمل إلا بك.

تصرف كما لو كان كل ما حولك مناسباً ومثالياً وكل من حولك قائماً بواجبه، ولم يتبق مطلوباً من أحد أداء دوره غيرك أنت، جد معنى لحياتك، تواصل مع ما يعزز هذا المعنى، اقرأ، اطلع، ناقش، أدّ دورك في العائلة، تعلّم شيئاً جديداً، اختر أصدقاءك، أعط رأيك أحياناً، تخيّل، احلم، اطمح، تقبل عيوب الآخرين، استوعب النقص في والأشياء، عدّل ما تستطيع تعديله، تواءم مع الظروف، ابن نفسك، رفه عن روحك حين تمل، قوّ ضعيفاً، تكيّف مع ظرفك أحياناً، تمرد وثر على الخطأ، غيّر للأفضل، ساعد محتاجاً، احمل لافتة إيجابية عبر ملامحك، أقوالك وأفعالك... ستنتشر الإيجابية كما تفعل التفاحة التالفة بالتفاح من حولها، لكن العدوى هذه المرة إيجابية جميلة. ثم انظر للعالم من بعيد وستكون راضياً جداً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

الشهداء.. والحفاظ على البوصلة

رغم تغير الظروف وتعقيدات المشهد، والوقوع ضمن خيارات صعبة هنا وهناك، واللجوء إلى حلول قد …