التدوين والتوثيق لتجاربنا الحركية

الرئيسية » بصائر الفكر » التدوين والتوثيق لتجاربنا الحركية
00000

من علامات النقص والتقصير في دعوتنا، إقلالنا من تدوين تجاربنا الحركية، وتساهلنا في توثيق خبراتنا الدعوية وانجازاتنا الجهادية، ونحن في ذلك ننطلق من دوافع متعددة اعتدنا على تكرارها لتبرير هذا النقص، ويظن البعض منا أن هذه المبررات مطلقة الصواب وقطعية الثبوت وغير قابلة للجدال والمناقشة والبحث والمراجعة مما يؤدي في النهاية إلى ضياع خير كثير، وحجب معلومات وفوائد عن أجيالنا القادمة، وذلك قد يؤدي في بعض الأحيان إلى دخول دائرة كتم العلم المنهي عنها.

إن أول مبررات هذه الظاهرة يتمثل في دعوة الزهد والحرص على إخلاص العمل لله والتمسك بمنهج تربيّتنا عليه في دعوتنا منذ أمد بعيد عنوانه إنكار الذات ورفض المنّ والفخر على الناس بانجازاتنا واستحضار العمل بصمت بعيداً عن الأضواء، حتى لا تعلم الشمال عندنا ما قدمت وأنجزت يميننا، ونحن هنا لا ننكر صواب هذا النهج التربوي، ولا نعترض على أصالته وضرورته، لكن للأمر زوايا أخرى مكملة وشارحة ومفصلة.

ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مواقف الصحابة وأقوالهم وهم خير جيل وطئ الأرض، وهم أكثر الناس زهداً وورعاً وأعمقهم إخلاصاً، فهذا سعد بن أبي وقاص يوثق سبقه مؤكداّ أنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وآخر يروي مشاركته في الغزوات ويفصّل بطولاته، وثالث ينقل أخبار هجرته أو قصص مساهمته وانجازاته في الدعوة إلى الله كما ذكر مصعب بن عمير.

"يؤدي الزهد في تدوين التجارب إلى ضياع خير كثير، وحجب معلومات وفوائد عن أجيالنا القادمة، وقد يؤدي ذلك في بعض الأحيان إلى الدخول في دائرة كتم العلم المنهي عنها"

ورابعهم خباب بن الأرت يحّدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أيام خلافته عن تفاصيل ما لاقاه من تعذيب واضطهاد عندما أسلم في بداية البعثة، ليكون بمثابة توثيق لتلك المرحلة الهامة من تاريخ الدعوة، وعمر يستمع ويقرّ ولا ينهاه عن ذلك بحجة إخلاص العمل، وتلك حالة تشابه إلى حد ما دخول أبناء حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أقبية التحقيق في سجون الاحتلال، وكان فيها أمثلة حافلة بالبطولة وظهرت نماذج يُحتذى بها، لكنّ أصحابها يزهدون في تدوين تجاربهم، وفي المقابل يتصدر رجال من حركات أخرى لعل بعضهم لا يصل إلى مستوى صمودنا وثباتنا لكنه يكتب ولا نكتب ويفعل ويحلل ونحن نقصر ونعطل، فيحفظ التاريخ انجازاتهم وتمحو الأيام انجازاتنا، ثم تأتي أجيال تلوم وتعاتب حين لا ينفع الندم ولا يجدي العتاب.

ويسوق آخرون سبباً آخر لعزوفهم عن التدوين وامتناعهم عن التوثيق يتمثل في ظروف السرية التي تناسب عملنا الحركي وهيكليتنا الدعوية بحيث أن كُشف بعض التفاصيل قد يعرض الحركة أو بعض رجالاتها للخطر وقد تنفضح خطط وأساليب تسّهل على العدو محاربة الحركة وملاحقتها والتضييق عليها، فهي دوافع ذات طابع أمني بحت.

ولا شك أن كوننا حركة مقاومة تواجه الاحتلال يفرض علينا أن نأخذ هذا الجانب بعين الاعتبار بحيث لا تدفعنا العاطفة إلى تقديم معلومات مجانية قد تستخدم ضدنا.

لكن هذا الأمر أيضاً يخضع للنسبية ولا يجوز الاحتجاج به في كل حين وفي كل حالة إذ ليس كل أعمالنا سرية وليس كل نشاطاتنا وفعالياتنا خطيرة تستجلب دفع الثمن.

كما أن كثيراً من الأحداث والانجازات متعلقة برجال مضوا في سبيل الله شهداء لا يضرهم نشر أعمالهم ولا حجة لمن عايشهم إن هو قصر في تدوين خيرهم وفضلهم.

ثم إن جولات الصراع المتلاحقة بيننا وبين المحتل وأعوانه وما صاحبها من اعتقالات وتحقيقات واعترافات ومصادرة وثائق وملفات قد رفعت المبرر الأمني عن كثير من الأحداث.

ومن طرائف هذا الجانب ما حدثني به أحد إخواني من قادة حماس ونحن في السجن من أنه كان يسجل شيئاً من تاريخ الحركة وبعض البدايات التي عايشها بنفسه لكنه كان شديد الحرص على عدم كتابة أي أمر قد يسبب ضرراً للحركة أو لبعض رجالها فكان أن امتنع عن تدوين مجريات أحد الاجتماعات التنظيمية التاريخية والتي جرى فيها مناقشة مسائل هامة ومركزية انتهت بقرارات لها ما بعدها خاصة أن المشاركين في ذلك الاجتماع كانوا خارج السجن عندما تمت عملية التدوين.

ولذلك كان الامتناع عن التسجيل له ما يبرره ابتداء، لكن هذا الأخ فوجئ بعد ذلك وبعد ما أتقنّ اللغة العبرية حين وجد تفاصيل ذلك الاجتماع مدونة بدقة في كتاب صدر قبل سنوات باللغة العبرية، ويبدو أن تلك المعلومات قد وصلت للمؤلف عبر أقبية التحقيق التي كانت قد فضحت عدداً ممن شارك في الاجتماع في فترات اعتقال سابقة.

فبدا الأمر كما لو أننا نريد تغطية الشمس بالغربال، وصرنا كأننا نحجب الحقائق التاريخية عن أبناء شعبنا عموماً وعن أبناء حركتنا خصوصاً، بينما هي واضحة جلية لدى المحتل وقد دفع إخواننا ضريبة تلك الأعمال والانجازات.

وما زلت أذكر حديث أحد المحققين معي أثناء جولة تحقيق تخللها كلام عن التاريخ. حين قال لي: "إذا أردت في يوم ما أن تكتب تاريخ حماس فعليك العودة إلى أرشيف المخابرات الصهيونية"، وقد صدقني وهو كذوب.

"يقصر البعض في تدوين تجاربهم بحجة انشغالهم في العمل وضيق أوقاتهم، لكن هؤلاء يغفلون عن أهمية نقل التاريخ للأجيال اللاحقة"

ويقصر آخرون في تدوين تجاربهم بحجة انشغالهم في العمل والحركة وضيق أوقاتهم أو لرغبتهم بأن يكونوا عمليين أكثر، لكن هؤلاء يغفلون عن أهمية نقل تاريخ الحركة للأجيال اللاحقة كما أنهم قادرون على تخصيص جزء من أوقاتهم للتدوين والتوثيق إذا تكونت لديهم القناعة بضرورة ذلك، ومعظم هؤلاء قد دخلوا السجون لفترات مختلفة كان يمكن لهم خلالها أن يستغلوا تلك الفرصة وأن يعتبروا ذلك من الأولويات الهامة.

ويعاني بعض أصحاب التجربة عندنا –خاصة في المجال الجهادي- من ضعف في الصياغة ونقص في قدرات الكتابة وهؤلاء لهم أن ينقلوا خبرتهم إلى صاحب قلم سيال فيشاركهم في الأجر، وتتم الفائدة التي نبحث عنها، وتتحقق الغاية التي نسعى لها.

ويطالبنا البعض بأن تكون كتابتنا على الوجه الأكمل الذي لا نقص فيه، ويردون منا أن نكون كلماتنا رصينة وعباراتنا متينة وأن نكون في مستوى سيد قطب والرافعي وإلا فلنعتزل الكتابة. ونسي هؤلاء أن الأسواق مليئة بكتابات الآخرين الذين هم أقل قدرة وشاناً منا.

وأن المعلومة التاريخية بعد حين تكمن أهميتها في مضمونها أكثر من أسلوبها، وقد يعتمد عليها مبدع متقن فيضمنها كتاباته ويلبسها تاج الأدب والبلاغة فتصير أقرب إلى القلوب وتقر لها العيون وتطرب لها الآذان حين تتلى عليها.

وهذه ليست دعوة للقبول بالكتابة الهزيلة العرجاء، لكنها درجات في الإبداع نسعى لأعلاها دون رفض ما هو أقل من ذلك.

أما وقد دحضنا لك مبررات التقصير وفنّدنا معك أسباب النقص في التدوين فلا بد من الإشارة إلى أن كتابتنا ملزمة بالموضوعية وبتوخي الدقة والصدق، وإن كان فيها نقد ذاتي فليكن بالحكمة والأدب والجميل الذي اعتدنا عليه، ومن يكتب منا فليحرص على إظهار البعد الجماعي وفضل المجموع. ولا ينسب لنفسه ما ليس لها، ولا يذكر من شأنه إلا ما فيه الفائدة والعبرة.

ولا ننصح المبتدئ ولا الشاب الصغير بخوض هذا المجال ولا النزول إلى هذا الميدان حتى يشتد عوده ويتراكم عطاؤه، وتنضج تجربته، فلا يراهم السابقين الأوائل ولا يتطاول عليهم. ونحب لكل من يكتب أن يستشير مع إخوانه وأن يعرض على الثقات مادته وأن يقبل منهم النصح والتوجيه، لتحل عليه بركة العمل الجماعي.

وأنت حين ترى غيرنا يملأ الدنيا صراخاً وهو لم يفعل عشر معشار فعلنا، لا يبقى أمامك إلا أن تنهض وتنبش الذاكرة، وتستحضر الانجازات وتداعب القلم بأناملك ليخط التجربة وينقل الخبرة فيقتدي اللاحقون وتلاحقك دعوات الصالحين.

--------------------------------------------------------------------------------

  • قيادي في حركة حماس

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتب في موقع بصائر، قيادي في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وناطق باسمها. أسير فلسطيني محرر في صفقة وفاء الأحرار.

شاهد أيضاً

الحركة الإسلامية وقيادتها بين أهل الثقة وأهل الكفاءة

الحركة الإسلامية: تجمّع بشري يهدف إلى تطبيق الفكرة الإسلامية بكل أبعادها في واقع الناس وحياتهم، …