التميّز ومتطلباته في أداء الأعمال الدعويّة

الرئيسية » بصائر الفكر » التميّز ومتطلباته في أداء الأعمال الدعويّة
opinions6

لقد أصبح التميّز سمة رئيسة في إدارة المنظمات، وغدا مطلباً إنسانيّاً، وهو انعكاسٌ لسمات ثقافة تنظيمية ممتازة، ويمكّن الأداء المتميز الدعوة من القيام بالعمل بشكل جيد في بيئات مختلفة، كما يمكّنها من الاستجابة للتغيرات الحادّة التي قد تحصل في البيئة الخارجية، وهو لازمة لمزيد من التفوق والكسب الشعبي، كما يعمل على تشجيع الابتكار، وهو حتميّ لها، وذلك أن حجم التحديات والمتغيرات التي تواجهها قد أتاحت تهديدات وفرصاً في وقت واحد.

ويعرف التميّز بأنّه هو الممارسة الباهرة في إدارة العمل الدعوي، وتحقيق نتائج ترضي مختلف الأطراف ذات العلاقة. وعند تتبع القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ نجد كثيراً من التوجيهات والممارسات التي وجهت الجماعة والأفراد للعناية بالتميّز والتفرّد، وصدق الله تعالى عزّ وجل؛ إذ يقول: {كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس}.
(آل عمران:110)، وقوله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماماً}. (الفرقان: 74). بل كان التميّز قيمة حضاريّة فارقة عند المتقدمين من سلفنا الصالح.

"يعرف التميّز بأنّه هو الممارسة الباهرة في إدارة العمل الدعوي، وتحقيق نتائج ترضي مختلف الأطراف ذات العلاقة"

وينظر للتميّز بأنّه نتاج تفاعل العناصر الأربعة التالية:

أ‌- الإدارة: حيث تقوم بعمليات القيادة والتنظيم والرّقابة وتحديد الإستراتيجيات ومستويات الأداء. وهي معنيّة بالقدرة على تكييف العمل في مناخ اجتماعي وسياسي واقتصادي متغير ومتطور.

ب‌- الأفراد: أي كيفية إدارة وتوجيه السلوك التنظيمي لهم من أجل تحقيق الأهداف. وعلى الدعوة الإسلاميّة أن تعمل على استقطاب الأفراد المبتكرين؛ والذين يمثّلون الموجودات الحقيقية الأكثر جدوى في تطوير الأداء.

ج‌- النظم: وتشمل جميع النظم المرتبطة بأداء المهمات، والتي يجب أن تعمل على دعم الابتكار ومساندته.

د‌- النتائج: وتتمثل في تحقيق الأهداف الدعوية بكفاءة وفاعليّة.

وبناء على ما سبق؛ فإنّ إدارة التميّز هي القدرة على تنسيق عناصر المنظمة وتشغيلها في تكامل وترابط لتحقيق أعلى معدلات الفاعلية، والوصول بذلك إلى مستوى المخرجات التي تحقق رغبات ومنافع وتوقعات جميع الأطراف ذات العلاقة بالعمل الدعوي.

"يستند التميز إلى إطار فكري واضح، يعتمد التكامل والترابط ويلتزم منطق التفكير النظامي، والذي يتعامل مع الحركة الإسلاميّة باعتبارها منظومة متكاملة"

ويستند التميز إلى إطار فكري واضح، يعتمد التكامل والترابط ويلتزم منطق التفكير النظامي، والذي يتعامل مع الحركة الإسلاميّة باعتبارها منظومة متكاملة، تتفاعل عناصرها وتتشابك آلياتها، ومن ثم تكون مخرجاتها محصلة لقدراتها المجتمعة.

وللتميّز في الأداء ثلاثة أبعاد هي: أولاً، الثقافة التنظيمية؛ والتي ينبغي أن تشجع على الابتكار والإبداع وبناء المناخ التنظيمي؛ الذي يحفّز العاملين على توليد الأفكار الإبداعية والمبتكرة. ثانياً، الاستراتيجية؛ التي تعمل على اتخاذ الإجراءات الفورية لتصحيح الانحرافات، والبعد الثالث، هو القيادة التي تدفع العاملين نحو تحقيق مستويات متميّزة من الأداء.

ويمكن تحديد مجموعة من المتطلبات الرئيسة والمرتكزات اللازمة لتوفر إدارة تميّز، وهذه الأسس:

1- البناء الاستراتيجي: والذي يعكس توجهات الحركة الإسلاميّة ونظرتها المستقبلية، ويتضمن مجموعة من العناصر الواجب اعتمادها، وهي: الرؤية، والرسالة، والقيم، والاستراتيجيات، والأهداف.

2- التوجّه نحو المجتمع: فالمجتمع بجميع مكوناته، والذي نعيش ضمنه، هو المحرك الرئيس لأنشطتنا واهتماماتنا، واحتياجاته.

3- العمليات الدعوية: إن أساس الإدارة المتميزة هو النظر إلى الحركة الإسلاميّة باعتبارها مجموعة من العمليات المترابطة والمتداخلة. ويجب أن تكون العمليات محددة وواضحة لجميع العاملين؛ ليتمكنوا من فهمها وتطبيقها.

4- الموارد البشرية: وهم المصدر الحقيقي لثروة الدعوة، وهم جزء من رأس المال، ويشكلون مختلف القدرات والمهارات والخبرات التي تتوافر للدعوة. وعلى الإدارة المتميّزة أن تتبنى الاستثمار في مواردها البشريّة، من خلال التعامل الجيد معهم، والعمل على تدريبهم وتعليمهم وتطويرهم، وعلى الإدارة العليا بناء العلاقة مع الموارد البشرية من خلال المرتكزات التالية: التقدير، التمكين، التنمية، التوجيه، الالتزام، إدارة الأداء.

5- بناء شبكة من العلاقات داخل البيئتين الداخلية والخارجية، بحيث ترتكز العلاقات على الثقة، والاتصال الدائم، والتعاون المشترك.

6- التعلم والتدريب والتطوير المستمر: فالمنظمات تتعلم؛ أي تكتسب أنواعاً جديدة من السلوكيات الإيجابية، وذلك من خلال تعرضها للتجارب، التي تفرض عليها ترك أو تعديل أنماط سلوكية سابقة، والتي لم تعد تناسب المتطلبات المستجدّة. والتعلم في المنظمات يمثل أساساً للإدارة المتميّزة؛ لأنه يمكنها من متابعة الجديد من الخبرات والمعلومات، ويدعم تكيفها مع التغيرات في البيئة، ويشجّع الابتكار، بالإضافة إلى التحسين المستمر، والتطوير المتواصل للممارسات وتجنب الإخفاقات.

7- توافر هياكل تنظيمية مرنة، تستوعب التغيرات المستمرة بفعل التطورات الهائلة في التكنولوجيا وعلوم الإدارة، والتباينات بين الأفراد، وخصوصية المناطق الدعوية المختلفة، وطبيعة الأعمال المنوي القيام بها.

8- القيادة الاستراتيجية، والتي تمتلك قدرة على التفكير والتصرف يؤدّي إلى رسم الاتجاه العام وتصوّر الرؤى المستقبلية للدعوة، وتصميم رسالتها وتحديد غايتها على المدى البعيد، وتحديد أبعاد العلاقات المتوقعة بينها وبين بيئتها.

9- المواءمة والانسجام: وتعني جودة الربط والتنظيم بين الأسس السابقة، وذلك لتعظيم فرص التميّز في الأداء الدعوي.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
يعمل في مجال الاستشارات الإداريّة، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية ودبلوم عالي في MIS، وشهادتي ماجستير في MIS والعلوم السياسية ودكتوراه إدارة الأعمال. لديه العديد من المؤلفات من أهمها: نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي، رسالة في الطريق إلى دعوتنا، الموجز الميسر في ثقافة دعاة العصر، مصادر القوة والتميّز عند الداعية، الابتسامة وأثرها في عمل الداعية. له الكثير من الأبحاث والمقالات السياسية والفكرية والتربوية والدعوية.

شاهد أيضاً

“افعلوا الخير” دعوة قرآنية وخُلُق نبوي

يقول رب العزة تبارك وتعالى في كتابه العزيز: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا …