قصة الجليد والنار في مضايا

الرئيسية » حصاد الفكر » قصة الجليد والنار في مضايا
أسامة الأشقر

إذا كنتَ دمشقيًّا أو زائرًا لها فلابد لك في أيام اصطيافك أن تتجه صوب بياض الثلج في بلودان، فإذا قضيتَ منسكك هناكَ فلابد من انعطافة في هبوطك نحو عين بقّين العذبة، فترتوي من مائها أو تحمل منها، ثم تمضي بك الطريق إلى مضايا التي تشتهر بين الناس أنها مركز من مراكز تهريب السلع بين لبنان وسوريا، لكنك إذا كنتَ تعرف دروبها فسترى هناك جنات من بساتين التفاح والكرز والدراق والخوخ.

هناك عند السفح الشرقي لجبال لبنان الشرقية تتبدَّى لك المدينة القديمة التي ترى بقايا أطلال الرومان فيها عند قلعة الديوان، ولا يفوتك أن تتربع عند قمة "الكرسي" عند الصخرة لترى هناك مقامَين لإنسانين يظن الناس بهما الصلاح، ولا يدرون مَن هما، فتلك قمة جبلية عسيرة لا يأتيها إلا راهبٌ متنسِّك فارّ من الناس منقطع عنهم، تقترب منهما أشجار السنديانة الخضراء العريقة.

وإن عرفتَ دروب مضايا جيدًا فسترى هناك أنفاقها الجبلية المخفاة، ومغاراتها الصغيرة التي يعرفها الناس، ويحكون لنا حكاياتها وأسرارها يوم كانت متعبَّدًا، أو ملجًأ للثوار، أو مفرًّا للصوص وقطّاع الطرق، أو حاجز تفتيش عسكري قديمًا.

مضايا حيث كانت نار الزاهد العابد تضيء ليلًا، فيدلّ على نفسه، فإذا طلعت الشمس غاب إلى مخبئه وصومعته الخافية.

لن تشعر بالعطش هناك؛ فهناك عين مضايا أول البلدة، وعين الميسة، وعين الحداد وعين أمين وعين صالح ... تنزّ من شقوق الصخر، كلما نزف الثلج الأبيض ازدادت تفجّرًا.

مضايا قلعة حصينة تحفّها الجبال، وتمدّها الطبيعة التي خلقها الله بالماء والغذاء، فيها تجد فاكهتي الشتاء والصيف، وتجد الألبان والأجبان، واللحم الغض الطريّ، والبناء الفاخر الذي يبسطه الأعيان والأغنياء.

كل شيء فيها كان جميلًا سعيدًا، ولكن النعم لا تدوم، فيسلّط الله على النعم شِرار خلقه ابتلاءً وامتحانًا، فاشتد الحصار، وتحوّلت القلعة إلى سجن لا يستطيع الناس أن يتحركوا لجلب مائهم، أو زراعة بساتينهم، أو إطعام دواجنهم وبهائمهم، ويزداد الوجع بعواصف الصقيع التي تجمّد كل شيء وتحرقه بجليدها، حتى استطال عليهم الحصار، وتحولت الجنة إلى جحيم صقيعي.

فئة أبَتْ أن تركن إلى الظلم، أو تميل إلى الباطل، أو ترضى باستباحة الدم الحرام، وإهدار كرامة الإنسان؛ فثارت مع الثائرين، وتحصّنت في حواصل الجبال، وقاتلت حتى نفدت ذخيرة مائها وعجينة غذائها، وباتت تعيش من خشاش الأرض تحت وابل النار القانصة.

مضايا تلك المدينة الكنعانية القديمة التي استوعبت في جوفها قبائل المديانيين الكنعانية، وقاتلت قبائل العبرانيين تعود اليوم لتقاتل برابرة العصر ووحوش الطوائف، وتوقّع إمضاء الكرامة في مضايا الحرة التي اعتدنا منها الوفاء والكرم وحسن الوفادة وجميل الضيافة وبشاشة المَلْقَى.

مضايا الجميلة تحترق ابتساماتها اليوم، وتتخدّد وَجْناتُها الزهراء الجميلة، وتتلوّى على أضلاعها اليابسة جوعًا وحسرةً ومرضًا لتعلن نهاية الإنسان مجددًا، كما أعلنها مخيم اليرموك من قبل.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • فلسطين أون لاين
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التهويد في القدس

بعد مضي 52 عاما على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وكامل مدينة القدس، لا تزال المدينة …