لا تجلسي على دكة البدلاء

الرئيسية » بصائر تربوية » لا تجلسي على دكة البدلاء
mother-cut-songs

عندما كنت أقوم بتدريب بعض السيّدات على "مهارات الاتصال" وبعد نهاية اليوم التدريبي اقتربت مني _على استحياء_ سيدة شابة وجميلة الشكل، كان واضحا ًجداً أنها من عائلة محترمة كانت لديها مشكلة وشعرَتْ بكثير من الحرج والتردّد وهي تخبرني أن زوجها لم يعد يعتبرها موجودة وأنها اكتشفت أنه مهتم جداً بفتاة أصغر منه تعمل معه في المكان نفسه، وعندما سألتها عن طبيعة الدور الذي تلعبه في حياة زوجها أخبرتني أنها تهتم بنفسها جيداً وتقوم بتلبية كل طلباته وتهتم جيدا بالبيت والأولاد.. قالت: أنا لا أقصّر في واجباتي وزوجي لا ينقصه أيّ شيء!

ألم تعد تلك القصة مألوفة جدا وبتنا نسمعها يوميا؟ السيدة الجميلة التي تهتم ببيتها وزوجها وأولادها ولكنها تكتشف في زحمة تلك المشاغل أن زوجها لم يعد يهتم بها وأنها لم تعد تعني له أكثر من مجرد شخص يقوم بخدمته وخدمة أولاده!

أهم شيء لفت انتباهي من مجمل ما أخبرتني به تلك السيدة أن "الفتاة التي تلاحق زوجها _أو العكس_ ليست بمستوى جمالها حتى!" وحينها طرحت عليها هذا السؤال: هل تعتقدين حقا أن الزوج يرغب فقط بأن تكوني جميلة وأن تهتمي به وبالأولاد وبطلبات البيت؟

أين كنت وأين أصبحتِ؟

إن حياة الزوجة والأمّ سباق "مارثون" قاتل بين تربية الأولاد ورعايتهم والانشغال بكل ما يخص البيت ومتطلباته والاهتمام بالزوج وطلباته.. كل المهام يتم إنجازها في أقل من أربع وعشرين ساعة إذا ما قدّرنا أن الزوجة والأم يجب أن تنام على الأقل ثمان ساعات لترتاح، هل فكرتِ يوما وأنت تنهمكين كل ذلك الوقت في عيش حياة تركضين فيها بين المطبخ وغرفة المعيشة وغرف النوم، مشغولة في الغسيل والطبخ والتنظيف... وغيرها من الأمور.

هل فكرتِ أن تسألي نفسك أين هي أنا من كل هذا وذاك؟

" عندما تُجدّدين نفسك سيلاحظ الجميع ذلك، سيستفيد الكل حولك من الأمر، ستنبعث منك تلك الطاقة العجيبة التي ستسعدهم"

لا أحد يمكن أن ينكر أن تلك الأدوار لا يقوم بها إلا "سوبر شخص" بكل محبة وتفانٍ ولكن الاهتمام بالآخرين لا يعني أبدا إنكار الذات إلى ذلك الحدّ، لا أحد من عائلتك يريدك أن تنسي نفسك وأن تنسي من تكونين وكيف كنتِ لذلك اجلسي مع نفسك قليلا وتذكري الذي كنت عليه عندما قابلت زوجك أول مرة وماذا أصبحتِ بعدها..

ضعي جدولاً يومياً لكل ما تنوين فعله، اهتمي ببيتك وزوجك وأولادك ونفسك أيضاً، قسمي وقتك على الجميع.. اخرجي مع صديقاتك في نزهة مرة كل أسبوعين أو حتى كل شهر، اذهبي للتسوق واشتري ملابس جديدة، اقصدي صالات الرياضة واقضي بعض الوقت هناك، تعلمي أشياء جديدة، مهارات جديدة ولغات أخرى واحضري دورات تدريبية تكسبك خبرات مختلفة، اقرئي الكتب التي تهمك، مارسي هواياتك المفضلة.. عندما تُجدّدين نفسك سيلاحظ الجميع ذلك، سيستفيد الكل حولك من الأمر، ستنبعث منك تلك الطاقة العجيبة التي ستسعدهم.. لأنك تنبضين حيوية وأملا.

اركبي القطار مع العالم:

انظري حولك.. العالم يتطور بل ويركض بشكلٍ مُذهل نحو نمط عيشٍ لم يشهده التاريخ من قبل، إنهم يستخدمون الهواتف الذكية، ومواقع التواصل الاجتماعي والكثير من التطبيقات، التكنولوجيا تُحدث الجنون والانفجار المعرفي لدى الإنسان.. لا تشاهدي كل ذلك وتكوني بمنأى عنه، لا تبقي ثابتة في مكانك بل تشاركي مع العالم كل من شأنه أن يضيف لك. افهمي ما الذي يتحدث عنه الناس على فيس بوك، ما الذي يغردون به على تويتر ماذا يتشاركونه على فليكر وإنستاغرام، كوني جزءاً من العالم ولا تنعزلي في كهفك.. اقضي بعض الوقت في الاطلاع على تلك المواقع، زوري المدونات الجيدة واطلعي على جديدة عالم الأمومة والحياة الأسرية والتقنية، اقرئي المقالات وآخر الدراسات والأبحاث، لا تدعي قطار العالم يفوتك ولو للحظة، لأن زوجك وأولادك قد ركبوا ذلك القطار السريع ومن المفترض أن تكوني معهم في مقصورة واحدة !

" يمكن أن تكوني ملكة جمال، وأن تمتلكي عصا سحرية تلبي كل احتياجات زوجك وأولادك ولكن ذلك لن يكون كافيا للزوج إذا لم تكوني مهتمة باهتماماته"

لا تقفي بعيدا!

مهما كان عمل زوجك فهو يتقدم نحو الأمام بلا شك، يحصل على ترقيات أو يقوم بتطوير تجارته وأعماله، أو يقوم بإنجاز المشاريع لكي يحسّن من وضعيته المادية والاجتماعية، لا تقفي موقف المتفرج على تلك التطورات، كوني دائما كما كانت السيدة خديجة رضي الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم عندما آمنت برسالته وكانت بسرعة بديهتها تعرف ما الأمر العظيم الذي ينتظره فوقفت إلى جانبه ودعمته وعرفت قدره ومكانته التي سيحتلها بين قومه والعالم، لا تسمحي بأن يتقدم زوجك خطوات عملاقة في حياته ثم ينظر خلفه ليجدك في مكانك بعيدةً جداً عنه، كوني بالقرب منه دائماً، لا تجعلي زوجك يتعب وهو يمد يديه إليك عندما يصعد قمة النجاح كي تتقدمي معه بينما أنت منشغلة أسفل القمة بأشياء أخرى!

رافقي طموحاته:

كنت قد سألت تلك السيدة عن اهتمامات زوجها فأخبرتني أنه مهتم جدا بالبيئة (واتضح لها فيما بعد أن تلك الفتاة تهتم أيضا بالبيئة).

" زوجك ينقصه أنت.. فلا تجلسي على دكة البدلاء بمحض إرادتك.. بل لا تجلسي على كرسي المتفرج في حياته"

يمكن أن تكوني ملكة جمال، وأن تمتلكي عصا سحرية تلبي كل احتياجات زوجك وأولادك ولكن ذلك لن يكون كافياً للزوج إذا لم تكوني مهتمة باهتماماته، إذا لم ترافق طموحاته وأحلامه، احلمي معه واطمحي معه وكوني ظهره، دعيه يتحدث معك عن آماله وأهدافه وخططه، لا تستخفي بأفكاره أبداً، ادفعيه دائماً ليتقدم نحو الأمام.. إذا كان يحب البيئة فلا ضير من أن تعرفي بعض المعلومات عن هذا المجال، وأن تساعديه في تنفيذ بعض المشاريع، إذا كان يحب كرة القدم فلا بأس أن تشاهدي معه بعض المباريات وأن تبحثي عن معلومات عن اللعبة وقوانينها والفريق الذي يفضله، إذا كان يحب القراءة فحاولي أن تناقشي معه ما قرأه واستفيدي من ذلك، ليس مطلوبا منك أن تغيّري هواياتك ولكن المطلوب أن تظهري بعض الاهتمام بهوايات زوجك واهتماماته؛ لأنكما شريكان في حياة واحدة ولن تكون هناك شراكة ناجحة إذا كان كل واحد منكما يعيش في عالمه لوحده!

زوجك ينقصه أنت.. فلا تجلسي في دكة البدلاء بمحض إرادتك.. بل لا تجلسي على كرسي المتفرج في حياة زوجك.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتبة صحفية حاصلة على ليسانس في الإعلام والاتصال “صحافة مكتوبة”، كتبت العديد من المقالات السياسية الساخرة ومقالات في التربية والأدب والفكر،
نشرت في صحف جزائرية وعربية مثل الصحيفة الاقتصادية وصحيفة الشباب وموقع الجزيرة توك وموقع ساسة بوت ومجلة البصائر والعديد من الفضاءات الإعلامية.
صدرت لها رواية أولى عام 2011 بعنوان من بعيد أجمل.

شاهد أيضاً

التفكير الفعّال من خلال الرياضيات

يسلط هذا المقال بعض طرق التفكير الفعّال باستخدام الرياضيات، وهو خلاصة تدريب قدمته منصة إدراك …