هوناً.. مسافة آمنة

الرئيسية » خواطر تربوية » هوناً.. مسافة آمنة
friendship-1

مع اللحظات الأولى لنفخِ الروح في جسم الانسان يبدأ المشوار في طريق العلاقات البشرية، وتأخذ معها قضية الموازنات وإدارة العلاقات حيزاً ليس بالبسيط. ومع مرور الأيام تعيش هذه القضية تفاعلات عديدة متنوعة، فيتقلب المرء على جناحي المشاعر، فيعيش بين الحب والكره، ويرسم حدود الاقتراب والابتعاد، ويحدد مستويات الوصل والقطيعة، وينشغل في تحليل المواقف بين حسن الظن وسوئه.

وكم من ابتسامة ارتسمت على شفاهنا حين نسترجع لحظات الطفولة الأولى، حيث الصداقة العميقة التي كانت ترسمها لنا الرسوم الكرتونية، وذلك الكوخ الذي يعلو أغصان شجرة تدب فيها المودة والصدق والإخلاص في تلك الغابة الهادئة. نعم عشناها ونتذكرها جيداً، ولكن لم يدم الحال طويلاً حتى تبدلت الأحوال، وأخذت الدنيا نصيبها منّا، وبَدأَ دمُ الحياة في تلك الغصون بالتوقف عن التدفق والسريان، فصديق الطفولة غاب، وصديق العمر تبدلت أحواله، وزملاء الدراسة الأعزاء لم يعودوا كذلك.

وليس هذا الاختلاف محصوراً فقط في الأصدقاء وزملاء الدراسة والعمل وحسب، بل حتى العلاقات الدافئة في إطار البيت الواحد لم تنجُ من ذلك.
فالأخ صديق الطفولة الأول ابتعد، وتغيرت طقوس العادات المشتركة التي كنتم تمارسونها دوماً، وحتى الأخت أحاطت نفسها بهالة هشة تظهر قوتها وسعادتها وتماسكها ولا تسمح لك أنت الذي كنت بالأمس تلعب معها دور الأب بالاقتراب منها، وأما زميل الدراسة الذي جاورك لسنوات طويلة في ذات المقعد غادر دون أن يودعك، ليترك ذلك كله في قلبك ألماً لا يزول، وكسراً لا يجبر، ويبدل في عقلك مفاهيم المودة والقرب وتكوين العلاقات.

وتسأل نفسك بعدها: ما الذي تغير؟ أو في صيغة أدق.. من الذي تغير؟!!، هل نحن أبناء هذه الأرض، أبناء الدم الواحد، والبيت الواحد، والزمرة الواحدة!، أم هي الدنيا التي بدلت من حالها؟

"الدنيا بخير، وهي كما هي، ولكننا نحن ركابها من تغيرنا واختلفت أحوالنا، فما تبدلت العلاقات، وخفتت المودة بين الناس، وتغير سكان القلوب وعمارها، إلا بسببنا نحن"

سأقول لكم.. إن الدنيا بخير، وهي كما هي، ولكننا نحن ركابها من تغيرنا واختلفت أحوالنا، فما تبدلت العلاقات، وخفتت المودة بين الناس، وتغير سكان القلوب وعمارها، إلا بسببنا نحن، حين اختفت من مبادئنا مفاهيم العطاء والبذل والمودة، وغابت عنا معاني الوفاء والإخلاص والصدق، وطغت المادية والمصالح علينا، بتنا وللأسف عند تكوين العلاقة مع شخص ما، يبادرنا سؤال على الفور: "أبصر شو بده مني؟" ويردد اللسان: "الله يستر"، ويساهم في ذلك بطانة ممتلئة بالأنانية والاستحواذ وحب السيطرة والتملك.

لذا لا تتردد في ترك مسافة آمنة هي وقاية ضرورية من مصادمات مهلكة ومشاعر مؤلمة، تحمي قلبك وتحفظ فيها نفسك، مسافة آمنة نحددها نحن ونعلم ما يناسبنا وما لا يناسب غيرنا، قد نتجاهلها أحيانا ونتهور، وعند اقتراب الخطر ووقوعه نعدل المسار ونعيد دراسة المسافة الآمنة اللازمة، ونعمل على تحديدها بـ: "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما".

"تقليص المسافات واحترامها هو أساس نجاح علاقاتك، ووجود تلك المسافات لا يعني عدم وجود الحب والمودة بل هي مهارة السائق البارع"

لذا تقليص المسافات واحترامها هو أساس نجاح علاقاتك، ووجود تلك المسافات لا يعني عدم وجود الحب والمودة بل هي مهارة السائق البارع.

أخيرا:

يا صديقي: إن الاقتراب منك، لا يؤول بحال إلى الاستيلاء على قلبك إنما هو حجز قطعة في أرض قلبك الطاهرة الطيبة، ولا أنازع أحداً على مكانته في قلبك بل سأعزز وجوده فيه، فأنا أدرك أن لكل منّا مكانته ومنزلته في قلبك، فأنت تحتاجنا جميعا، ترتكز علينا ونستند إليك لنقوى ولنبقى معاً.

يا صديقي: قربي منك معنوي وليس ما في جيبك يعنيني، لأنني أؤمن بأن المعنوي أهم وأرفع وأسمى، ولأن الحياة تخبرنا بأن المخلصين المحبين لك سيكونون معك وإلى جانبك في أحلك الظروف وأصعبها، بل وفي أجمل لحظات عمرك.

يا رفيق الدرب: دعنا نبقي بيننا مسافة آمنة، لنحفظ بها قلوبنا ونحميها ونقيها شر التغيرات، ونحيط أرواحنا سياج المودة الواعية الذي يبقينا خارج دائرة الانكسار، ويبعدنا عن سكتات الظن الخائب، سياج يقينا الاقتراب المحرق، ويحمينا زلات الغياب المفجع، سياج يبقينا متصلين بالله متعلقين به لا بسواه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

كاتب أردني مهتم بالشأن التربوي.

شاهد أيضاً

لكنك عند الله غالٍ

طبيعة الحياة أنها مجبولة على كدرٍ لا تكاد تصفو لبشر، ولو أنها استقامت لأحد لكان …