المناهج التربوية .. حديثٌ في الأهمية والخصائص وضرورة التطوير

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » المناهج التربوية .. حديثٌ في الأهمية والخصائص وضرورة التطوير
241aa2dd-d537-48cc-a5ea-784352785a03

يشكّل المنهج جزءاً أساسياً في العملية التربوية، فهو بمنزلة العمود الفقري لها، فلا يمكن أن يتصوّر أيّ عمل تربوي دون منهاج واضح تسير عليه، كما أنَّ تطوير المناهج يعدّ مدخلاً مهماً من مداخل إعداد الفرد القادر على النهوض بالأمَّة نحو الازدهار والتقدّم الذي تنشده الجماعات والمؤسسات والدول.
والمنهاج في اللغة هو الطريق الواضح، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {لكلًّ جَعَلْنَا شِرْعَةً ومِنْهَاجاً}. (المائدة:48). بمعنى الطريق الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض.

وفي الاصطلاح الحديث هناك جملة من التعريفات يمكننا أن نختار منها أنَّ المنهاج: "هو جميع الخبرات (النشاطات أو الممارسات) المخطّطة التي توفرها المؤسسة لمساعدة الأفراد على تحقيق الأهداف التربوية المنشودة إلى أفضل ما تستطيعه قدراتهم". أو هو "القالب التربوي الذي يوفّر فرص نمو المتعلّم، من خلال الحصول على المعلومات المنظمة، واكتساب المهارات والاتجاهات اللازمة للنمو الكامل للمتعلّم".

وللحديث عن المنهاج التربوي من حيث سماتُه وخصائصُه، ودورُه وأهميته في إعداد الأفراد، وضرورة تطويره ليتناسب مع طبيعة الفرد والمجتمع، ويتناغم مع واقع الأمَّة، التقت (بصائر) ثلّة من الأكاديميين والمختصين، فإلى التفاصيل:

المناهج والواقع .. أيّ علاقة؟

قال الدكتور بدران بن لحسن الأستاذ في جامعة حمد بن خليفة بقطر: "إنَّ الأمَّة اليوم تعيش حالة من التراوح في مكانها بسبب الخلل في المنظومة التربوية التي ذهلت عن مقاصدها، وافتقدت منهجها، وفقدت صلتها بمتطلبات المرحلة التي تعيشها الأمَّة".

وأوضح د. بدران في حديثه لـ(بصائر) بالقول: "إنَّنا إذا أردنا أن نخرج بالفرد المسلم والمجتمعات المسلمة، والأمَّة المسلمة من هذه الحالة، علينا أن نعيد تشكيل منظومتها التربوية ومناهجها التربوية، إنْ في مؤسسات التعليم أو في المساجد أو في الأسرة أو في غيرها من محاضن التربية الموكول إليها إخراج الإنسان الصالح الذي يتحمّل عبء النهوض بالأمَّة".

د. بدران: "إذا أردنا أن نخرج بالفرد المسلم والمجتمعات المسلمة، والأمَّة المسلمة من هذه الحالة، علينا أن نعيد تشكيل منظومتها التربوية ومناهجها التربوية".

وأكَّد الدكتور عبد الحق حميش، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة سابقاً، في حديثه لـ(بصائر) أهمية ربط المناهج التربوية بحياة الفرد داخل مجتمعه، وأن تكون هناك علاقة وثيقة بين المنهج وبين كلّ من خصائص المجتمع وحاجاته وأهدافه الرّئيسة ومشكلاته.

موضحاً أنَّه "عند وضع أيّ منهج تربوي يجب أن تدرس هذه النواحي جميعها وتوضع في شكل خيارات يكتسبها الفرد حسب رغبته واهتمامه وقدراته واستعداده للوصول إلى حاجاته المنبثقة من حاجات المجتمع الذي يعيش فيه، والتي لا تتعارض وعقيدته الإسلامية".

بدوره، عزا الدكتور مأمون أبو عامر الأستاذ في جامعة الأمَّة للتعليم المفتوح، الحاجة الماسة لأنْ تتناغم المناهج التربوية مع واقع الفرد المسلم إلى التحديات المعرفية التي تواجه الفرد وتفوق قدراته وسبل التعامل معها بشكل إيجابي، والحد من تأثيراتها السلبية على الشخصية الإسلامية.

وأضاف: "وكذلك، فإنَّ الأمة بحاجة إلى مناهج تتناغم مع حاجات الأمَّة بشكل عام، وما تواجهه من تهديدات وتحديات على المستوى الثقافي والحضاري بما يحافظ على ثقافة الأمَّة ومنظوماتها الاجتماعية وميراثها الإنساني".

حديثُ الأهمية ..

قال الدكتور عبد الحق حميش لـ(بصائر): "إنَّ للمنهاج التربوي دوراً كبيراً وأهمية عظمى في إعداد الفرد المسلم، لأنَّ فقدان المنهاج يؤدي إلى ضياع الفرد، لذا يتطلب إعادة صياغة المناهج التربوية من حيث المعلومات وتنسيقها وربطها ببعضها منطقياً، كما يتطلب صياغة الأهداف بطريقة تجعل فروع المعرفة المختلفة تثري التصوّر الإسلامي لتربية الفرد ليكون عاملاً ومشاركاً في بناء مجتمعه بصورة جادة ونشطه، ويتمكّن من أداء دوره بإيجابية وفعالية".

د. عبد الحق: "إنَّ للمنهاج التربوي دوراً كبيراً وأهمية عظمى في إعداد الفرد المسلم، لأنَّ فقدان المنهاج يؤدي إلى ضياع الفرد".

وأوضح الدكتور بدران أنَّ "تغيير الواقع الاجتماعي يحتاج إلى تغيير الإنسان، والإنسان في جوهره وعي وإدراك وإرادة وتفكير وفعل، وهذا يؤهلنا للقول إننا بتربيتنا للإنسان فإننا نؤثر في تشكيل وعيه وإدراكاته وإرادته وتفكيره وفعله، فنغير دوره في الواقع؛ فرداً ومجموعاً".

وأضاف: وبما أنَّ "التربية مضمون ومنهج، فإنَّه لا مدخل للتغيير الاجتماعي إلاَّ بالتربية بما تعنيه من عملية إخراج للإنسان الصالح والأسرة الصالحة والأمَّة الصالحة، بتعبير الدكتور ماجد عرسان الكيلاني رحمه الله".

وأكَّد الدكتور مأمون أبو عامر أنَّ المناهج التربوية التي تعدّها الجهات المتخصصة في مجال التربية تعدُّ القاعدة الأساسية في عملية بناء الشخصية على أسس إسلامية، موضحاً أنَّ هذه الجهات تعدّ من مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تبلور شخصية الفرد المسلم، ولذلك نحن حاجة ماسة إلى منهج تربوى متكامل يهدف إلى صياغة الشخصية الإسلامية بصورة متكاملة ويلبّي الحاجات النفسية والسلوكية والعقلية، ويغطّي حاجات الإنسان المسلم لكل الأعمار، وفي كل بيئة سواء بيئة حضرية أو بيئة ريفية.

ضرورة التطوير

يشير الدكتور بدران بن لحسن في حديثه لـ(بصائر) إلى وجود ضرورة ملحة لإصلاح وتطوير المنهاج التربوي اليوم، موضحاً "أنَّ ما تعيشه أمتنا من تخلف حضاري يجعلنا نتساءل عن مكمن الخلل؛ ذلك أنَّ أمتنا لا ينقصها الإمكان المادي، ولا ينقصها الكم البشري، ولكن ينقصها الإنسان الفاعل الذي يمتلك رؤية حضارية واضحة ويقوم تفكيره وفعله على منهج واضح لتحقيق الصلاح والتحضر".
ويضيف: "وهذا لا شكّ راجع إلى الخلل الذي تعيشه منظومتنا التربوية، إنْ في رؤيتها، وإنْ في مضمونها، وإنْ في مناهجها. ولا يمكن لأمتنا أن يصلح حالها إلاّ بصلاح الإنسان فيها، ولا يصلح الإنسان إلاّ إذا صلح التعليم، ولا يصلح التعليم إلاّ إذا عُدنا به إلى التربية النبوية روحاً ومنهجاً كما يقول الإمام ابن باديس عليه رحمة الله؛ وهي النظرية والمنهج الذي سار عليه، مستنداً إلى ما يؤثر عن الإمام مالك رضي الله عنه في قوله: ((لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها))، طبعاً وما صلح عليه أولها هو القرآن الكريم والمنهج النبوي في التربية والتغيير والإصلاح.

ويرى الدكتور مأمون أبو عامر أنَّه في ظل التسارع الرهيب في عالم تكنولوجيا الاتصالات وما نتج عنها من سهولة للوصول للمعلومات من قبل الأفراد، والحجم الهائل من الضخ الإعلامي عبر وسائل الإعلام الموجّه في كل ساعة وكل لحظة بما ينفع وبما يضر، ومواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصة كبيرة للأفراد للتواصل مع الآخرين من دون رقيب ولا حسيب؛ أصبح هناك حاجة ماسة، إلى أن تقوم المؤسسات التربوية الإسلامية بدراسة الواقع الجديد، والواقع الحالي من أجل إعادة صياغة المناهج التربوية الحالية وتطويرها، معتمدة على القواعد الأساسية للمناهج التربوية الإسلامية لكنها تجيب على أسئلة الواقع الجديد، وتحصن المجتمع الإسلامي. مبيّناً أنَّ هذا الأمر أصبح ملحاً في ظل ضعف المؤسسات التربوية، وغياب المنهج العلمي في تطوير المناهج التربوية.

بدوره، شدَّد الدكتور عبد الحق حميش على ضرورة تطوير المناهج التربوية، لاعتبارات عديدة، منها ضعف مستوى الطلبة، والتطوّر التكنولوجي، وتعقد الحياة، وكثرة المشاغل التي تلهي الطلاب، على حدّ تعبيره.

د. مأمون: "هناك حاجة ماسة إلى أن تقوم المؤسسات التربوية الإسلامية بدراسة الواقع الجديد، والواقع الحالي من أجل إعادة صياغة المناهج التربوية الحالية وتطويرها".

سمات المنهاج التربوي

وحول سؤال (بصائر) عن أبرز سمات وخصائص المنهاج التربوي الناجح، قال الدكتور عبد الحق حميش: "يجب أن يتسم المنهج بالثبات الذي يشتق من ثوابت القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وسير الصَّحابة وعلماء المسلمين والإجماع والقياس. كما يجب أن يكون منهجاً متكاملاً يهتم بحياة الفرد والجماعة وينمّيها من جميع جوانبها المختلفة".
وأضاف بالقول: "كذلك يجب أن يكون المنهج متوازناً ومرناً وقابلاً للتعديل بالإضافة أو الحذف فيما يتعلق بالفروع وفق ما تتطلبه وتقتضيه مصلحة المجتمع المسلم، وبهذا يواكب المجتمع المسلم التطوّر الذي يحدث من حوله في المجتمعات الأخرى".

من جهته، قال الدكتور بدران: "لعلّ من سمات وخصائص المنهاج التربوي الناجح أن يصاغ من الخبراء الذين يمتلكون الرؤية الإسلامية والخبرة العلمية، وأن تتوفر في المنهاج أبعاد ثلاثة:
البُعد الأول: بُعد التوحيد؛ بأن يكون منهجاً يعمّق الإيمان بالله ويبني القدرات الذهنية والفكرية والمعرفية التي تتخذ من التوحيد رؤية ومنهجَ حياة ينطبع في حياتها، فلا يعيش الفِصام في مستوى العقيدة ولا في مستوى الفكر، ولا يعيش الفصام في مجال المعرفة، ذلك أنَّ الله له الحق والأمر، وأنَّ المعرفة كلّها من الكتاب المسطور أو الكتاب المنظور تصير منسجمة متناغمة تحت مظلة التوحيد؛ أي أنَّ التوحيد ينبغي أن يدخل في المنهاج التربوي باعتباره مبدأ عقدياً، وتصوّراً فكرياً، ومبدأ معرفياً، ومبدأ أخلاقياً وجمالياً.
البُعد الثاني: بُعد التزكية، فعلى المنهاج التربوي أن يركّز على هذا البعد المهم في بناء الإنسان الذي يسعى للترقي الرّوحي والوجداني، والسعي على الترقي في درجات السالكين إلى الله ربّ العالمين، ذلك أنَّ المنهج ينبغي أن يبني في وعي الفرد المسلم أشواق الطاعة والتطلّع المستمر لملاقاة الله وهو راضٍ عنّا. فإذا كان كذلك حقّقنا معنى الصلاح الذي جاء الإسلام لتحقيقه.
البُعد الثالث: هو بُعد العمران، بمعنى أنَّ المنهاج التربوي ينبغي أن يبني في وعي الفرد والمجمع المنظور الإسلامي للحياة، وأنَّها مكان لتحقيق عمارة الأرض، وتحقيق الصلاح فيها، وفق سنن الله التي على الإنسان أن يكتشفها ويوظفها.

بينما يرى الدكتور أبو عامر أنَّه لا بد أن تتوفر في المنهج التربوي الناجح عدة خصائص تتمثل في:
- الأصالة : الانبثاق من ثقافة الأمَّة الأصيلة .
- المرونة: القدرة على استيعاب المفاهيم الحديثة والواقع الجديد والتجارب الإنسانية المفيدة لإضافتها لمناهج التربية.
- الواقعية: سهولة تطبيقه على أرض الواقع بعيداً عن التحليق في عالم المثاليات.
- السهولة: سهولة تقديمه للأجيال من قبل المربّين والمرشدين.
- الحداثة: الاعتماد على الدراسات العلمية الحديثة والقدرة على الاستفادة من التقنيات الحديثة في إيصاله للفرد المسلم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

دروس وعبر من معركة “العصف المأكول” في ذكراها السادسة

ستة أعوام مرّت على معركة "العصف المأكول" التي بدأت في السابع من تموز/ يوليو من …