الوَرَعُ “المعدن” المفقود !

الرئيسية » بصائر تربوية » الوَرَعُ “المعدن” المفقود !
wariaa


(أخضر يابس هات).. مثلٌ شعبيٌّ شاميٌّ يحكي واقعاً مؤلماً لأفراد من مجتمعنا الإسلامي على اختلاف مشاربهم وتوجّهاتهم وتخصّصاتهم، حيت تستولي فيه الأثرة والطمع وحبّ المناصب والتملك والتصدّر على جميع تصرّفاتهم وأمانيهم ومشاريعهم.. مثل شعبيٌّ يروي حكاية على لسان حال شرائح تنتشر في أسرنا ومجتمعنا وفي حياتنا ومؤسساتنا؛ إنَّهم يقبلون أيَّ شيء وإنْ صغر، وعلى أيّ شكل كان دون معرفة مصدره ومنبعه وما يؤول إليه.. يطلبون أيّ شيء وإنْ هان أمره، وبأيّ وسيلة كانت أو صعب أمره.. يسعون إلى أيّ شيء، وإن كان ليس من حقهم، وإنْ كانوا ليسوا أهلاً له.. هؤلاء همّهم الأخذ والتكسّب والتصدّر.. ولا يوجد في قواميسهم البحث عن لون المطلوب والمرغوب وحالته (أخضر.. يابس) المهم أولاً عندهم هو التحصيل (هات) مهما كان المصدر والقيمة والعاقبة والمآل!

إنَّ أصحاب (أخضر يابس هات) يشكّلون خطراً حقيقياً على كل مؤسسة حلّوا بها، أو شركة دخلوا فيها، أو مجتمع مكثوا فيه، لأنَّهم بهذا الشعار يفسدون على أصحاب الإخلاص إيمانَهم، وعلى أهل الصلاح ورعَهم، وعلى أهل التخصّص إتقانَهم وإبداعَهم.. وعلى أهل السبق والتضحية تاريخَهم الناصع في العطاء؛ يفسدون حيث يظنون أنَّهم يُحسنون صنعاً بنَهَمِهِم المستمر في الكسب والتحصيل ونيل المناصب والرّتب والأعطيات على حساب المبدأ والثقة، يفسدون ولا يبالون بمشاعر ومصالح الآخرين، فشعارهم الخالد (اللهم نفسي نفسي) إنْ نالت المطمع وحصدت المناصب وكسبت الأعطيات..

فهل ننتظر هؤلاء يفرضون مبدأهم وخلقهم داخل الصف؟ وماذا ننتظر منهم إنْ هم نالوا مطالبهم وتحصّلوا على مرادهم وفق شعار (أخضر يابس هات).. إنَّها مسؤولية تقع على الفرد أولاً ثمَّ على المؤسسة كي نحافظ جميعاً على مؤسساتنا ونحميها من خطر هذا الداء الذي يصيب الأفراد وينفذ في خلجات القلوب، وإنَّها مسؤولية كي نصون نصاعة العمل للمبدأ والفكرة لدى الأفراد داخل الصف، ومن هنا يبرز الدور الكبير الذي ينتظر أهل التربية والدَّعوة في تنمية خلق الورع وتعزيزه في نفوس الأفراد، واعتماده كمرجّح أساس في التقييم والتزكية والتصعيد.

يبرز الدور الكبير الذي ينتظر أهل التربية والدَّعوة في تنمية خلق الورع وتعزيزه في نفوس الأفراد، واعتماده كمرجّح أساس في التقييم والتصعيد

الورع في اللغة: التَّـقْوَى، والتَّحَرُّج، والكَفُّ عن المحارِم. من وَرِعَ الرَّجُلُ، كوَرِثَ، والورِع، بكسر الرَّاءِ: الرجلُ التَّقِي المتَحَرِّج.
والورع في الاصطلاح: هو اجتناب الشبهات؛ خوفًا من الوقوع في المحرمات وعرَّفه القرافي بقوله: (ترك ما لا بأس به؛ حذرًا ممَّا به البأس). وقال الكفوي في الكليات: (الورع: الاجتناب عن الشبهات سواء كان تحصيلًا أو غير تحصيل).

إنَّ الفرد المسلم اليوم بحاجة ماسّة إلى أن يرسخ في نفسه خلق الورع والابتعاد عن مواطن الشبه والرّيب، يقول د. عبد الكريم بكار: (الورع يعني أنَّ لتلبية الرغبات وتحقيق المصالح حدوداً تقف عندها، ومناطق برزخية يختلط فيها الحلال والحرام، فنبتعد عنها إبراءً لذمّتنا وصيانة لديننا).

إنَّ الفرد المسلم اليوم بحاجة ماسّة إلى أن يرسخ في نفسه خلق الورع والابتعاد عن مواطن الشبه والرّيب

يقول ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين: "وقد جمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الورع كله في كلمة واحدة. فقال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، فهذا يعمّ الترك لما لا يعني من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة؛ فهذه الكلمة كافية شافية في الورع".

 

قال إبراهيم بن أدهم: الورع ترك كل شبهة، وترك مالا يعنيك هو ترك الفضلات. وفي الترمذي مرفوعاً إلى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: ((يا أبا هريرة كن ورعا، تكن أعبد الناس)). وقال إسحاق بن خلف: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنَّهما يبذلان في طلب الرّياسة.

إنَّ الورع معدنٌ أصيل لا تؤثر فيه الفتنة، وعملة نادرة لا يتبدّل لونها عن كثرة التمحيص

وقال يحيى بن معاذ: (الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل). وقال: (الورع على وجهين. ورع في الظاهر، وورع في الباطن، فورع الظاهر أن لا يتحرَّك إلا لله، وورع الباطن هو أن لا تدخل قلبك سواه). وقال: (من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء).

إنَّ الورع معدنٌ أصيل لا تؤثر فيه الفتنة، وعملة نادرة لا يتبدّل لونها عن كثرة التمحيص، وحريٌّ بمن يمتلكه ويحوزها أن يفتّش عنه ويقدّم في زمن صار فيه الورع معدناً مفقوداً وعملة نادرة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

أصول تربية الأبناء في أول سنتين من الميلاد

قد يعجب البعض حين نتحدث عن عملية تربوية لها أصول وقواعد وثوابت في السنة الأولى …