لكل شيء إذا ما تم نقصان!

الرئيسية » خواطر تربوية » لكل شيء إذا ما تم نقصان!
complete27

المنظار أداة ماهرة في رؤية الأشياء البعيدة، وعدم الاكتراث للأشياء القريبة، التي قد تكون أهم وأكثر جذباً. مثلنا تماماً، فما نراه عند الآخرين، تتمثل بحاجتنا التي نرجوها، ونسعى لكمالها وإتمامها، ونهمل حقيقة بالغة في الأهمية أن لا أحد منا كامل بشرياً.

كل منّا له ابتلاء مختلف عن الآخر، وهناك شيء ماينقصه، فمثلاً إن رأيت فلاناً ناجحاً في عمله وفي حل المشاكل، فلا يغرك ذلك، فقد يكون مختلفاً في بيته، ولا يستطيع إدارة حوار بين أبنائه. وتلك الفتاة تكمل تعليمها وعملها وهي متزوجة، فلا يغرك الظاهر، إنما هي تصارع الوقت لتوازن بين شؤون حياتها وأسرتها، وتلك أخرى ناجحة في علاقاتها الاجتماعية، لكنها ليست على وئام تام مع زوجها!!

لذا هناك الكثير من الأمثلة التي نراها ونعايشها، فلا يغرك الظاهر من الإنسان، الذي يتصف بالهدوء والسكينة، ويخفي في مكنونه الألم والحسرة وربما العجز.

لا يغرك الظاهر من الإنسان، الذي يتصف بالهدوء والسكينة، ويخفي في مكنونه الألم والحسرة وربما العجز

لنتأمــــل..

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الناس كالإبل المائة؛ لا تكاد تجد فيها راحلة". (رواه البخاري).

مما سبق، فالحديث يصف الناس بأنهم كثيرو العدد، والكامل فيهم قليل، وشبههم بالإبل فترى منها المئة والمئتين، ولا تقع على راحلة نجيبة حسنة المنظر والهيئة، فلا بد أن يكون هناك عيب أو ضعف.

وهكذا هم الناس، فيصيبك الإعياء والتعب في عدّهم وإحصاءهم، ولكن لا يكاد يقع بصرك على إنسان كامل، فلا بد من ضُعف يعتريه، أو أذى يعانيه، فهذا تقيّ لكنه يُخدع بسهولة، وهذا قوي لكنه يعصي والديه، وهذا عالم كبير لكنه ضعيف أمام الباطل، وهذا حاكم عادل لكنه يتحيز لأصدقائه ومعارفه، وهذا هو الحال، فلا يغرك المدح والثناء، فلابد من استدراك أو استثناء.

إن الكمال ماهو إلا سمة شخصية، وما يميزه أنه يتمثل في سعي الإنسان حتى يصل إلى المثالية، وأن يحمي نفسه من جميع العيوب، فتراه في صراع مستمر، يرهق نفسه ويضع معايير عالية بل دقيقة جداً، ليغدو أمام الجميع شخصاً يُضرب به المثل، ويشهد له الجميع بالخير والصلاح. وهيهات هيهات لذلك، فمن يسعى لإرضاء الناس عليه أن يعلم أنها غاية لا تُدرك، ولن تُدرك، فنحن شخصيات عديدة، ونفسيات كثيرة، وكل منا يقارن نفسه بالآخرين، أو يقارن عاداته بعادات أخرى، ويبقى طامعاً في المزيد، ومنتقداً للعديد، يريد أن يكون غيره نسخة عنه بغض النظر عن اختلاف التقاليد، قف وتأمل قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}. [الحجرات: 13].

فقد وضح الهدف، النقص فيما بيننا والاختلاف إنما هو لنتعارف ونتعرف على بعضنا البعض، ويتعلم أحدنا من الآخر، والنقص فينا يكمله الغير، من صديق، زوج، عالم، طبيب..الخ.

المقارنة هي لص السعادة

إن من لا يستطيع الشعور بالرضى والقناعة التامة عن ذاته، ويستمر بالمقارنة بما يمتلكه الآخرون، ويتغافل ما يخفوه، فإن السعادة ستبدو من قلبه مسروقة، والراحة قليلة، فما دام يومك ماضٍ شئت أم أبيت، لم لا تملؤه بالتفاؤل والرضى والثقة!

من لا يستطيع الشعور بالرضى والقناعة التامة عن ذاته، ويستمر بالمقارنة بما يمتلكه الآخرون، ويتغافل ما يخفوه، فإن السعادة ستبدو من قلبه مسروقة، والراحة قليلة

لم لا ننظر لأنفسنا أننا مميزون باختلافنا!! ونتوقف عن السعي للكمال، ونتوقف عن المقارنة، فظروفنا وأحوالنا وبيئاتنا مختلفة عما عند الآخرين، لنفتح صفحة جديدة، ونبدأ بداية سعيدة، ولنردد دوماً: (سأكون يوماً ما أريد، سأكوّن نفسي ولن أبالي).

ببساطة لك شخصيتك الفريدة، وللآخرين شخصياتهم، فلا تقلق وامض قُدماً.

التفاحة المقضومة..

إنه مؤسس شركة آبل (ستيف جوبس)، حيث جعل شعار شركته تفاحة مقضومة وليست كاملة، وذلك لأنه كان يؤمن بأن جمال الشي ليس بالكمال والاكتمال، وإنما بوجود نقص بسيط، فهذا ما يجذبنا للحياة ويجعلنا نستمتع بها، أما لو كان كل شيء مكتمل لشعرنا بالملل.

سار على هذه الفكرة طوال حياته، فحقق نجاحاً كبيراً لشركته، فقد أصبحت من أضخم الشركات في العالم، فلا تتعب بالبحث عن الكامل، ولتكن بالنواقص أسعد الناس.

أخيراً..

يقول الشاعر:
لكل شيء إذا ما تم نـقـصـان *** ‍ فلا يغر بطيب العيش إنـسـان
هي الأمور كما شاهدتـهـا دول *** من سره زمن ساءتـه أزمـان

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الرضا
  • القناعة
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
    كاتبة في موقع بصائر الإلكتروني، حاصلة على درجة البكالوريوس في تخصص الدعوة والإعلام الإسلامي/ الدراسات الإسلامية.

    شاهد أيضاً

    بُشرى المُسافرين وسلوى المُغتربين

    إن مفارقة الأهل والأحباب من أصعب الأمور على النفس؛ ذلك للارتباط الفطري للإنسان بمسقط رأسه …