أخطأت يا ابن غوريون!

الرئيسية » بأقلامكم » أخطأت يا ابن غوريون!
algeria-palestine1

لا أعرف جزائريّاً لا يحب فلسطين والفلسطينيين، بل لم أقابل جزائرياً واحداً يحب فلسطين حُبّاً عادياً، وعند الحديث عن المشاعر التي نكنّها للبلاد العربية يكون حب فلسطين في الطليعة، تكون فلسطين دائماً في المقام الأول، في مدينتي الصغيرة جداً هناك خمس محال تجارية أعرفها تحمل اسم "غزة" ويوجد كشك في طريقي أشتري منه المياه المعدنية منذ ثلاث سنوات يرفع علم فلسطين جنباً إلى جنب مع العلم الجزائري في طريقٍ وطني يربط بين الشمال والجنوب، عندما أتحدث عن فلسطين تبدو اللغة خرساء، تصبح كلمات اللغة العربية بكل مرادفاتها غير كافية لأقول الكلام الذي ينبغي أن يقال في حق فلسطين.

 عندما أتحدث عن فلسطين تبدو اللغة خرساء، تصبح كلمات اللغة العربية بكل مرادفاتها غير كافية لأقول الكلام الذي ينبغي أن يقال في حق فلسطين

عام 1978 عندما كانت جولدا مائير تلفظ أنفاسها الأخيرة كنت حينها والآلاف من أبناء جيلي من الجزائريين والعرب في علم الغيب، كانت مائير قالت ذات مرة: "سنتوصل إلى سلام مع العرب فقط عندما يحبون أطفالهم أكثر مما يكرهوننا"، وهذا التصريح المبطن الذي يحمل الكثير من الدهاء والمكر لا يشي بمحبتها وحرصها على سلامة الطفل العربي بقدر ما يشي برغبتها في مساومة العرب بأن يستسلموا للأمر وأن يتوقفوا عن محاربة الكيان الصهيوني، إن عدم قتل الأطفال العرب هو نتيجة حتمية لعدم وجود احتراب مع الصهيونيين أي الثمن الحقيقي للتطبيع والقبول بالصهاينة والدخول معهم في حالة سلم.

ومائير ذاتها التي قالت مرة أيضًا: "التسوية في رأيي هي أن نذهب لنتسوق من الموسكي في القاهرة أو سوق الحميدية في دمشق دون أن يبدو الأمر مستغربا"، كانت تحلم بالتجول في حي الموسكي والالتقاء بأي مواطن عربي وهي تتبضع فتلقي عليه التحية ويتبادلان أطراف الحديث كما يفعل الجيران ثم يذهب كل واحد في حال سبيله!

أتابع أصداء مباراة الجزائر مع فلسطين في العاصمة الجزائرية ويحضرني أيضا ما قاله بن غوريون عام 1948: "الكبار سيموتون والصغار سينسون"، 80 ألف متفرج في مباراة ودية أغلبهم أو كلهم ولدوا بعد موت مائير وبن غوريون بسنوات طويلة حضروا ليرفعوا شعارا واحدا "تموتون ولا ننسى!" لأنها أشياء لا تُنسى.. أثبتوا لمائير وبن غوريون وكل قيادات الكيان الصهيوني أنهم مخطئون كثيرا فالكبار قبل أن يموتوا ضخوا في عروق صغارهم دماءً مضادة للنسيان.

80 ألف متفرج في مباراة ودية أغلبهم أو كلهم ولدوا بعد موت مائير وبن غوريون بسنوات طويلة حضروا ليرفعوا شعارا واحدا "تموتون ولا ننسى!" لأنها أشياء لا تُنتسى

لم تكن المباراة نصراً عسكرياً ولكنها كانت رسالة رمزية تثبت لدولة الاحتلال أن الملايين من الشباب العربي من المحيط إلى الخليج لا يعتبرون اللقاء مع صهيوني في أرض عربية أمرًا عادياً؛ لأنهم يحبون فلسطين ولأنهم أوفياء لشهدائها وستظل قضيتهم الأولى حتى التحرير، وهي رسالة أيضًا للحكومات العربية التي لم تعد تمثل طموحات وآمال الشباب العربي في الوحدة أن حدود سايكس بيكو لا توجد سوى في عقولهم لأن هدفاً فلسطينياً في شباك المنتخب الجزائري هو نصر لكل الجزائريين، كانت المرة الأولى التي يلعب فيها منتخب بلد واحد ضد بعضهما ذلك أن فلسطين والجزائر بلد واحد.

حملت المباراة دلالات كثيرة وجدانية وتاريخية وسياسية أيضا فكثيرون مثلي لا يتابعون كرة القدم باعتبارها حدثاً رياضياً بل يتابعون ما ينعكس قبلها وخلالها وبعدها من تداعيات على الساحة العربية، لقد كانت الخيبة كبيرة جدا الجرح أكبر عندما صرحت دولة الاحتلال عام 2009 بأنها مستعدة للوساطة لصلح بين مصر والجزائر في تلك المباراة الشهيرة التي اشتعلت فيها نيران حرب جاهلية بين البلدين بسبب الإعلام أولا وبسبب جماهير كرة القدم ثانيا، وها هي دولة الاحتلال الصهيوني تقف حائرة بعد مباراة فلسطين والجزائر بعد رسالة كبيرة ومخيفة من الجماهير العربية بأن الربيع العربي وكل ما تمر به المنطقة من صراعات وأزمات لن يُنسي الشباب العربي قضيته الأولى وأن فلسطين ستظل قضية العرب جميعاً، وكما أخطأت مائير في تصورها للسلام بينهم وبين العرب أخطأ أيضا ابن غوريون في الاعتقاد أننا بعد أكثر من ستين سنة سننسى أو أن نسمح لأطفالنا بأن ينسوا..

 لا يقع على عاتق هذه الأجيال ألا تسمح أيضا للأجيال المقبلة بأن تنسى وحسب بل أن تغرس فيها الهمة فتمضي في طريق الجهاد والمقاومة لاسترجاع الأرض التي اغتُصِبت

لا يقع على عاتق هذه الأجيال ألا تسمح أيضا للأجيال المقبلة بأن تنسى وحسب بل أن تغرس فيها الهمة فتمضي في طريق الجهاد والمقاومة لاسترجاع الأرض التي اغتُصِبت.
لا ننسى أن نشيد بإعلام البلدين على تقديمه تلك الصورة المشرقة وعلى رقيّه في تغطية الحدث منذ أن تشرف الجزائريون باستقبال الفدائيين وحتى اللحظة التي ذرف فيها الجميع دموع الحزن لمغادرة المنتخب الفلسطيني أرض الشهداء، فهكذا لا بد أن يكون الإعلام العربي في خدمة القضايا الوحدوية بعيدا عن الشحناء والبغضاء وبعيدا عن إذكاء نيران الفرقة بين الأخوة الأشقاء.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة من الجزائر، مهتمة بشؤون التربية، والأدب والفكر، متخصّصة في التسويق بالمحتوى.

شاهد أيضاً

المنهج العقلي في دعوة إبراهيم عليه السلام

إن المنهج العقلي اليوم في البحث عن حل المشكلات يقوم على خطوات ومراحل هي : …