(أنا بالليل خشبة) .. ويحك ألا تشتاق؟!

الرئيسية » خواطر تربوية » (أنا بالليل خشبة) .. ويحك ألا تشتاق؟!
dhikr_dude

في وصفه للمنافقين، أخبرنا المولى سبحانه أنَّهم: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ، وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ}.(المنافقون: 4). وهو وصفٌ بليغٌ وتشبيهٌ دقيق لحال المنافقين، فـ(الخشب) تدلّ على يُبس وصلابة وخشونة مع غلظ الجُرم، ووصفها بـ(مسندة)، فيه دلالة على أنّهم "أشباح كبيرة ضخمة معجبة يحسب من يراها أنَّها صحيحة سليمة، لكنّها خالية عن الفائدة نخرة متآكلة بلا أرواح". وفيه بيان صفة "عدم الحياة وانقطاع المدد، إنَّهم (الخشب المسندة).. لا حركة لها، ملطوعة بجانب الجدار!"، وفق تعبير صاحب الظلال..

إنَّهم كالشيء الجامد الذي لا حياة له، ولا استقرار ولا طمأنينة، وإن كانوا يشبهون في صورتهم الأشجار القائمة، لكنَّهم "خشب مسندة" لا باطنَ لها، ولا ثمارَ لها، ولا حياةَ لها، ولا مددَ لها!

إنَّهم يمارسون انشغالهم في السعي للرّزق وتحصيل المال والجاه والسلطان والمنصب، لكنَّ حياتهم بلا روح ولا غذاء ينمّي الحياة ويعطيها ألَقها وعنفوانها وسرّها الذي تنطلق به مسبّحة حامدة شاكرة عاملة لله سبحانه في هذا الكون الفسيح.. هم أشخاص بيننا، يعيشون ويتشاركون معنا الحياة، وربّما يكون أحدُنا يحملُ جزءاً من صفاتهم، وربّما يتساءل أحدُهم، هل يمكن أن يتّصف هو بهذه الصفات، ويكون خشبة مسندة في حياته؟!

أخبرنا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في معرض حديثه عن صفات المنافقين أنَّ ((من كانت خصلة منهنّ فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتّى يدعها...)). (رواه البخاري ومسلم).. نعم، حتّى يدعها، أما وإنَّه لا يزال كالخشب المسندة التي "لا حركة لها، ملطوعة بجانب الجدار!"، خاوية الروح لا باطن لها، فإنَّ فيها صفة من صفات المنافقين حتّى يدعها!

وبدون أن يقف صاحبنا مع نفسه وقفة المعترف بالخطأ والتقصير، فلا يمكن أن يخرج من دائرة "الخشب المسندة"، يعترف اعتراف المقصّر أنَّ أولوياته مادية في هذه الحياة، وفي خضم مشاغلها ينسى غذاء الروح، يسعى للكسب المادي بأشكاله كافة، لكن يغيبُ عنه الكسب المعنوي الذي هو المدد، يقضي الساعات الطوال جرياً وركضاً وعدواً في مشاغل الدنيا وهمومها، حتّى إذا جاء الليل استلقى على فراشه كالخشبة، وينسي أن ينتصب دقائق النهار مسبّحاً وتالياً، ودقائق الليل ساجداً ومستغفراً باكياً..

ومن هنا يكون الاعتراف مدخلاً وباباً لتصحيح الزلل، ورسم خارطة طريقة جديدة تمنح الحياة لهذه الشجرة الباسقة الضاربة جذورها في الأرض تأخذ وِرْدَها من المعين الصافي، وتنمو وتزهر وتنتشر أغصانها في السماء، تماماً كالشجرة الطيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء.. والمؤمن كذلك دائماً هو في حركة دؤوبة، في معاش النهار يكسب ويعمل ويعطي ويبذل، وهو في سكون الليل يناجي ربّه يبتهل ويتذلّل..

في إحدى الليالي، تفاجأ السرّي السقطي بالجارية التي اشتراها لتخدمه، وهي تقف أمامه قائلة: يا مولاي، أما لك حظ من الليل؟

قلت: لا، فذهبت، فلمَّا مضى النصف منه ضربت علي الباب، وقالت: يا مولاي، قام المتهجدون إلى وردهم وشمَّر الصَّالحون إلى حظهم.

قلت: يا جارية، أنا بالليل خشبة (أي: جثة هامدة) وبالنهار جلبة (كثير السعي). فلمَّا بقي من الليل الثلث الأخير، ضربت علي الباب ضرباً عنيفاً، وقالت: أما دعاك الشوق إلى مناجاة الملك، قدّم لنفسك وخذ مكاناً فقد سبقك الخُدّام.

قال السري: فهاج منّي كلامها وقمت فأسبغت الوضوء وركعت ركعات، ثمَّ تحسَّست هذه الجارية في ظلمة الليل فوجدتها ساجدة، وهي تقول: "إلهي بحبّك لي إلاّ غفرت لي"..

وبعد، فهل يثيرُ فيك اعترافُ السّريّ (أنا بالليل خشبة) انتفاضة روحية تنزع عنك ثوب الكسل في الليل؟! ويصل قلبك صيحة الرّاشد (ويحك، ألا تشتاق!)، لتنطلق في ليلك مناجياً تقدّم لنفسك وتأخذ مكانك مع رجال الليل!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

جمالك بأخلاقك!

سمعت بالأمس أحد مذيعي البرنامج التلفزيونيه يتحدث بكلام جاد محوره أن الأخلاق تمر بأزمة أو …