الترابي يترجّل عن “صهوة الحياة”

الرئيسية » بأقلامكم » الترابي يترجّل عن “صهوة الحياة”
images

ها هو تراب السودان، يطوي بين جنباته، صبيحة يوم الأحد السادس من آذار (مارس) 2016م، أحد "جهابذته" العظام، الذي وإن كان سوداني الميلاد والنشأة، ولكنه كان عربيا قحّا، تشهد عليه فصاحته، وبلاغته، وجزالة لغته، وكان إسلاميا، يشهد عليه حفظه القرآن الكريم بقراءاته المتعددة، وعلمه بالفقه الإسلامي وأصوله، وحمله راية "المشروع الإسلامي"، الذي تبنّاه طيلة حياته، حاملاً لواء "تجديد أصوله"، حيث حرص على تقديّم مشروع إسلامي حداثي، يتناسب مع روح العصر ومقتضياته.

لقد غادرنا الدكتور حسن عبد الله الترابي، عن عمر ناهز أربعة وثمانين عاما، قضى جلّها يطرح قناعاته وأفكاره التي آمن بها، ولم يثنه عن ذلك، الأذى الشديد الذي تعرّض له معظم سني حياته، حيث لم تلن له قناة، ولم ترهبه، أو توهن من عزيمته السجون التي دخلها مرارا وتكرارا، وكان يخرج منها في كل مرّة، وهو أصلب إرادة، وأكثر عزيمة، وأوسع علما ووعيا وإدراكا.
مضى الترابي، وترجّل عن صهوة الحياة، التي كان زاهداً في ملذّاتها وشهواتها وزخرفها، حيث عاش خلالها صاحب قضية ومشروع، فأعطاهما كل ما يملك من عقل، وجهد، وإرادة، وتضحية.

معرفتي بالترابي

التقيت الشيخ الترابي لأول مرة، قبل أربعة وثلاثين عاما، حيث قدّمته لجموع الطلاب العرب، الذين احتشدوا لحضور محاضرته في "المركز الإسلامي" بمدينة "كراتشي".. وبعدها تتالت اللقاءات في مناسبات عامة وخاصة، حيث التقيته في عمّان، والخرطوم، والدوحة، بعضها في لقاءات ثنائية، وبعضها الآخر في لقاءات جماعية. وكنت في "اللقاءات الثنائية"، أستفيد منها في الحوار المثمر معه في قضايا وشؤون: السياسة، والحكم، والفقه، واللغة.. وتعمّقت العلاقة بيني وبينه، حتى أصبحنا "صديقين" -إذا جاز لي أن أصفها كذلك-، على الرغم من العقود الثلاثة، التي تفصل بيننا في العمر، ولم تنقطع هذه العلاقة، إلا عندما كان يدخل السجن، حيث كنت حريصا على لقائه، أينما حلّ وارتحل.. ولعلّ آخر مرة، تم التواصل فيها مع د.الترابي، كانت قبيل آخر زيارة له إلى الدوحة قبل بضعة شهور، حيث كان التواصل غير مباشر، عن طريق أحد أصدقائي السودانيين، الذي طلب مني العمل على تسهيل إجراءات وترتيبات سفر الشيخ للعلاج في الدوحة، وهو ما تم فعلا، حيث تواصلت مباشرة مع الأخ/ خالد مشعل، الذي بدوره تحدّث مع الجهات المعنية، التي تجاوبت مشكورة، واستقبلت الشيخ أحسن استقبال، وأكرمت وفادته، وعولج في أفضل مستشفياتها.
ما أحزنني أنني كنت خارج الدوحة حينها، وعندما وصلتها، كان الشيخ الترابي قد غادرها، فلم أحظ بلقاء وداعي معه، كما حظي أخي خالد مشعل، الذي زار الشيخ في مكان إقامته، وتجاذبا أطراف الحديث معا.
بعد ذلك، تواصل معي الصديق السوداني، وعرض عليّ السفر إلى الخرطوم، للقاء الشيخ هناك، بعد أن فاتني لقاءه في الدوحة، فرحبّت وطلبت منه الترتيب لذلك، ولكن انشغالات الصديق السوداني –على ما يبدو- حالت دون إتمام تلك الزيارة الموعودة، حتى جاء الترابي الأجل، وانتهت رحلة الحياة في اليوم الموعود، الذي كتب في "صحائف الأقدار"، التي لا راد لها.
كم حزنت لأنني لم أحظ بوداع الشيخ، لا حيّا، ولا ميّتا، حيث لم تُتح لي الفترة الزمنية الضيّقة الواقعة بين لفظه أنفاسه الأخيرة، وبين مواراته الثرى، مشاهدة وجهه، الذي لم تكن تفارقه "الابتسامة"، المرتسمة على محيّاه دائما.

تقييم الترابي

لقد سال خلال الساعات الـ 24 ساعة الأولى من رحيل الترابي، حبر كثير، ويتوقع أن يتضاعف أضعافا مضاعفة، فنحن إزاء شخصية استثنائية، عرفت بالعصامية، والجلد، والنبوغ، والذكاء، والدهاء، والشجاعة.. شخصية ألمعية، ذات هالة  جذّابة "كاريزمية" لذا، فمن الطبيعي أن تكون محل جدل واختلاف، وأن يتناوله مؤيّدوه وخصومه، بالنقد والتحليل، فقد ترك لنا الفقيد "تراثا"، يستحق الدراسة والتأمّل، حتى تدرسه الأجيال القادمة، وتستفيد من إيجابياته.
إن الترابي بشر، يصيب ويخطىء، ويؤخذ من قوله ويرد، وقد أصاب كثيرا، في مسيرته الممتدة نحو سبعة عقود، وأخطأ وزلّ خلالها، ودفع ثمن نجاحه ما يوازي ثمن أخطائه، ذلك أن الحاسدين كان يسوؤهم نجاح هذه القامة الرفيعة، لأنه لا يمكنهم رفع قاماتهم، ولا هاماتهم لتبلغ ما بلغه هذا الطود الشامخ.. وأما الذين أخطأ الشيخ بحقهم، أو خالفهم في الرأي والاجتهاد والموقف، فقد نفثوا سمومهم الزعاف ضده، ذلك أن قلوبهم ممتلئة بالحقد، ونفوسهم مسكونة بالكراهية، لذا لم يترفّعوا عن الصغائر، وبقوا يحملون أحقاد التاريخ القريب والبعيد.

عزاء ومواساة

وأخيرا وليس آخرا، إنني إذ أعبّر عن حزني الشديد لرحيل الشيخ العلامة، الموسوعة، حسن عبد الله الترابي، فإنني أعبّر عن سعادتي أن الشيخ أعاد وصل ما انقطع خلال سنواته الأخيرة، مع رفاق دربه الذين أختلف معهم، ومع خصومه السياسيين، الذين واجههم في ميادين السياسة، ومات وهو يمدّ يديه إلى الجميع من أجل رفعة ونهضة بلده.
رحمك الله أيها الشيخ الجليل، وأسكنك فسيح جناتك، وخالص عزائي، أقدّمه إلى: زوجته ورفيقة دربه، الصابرة المحتسبة، سليلة عائلة "المهدي" وصال، وإلى أبنائه: الصديق، وعصام الدين، ومحمد عمر، وسلمى، وأسماء، وأمامة.. وإلى آل المهدي، وآل الترابي، وإلى إخوانه ورفاق دربه، وتلاميذه. وأسأل الله تعالى أن يجمعنا مع الشيخ في الفردوس الأعلى، مع النبيين، والصديقيين، والشهداء، وحسن أولئك رفيقا. إنا لله وإنا إليه راجعون.

------------------------------------------------------------------------------------

  • عضو المكتب السياسي لحركة حماس

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

القيادة إنصات وليست سماعاً واستماعاً

دخل قائد الفريق إلى الاجتماع، تحدث القائد لثلاث ساعات متواصلة عن المعوقات والمشاكل، الخطط، الإنجازات، …