“الحاكمية” وقضية الاجتهاد والتجديد.. ردًّا على دعاة التكفير!

الرئيسية » بصائر الفكر » “الحاكمية” وقضية الاجتهاد والتجديد.. ردًّا على دعاة التكفير!
muslims12

تُعتبر قضية الحاكمية إحدى أهم القضايا التي تواجه العاملين في حقل الفكر الإسلامي، والناشطين في مجال الحركة الإسلامية، باعتبار أنها إحدى أهم الأمور الشرعية التي ترتبط بقضية السياسة والحكم في الإسلام، وبالتالي؛ فهي من ضمن الركائز الأساسية التي توجه الحركة الإسلامية، على اختلاف تنويعاتها الفكرية واتجاهاتها الحركية.

تضع الحركات الإسلامية تصوراتها للصيرورات الاجتماعية والسياسية والفكرية للمجتمعات التي تسعى إلى إصلاحها، وإقامة نظام الحكم الإسلامي فيها، وفق قواعد الشريعة الإسلامية الصحيحة، وهو ما يُعرف بالحاكمية، وذلك استنادًا إلى عدد من الأدلة والاصول، أهمها آيات سُورة "المائدة" الثلاث التي تؤكد على أهمية الحكم بما أنزل الله من شِرْعةٍ وأحكام، باعتباره أن ذلك من صميم اكتمال إيمان الإنسان واصطباغ الجماعة بصبغة الإسلام الصحيحة.

وهنا، لا خلاف على الحاكمية، حاكمية الشريعة التي ارتضاها لنا الله عز وجل في كل شيء، في أمور الجماعة والفرد.

ولكن ثمة مشكلة مفاهيمية شديدة الأهمية في هذا الأمر، قادت إلى أكبر محنةٍ واجهتها الأمة عبر تاريخها، وهي محنة فتنة التكفير، بعد تعطيل فريضة الاجتهاد في تأويل النص الشرعي قطعي الثبوت، ظني الدلالة، التي قادت إلى أسوأ حالة من الاقتتال بين المسلمين، يسقط فيها كل يوم عشرات من أبناء الدين الواحد الذين يشهدون بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" عبده ورسوله.

والمتأمل في أدبيات الجماعات التي تتبنى تكفير الآخر المسلم؛ سوف يجد قضية مهمة للغاية، يستند إليها الجميع تقريبًا في هذا الصدد، وهي أن الآخر المسلم لا يستند إلى الشريعة الإسلامية – وفق فهمه لها – في كل ما يقوم ويفعل، ويستند إلى قوانين وضعية، أو قواعد فقهية جديدة أقرها فقهاء الأمة وعلماؤها الثقات للتعامل مع مستجدات الواقع؛ يجد التكفيريون أنها تخرج عن أحكام الشريعة الإسلامية، ولا تتطابق معها، وبالتالي فهم يكفِّرون ويفسِّقون كل من لا يلتزم برؤيتهم للشرعة والمنهاج الذي وضعه الله عز وجل في كتابه، وكما طبقه النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

تعود هذه الأزمة إلى جذور عميقة ضاربة في التاريخ، وبالذات في عصور التخلف والانحطاط التي ابتُيلَتْ بها الأمة، وكذلك فترات الاستعمار الطويلة، والتي أدى – كلاهما – إلى حالة من التخلف الفكري والجهل، التي فعلت فعلها في أجيال كاملة من شباب الأمة، فباتوا على هذه الدرجة من سوء الفهم، وعدم القدرة على إعمال العقل، وفهم صحيح الدين ومقاصده.

ليس كل ما يتم إدخاله على الإسلام من الجديد؛ هو بدعة؛ حيث العبرة في مدى اتفاق هذا الجديد، مع الشريعة ومقاصدها، وبالتالي؛ هل هي تفيد جماعة المسلمين أم لا؟

إلا أننا نقف أمام مشكلة خاصة ترتبط بهذه القضية، وهي وقوف هذه النظرة التقليدية للدين ولنصوصه قطعية الثبوت، وقفة جمود وتقليد، وعدم الأخذ بأسباب الاجتهاد والتجديد، بحيث يمكن القول إنها واحدةٌ من أعظم الأمراض التي ابتليت بها الأمة؛ حيث إن هذه الحالة مِن وَقْف العقل عند حدود النص، مِن دون إعمال العقل فيه، وغلق باب الاجتهاد والتجديد، أدت إلى حالة من الرجعية والتخلف، أوصلتها إلى ما هي عليه الآن من صراعات داخلية واستعمار وتشرذم، وسط طوفان لا ينتهي من دماء أبناء الأمة، بيد إخوانهم المسلمين، وبيد أعدائهم على حد سواء.

وقاد ذلك بالتالي، إلى عدم قدرة الأمة على التقدُّم خطوة واحدة إلى الأمام على طريق استعادة خيريتها، ومجدها الحضاري، والتواجد في إطار الأمم المتقدمة حضاريًّا، وفي ظل صراع لا يرحم بين القيمة والمادة، وطبيعة وحشية للقوى التي تتصدر السباق الحضاري في هذه المرحلة من تاريخ الإنسانية؛ فكان ذلك يعني – في ظل غياب غطاء الخلافة السياسي والاجتماعي والحضاري الجامع للمسلمين – انسحاقًا كاملاً للأمة.

يستند هؤلاء إلى فهم قاصر لبعض النصوص الصحيحة، ولاسيما في مجال فهم أحاديث الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، عن قضية البدعة، ويضعون كل ما لا يتفق مع تفكيرهم في إطار البدعة، متناسين أن الرسول "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قد تحدث كذلك عن السُّنن الحسنة.

و ليس كل ما يتم إدخاله على الإسلام من الجديد؛ هو بدعة أو سُنَّة سيئة؛ حيث العبرة في ذلك بعدد من المعايير التي حددتها الأحاديث النبوية الشريفة. ومنها مدى اتفاق هذه السُّنَّة أو هذا الجديد، مع الشريعة الإسلامية ومقاصدها، وبالتالي؛ هل هي تفيد جماعة المسلمين أم لا؟

وهناك حديثٌ للرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"ـ يقول فيه: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" [صحيح/ أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي، وصحَّحه الألباني]، والمعنى هنا واضح تمامًا فيما يتعلق بأن التجديد سُنَّة حتمية لصيرورات الدين عبر الزمن، وذلك حتى يكون صالحًا لكل زمان ومكان.

التجديد، عماده إعمال العقل في النص لأجل استخلاص الأحكام التي يتطلبها الواقع المستجد، أي الاجتهاد في العمل على إسقاط أحكام الشريعة على الواقع

والتجديد بطبيعة الحال، عماده إعمال العقل في النص لأجل استخلاص الأحكام التي يتطلبها الواقع المستجد، أي بمعنىً آخر الاجتهاد في العمل على إسقاط أحكام الشريعة على الواقع، وهو ما يُسمَّى في العلوم الشرعية بالفقه.

إذًا؛ فتُعبر هذه الأزمة، عن حالة من الجمود الفكري لدى أصحابها؛ حيث هذه القضية مفصلية لدى أصحاب الفكر التكفيري، فهم، بدعوى أنهم لا يريدون إحداث بِدَعٍ في الدين، وبالتالي لا يزيدون عن الحكم الشرعي الموجود بنصِّه؛ يوقفون النص تمامًا على ظاهره، وذلك بالرغم من حقيقة أقرها العلماء، أن القرآن الكريم الذي يضم 6236 آيةً؛ لا يتجاوز عدد الآيات قطعية الدلالة فيه على بضع مئات منه، أي أن الاجتهاد والتأويل هو أساس فهم القرآن الكريم ومعرفة أحكامه.

وهذه المهمة، هي مهمة العلماء والراسخين في العلم، ومرتبة المجتهد في العلم الشرعي، عظيمة، ويجب على من يصل إليها المرور بمراحل شتَّى من العلم والتأهيل الفكري وحتى البدني؛ لمشاق ذلك.

كما يتجاوز هؤلاء عن قضية أن السُّنَّة النبوية تفسِّر القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم يفسر بعضه، بمعنى أن الحكم الشرعي في آية بعينها لا يكون قاطعًا كما ورد في ظاهر النص؛ حيث إن هناك بعض النصوص القرآنية فسرتها آيات أخرى، أو فسرتها السُّنَّة النبوية، كما أن – الأهم – أن هناك سياقات زمنية لآيِ القرآن الكريم المختلفة، وهذا السياق الزمني مهم لفهم الحكم الذي ورد في الآية، وكيفية وحالات تطبيقه.

ومن أمثلة ذلك، ما جاء في سُورة "الفرقان"؛ حيث يقول الله عز وجل: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)}، والمقصود بعبارة "وَجَاهِدْهُم بِهِ"، هو القرآن الكريم.
هذه الآية مَكِّيَّة، وفي وقت أن نزلت، حدث أن تصادف أن جادل بعض الصحابة الأوائل، الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، في مسألة قتال المشركين، بعدما بدأوا في التنكيل بالمسلمين الأوائل؛ فأكد النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، أنه لم يؤمر بقتال، وقال لهم: "لم نؤمر بذلك – يعني: القتال – ولكن ارجعوا إلى رحالكم" [صحيح/ أخرجه البيهقي والنووي وآخرون].

وهذا أثبت أن الجهاد المذكور في آية الفرقان هو جهاد البيان وليس جهاد السنان، بينما يؤكد منظرو الجماعات التكفيرية أن القتال هو صورة الجهاد الوحيدة في الإسلام.

لا خلاف على حاكمية الشريعة؛ إلا أنها تستوجب المزيد من الفهم، حتى لا يتحول كل حكم جديد بشأن مستجدات أوضاع المسلمين، في مجال للتكفير وتعطيل الاجتهاد

إذًا قضية الحاكمية مثلها مثل نصوص القرآن الكريم؛ لها أوجه وأحكام وقواعد لتطبيقها، ولا يتعارض معها وضع قوانين وأحكام جديدة في مجال سياسة الرعية وحكمها.

وفي سيرة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" – كذلك – ما يؤكد هذا، ففي سيرة ابن إسحاق وابن هشام، ثبات عنه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، خطابه لسيدنا معاذ بن جبل "رضيَ اللهُ عنه"، وهو "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، يلقنه ما سوف يفعله مع أهل اليمن، وإيلام سوف يستند معهم في تعليمهم دين الله؛ وصل معه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، إلى منطقة: "وإن لم تجد" في كتاب الله وسُنَّة رسوله"، إلى موافقة صريحة منه "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، على ما قاله سيدنا معاذ فيما يتعلق بالاجتهاد والإتيان بالجديد، وفق ما فهمه من القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية.

بل إن ذلك مطلوب في الإسلام؛ فلما قال معاذ "رضيَ اللهُ عنه": أجتهد رأي ولا آلو. قال الرسول "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم": "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".

وفي الأخير؛ فإن هذه القضية هي من أهم ما يمكن للعاملين في حقل الدعوة والحركة الإسلامية، بحيث يتم الوصول إلى نقطة اتفاق حول دقائق وقواعد تطبيقها، فلا خلاف على حاكمية الشريعة في كل أمر الإنسان المسلم، والمجتمع المسلم؛ إلا أنها في إطارها العام تستوجب المزيد من الفهم، حتى لا يتحول كل حكم جديد بشأن مستجدات أوضاع المسلمين، في مجال للتكفير وتعطيل الاجتهاد، في وقت أحوج ما تكون فيه الأمة إلى خطوة واحدة إلى الأمام في ظل سباق بين الأمم، لا يرحم من يتخلف عنه!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

تساؤلات عن الحركة الإسلامية

عندما يشتد الصراع بين الحركة الإسلامية والأنظمة الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية، وعندما تعيش الحركة …