السلطة عندما تكون مرضا (1-2)

الرئيسية » بأقلامكم » السلطة عندما تكون مرضا (1-2)
king3

كثيرا ممن كتبوا عن ربيع الثورات العربية، وقيموا أحداثها، توجهوا باللوم للطغاة العرب الذين هان عليهم دماء أبنائهم، ودخلوا في دائرة جدل عقيم مع رؤوس هذه الأنظمة الغارقة في الفساد والطغيان .. لكن فات هذه الطائفة من كتابنا الأجلاء أن يحسبوا حساب إصابة هذه الطغمة الحاكمة الفاسدة بمرض «السلطة» الذي يتبدى في مجموعة من الأعراض التي لا تنفع معها لغة الإقناع ولا منطق الحكمة السائر بين الناس قاطبة.

«مرض السلطة» مرض غريب في أعراضه، غريب في تطوراته، غريب حتى في نوعية البشر المعرضون للإصابة به، ولو تفهمنا كل هذه الظروف والملابسات لسهل علينا تفسير سلوكيات الطغمة الحاكمة المصابة بهذا المرض، ولأحسنا قراءة الواقع والظروف التي تمر بشعوبهم المنكوبة، وبالتالي أعدنا صياغة لغة الحوار مع هؤلاء المرضى، وأجدنا اختيار القرارات والتصرفات المناسبة للتعامل مع هذه الشرذمة المكروهة والغارق في الطغيان.

يقول د. يوسف نور عوض: إن العالم العربي يعيش مشكلة في الحكم وفي تكـوين الدول، ويكـفي أن ننظر إلى دول مثل مصر واليمن وليبيا والسودان وسورية والجـزائر وغيرها لنجد حكاما لا يعتبرون أنفسهم يقومون بمهام سياسية محددة بل يعتبرون أنفسهم موظفين في وظائف مدى الحياة، يستعينون بقادة الجيوش والإمكانات المالية الضخمة من أجل الاستمرار في أداء أدوارهم دون التنبه إلى أن الدولة هي في الأساس نظام موجه لخير المواطنين، ولا شك أنه من حق أي مواطن أن يصل إلى مركز القيادة من أجل أن يحقـق مصـالح شعبه بشـرط ألا يصـبح الوصـول إلى مـركز القيادة هـدفـا في حد ذاته، ويصبح بالتالي من حق أزلامه والمقربين منه. (1)

مظاهر عامة

ثمة مظاهر عامة تتجلي في الطواغيت التي يتلبسها «مرض السلطة»، فيقول أحد المحللين: فقوة الثور ورعونته من مزاياه، ودناءة الخنزير وبلادته بعض سجاياه، وعشق النفوذ والتسلط على النفوس غريزة ثائرة لا يكبح جموحها اصطباغ الأرض بدماء ما لا يحصى من ضحاياه.

لديه الكثير من المكاييل والأقداح التي اختص الصهيونية بأوفاها، وجعل للصليبية ما تلاها، والإلحاد عنده مكانة رفيعة، لا يزاحم إياها، وما تبقى من صنوف الموازين فللعرب غير المسلمين، ثم للعرب وغير العرب من المسلمين.

وهو نموذج مكرر، وقالب غير مطور للاستعمار في أقبح صوره وأحط أطره، جل همه التسلط والقهر، وغاية حلمه الولاية العامة والخاصة على البشر .. كل البشر، في البر والجو والبحر.

وهو يسعى لتحقيق ذلك بسبل كثيرة ودروب معهودة، فالرقاب يأسرها المنح والعطاء، ويكسرها المنع والإقصاء، ويكبلها القرض حين يعز الوفاء.

وبيت ماله تيه عجيب، لا تحصى مفاتيحه ولا تحصر مفاتحه، بيد أنه رغم ذلك شره لا يشبع، طموع لا يقنع، بفرض ما يشاء من الخراج والجزاء، على من يشاء من رعاء البقر أو رعاء الشاء، ومن يسوف في الدفع أو يتردد، يناله العقاب الصارم من دون تردد.

مظاهر تفصيلية

• يقين الخلود .. يقول الأستاذ عبد الرحمن على البنفلاح: عندما غاب الإيمان باليوم الآخر عن فرعون، قال لشعبه: «أنا ربكم الأعلى». والطغاة والمستبدون يعيثون في الأرض فسادا، ويسفكون الدماء ويهتكون الأعراض دون أن تتحرك شعرة واحدة في أجسامهم، لأنهم نسوا الآخرة، وظنوا أنهم خالدون لا يهلكون، وأن ملكهم دائم مقيم لا يتحول إلى غيرهم، ولو تنبهوا لعلموا أنه لو دام لغيرهم ما وصل إليهم. (2) ولا أدل على منطق الخلود من الأرقام الفلكية للعمر الرئاسي لهؤلاء الطغمة ففي مصر امتدت حقبة الطاغية مبارك لأكثر من ثلاثين سنة، حتى نشأ جيل من الشباب والكهول ولا يعرفون رئيسا لهم سواه، أما طاغية ليبيا فمكث 42 سنة، فضلا عن برامج التوريث التي دانت لها كل الدساتير والمجالس النيابية في أقل من لمح البصر.

• اختزال التاريخ في الأمجاد الشخصية، وتسليط الضوء على تلك المنعطفات بشكل أدى إلى ضمور دور كل أحقاب تاريخنا، رجالا وأحداثا، بل مناطق وجهات بأكملها، تم تهميشها ورميها إلى غياهب النسيان حتى لا تشوش على نقاء الانتماء الجديد الذي ولدت معه الشعوب العربية من عدم! والنماذج في هذا عديدة، فمنها: ثورة الفاتح في ليبيا، وصاحب الضربة الجوية في مصر، وخبير الممانعة في سوريا.. يقول د. جمال الحضري: «لقد أصبحت الذاكرة العربية قصيرة جدا، ويكفي تصفح المواد التاريخية أو الإعلامية بشتى وسائطها في بلادنا ليدرك المتشكك إلى أي حد اختصرت البلاد في شخص والتاريخ في حدث والفكر في فكرة واحدة والميول السياسية في لون واحد مهما تعددت ألاعيب التنويع المزيفة».

• تكوين نخب الموالاة: لأن صناع الثورات الانقلابية أو الثورات المختطفة بشر تلحق بهم عوارض الفناء، فإن ديمومة صروحهم السياسية والفكرية تعهدت بها أجهزة متنوعة، تعمل على قولبة الفكر والسلوكات فتخرج للشعوب المستضعفة نماذج من الناس لديها كل الاستعداد (والعدة) لأن تفتدي «الثورة» بأرواحها ودمائها.. يقول د. جمال الحضري: إن الأجهزة الثقافية والإعلامية التي لم تكف طوال حقب تولي هذه الزعامات عن ترسيخ الفكر الواحد والمرجعية الواحدة والمشروعية الوحيدة قد فرّخت لنا أنماطا من الناس لهم نسق للحقيقة والباطل غير النسق الممتد في تاريخ الشعوب العربية، كيف لا وقد أعيد تشكيل الخطاب الفكري بما يرسخ مرجع الحقائق في أقوال هذه الزعامات، وتبطل بفعل ذلك كل الأقوال المغايرة أو حتى المنزاحة ولو قليلا عن تلك المرجعية. كما تم ترسيخ قيم الولاء بما يعني الوفاء والخدمة للنظام القائم حصرا، وكل نشاط لا يؤدي ضريبة هذا الولاء فهو في خانة العدوان على «مصلحة الشعوب» والخيانة لطموحاته. وما يترتب على إشاعة هذه الأنساق هو إضعاف حلقات التواصل الأفقي بين الناس ليصبح معيار الوطنية والمواطنة هو درجة القرب عموديا من السلطة المنفذة ولو على حساب كل العلاقات الأخرى عائلية أو فكرية أو جغرافية الخ.. وإزاء تعزيز هذه المنظومة المغلقة على فكرة نقاء الولاء، يستحث خدمة السلطة وسدنتها كفاءات الشعب وإطاراته ليس على تقديم أجود ما لديهم من قدرات للتنمية بل على ابتكار أفضل الصور الدالة على الطاعة والانخراط في دائرة المنفذين. وهنا تتحرك هذه السلطة من خلال علاقات أخطبوطية ممتدة إلى «حبل الوريد» إلى غربلة كل متقدم إلى مركز إداري كبير أو حقير، فلا يتم الحصول عليه إلا بوساطة هي في حد ذاتها ختم بصحة الولاء وضمان بديمومة السلطة من خلال توريث جيل من الممسوخين المستعدين لبذل كل شيء مقابل العيش في كنف حام.

• العمالة والخيانة.. منذ حوالي أربعين عاماً، بعد حرب العام 1973 تحديداً، وبعد ذلك الاتفاق الرهيب بين النظام الرسمي العربي وحكومة الولايات المتحدة على جعل البترول العربي غطاء للدولار الأمريكي بدلاً من الذهب (البترودولار) مقابل ضمان واشنطن لسرمدية حكم العائلات، بدأت عملية إبادة للأمة لا مثيل لها في تاريخ الأمم، وذلك بتحويل حياة الشعوب العربية فعلاً إلى ما يشبه حياة القطعان! وكان محمد حسنين هيكل قد ذكر، في مطلع الثمانينيات الماضية، أنّ أحد الأمريكيين عبّر عن استخفافه بالرأي العام العربي، وقال له أنّ كلاً من البلاد العربية سوف يحكم بمجموعة من الأشخاص، أو بأسرة من الأسر، وأنّه من الأفضل أن يكون الشخص الذي يقف على رأس الحكم مجنوناً! لقد سارت الأمور فعلاً كما أراد الأمريكيون، وتمخّض النظام الرسمي العربي عن طراز من الحكم لا مثيل له في العالم المعاصر، لا في ممالكه ولا في جمهورياته، حيث تشابهت الممالك والجمهوريات العربية، فلا المملكة مملكة ولا الجمهورية جمهورية، بل نوع غريب فظيع من أنواع الحكم قوامه الاستئثار والجشع، والاستبداد والإجرام، والتفريط بالأوطان وكرامتها، وبالإنسان فرداً وجماعة، وقد استقلّت العائلات الحاكمة بذاتها معتمدة على قبائلها (الحزبية والمجتمعية الخاصة) جاعلة من هذه القبائل بديلاً للشعب، ومن أجهزتها السلطوية أداة لإذلاله وإخضاعه، ومن كليهما مصدر شرعيتها الوحيد. (3)

وفي مقال لصحيفة «روز اليوسف» المصرية تحت عنوان «حسني مبارك الرئيس المصري المخلوع، عمل لصالح الموساد قبل توليه الرئاسة بعامين» والمقال الذي نشرته «روز اليوسف» مصدره صحف إسرائيلية وأخرى أمريكية هي «اليونايتد برس» في عددها الصادر في 31 أيار/مايو حول تعامل مبارك مع الموساد وبعلاقات وثيقة منذ العام1979م، وأنه لعب دور الوسيط السري بين الموساد وبقية الدول العربية.

وتُعزز الصحيفة ما أوردته «بفتوى» صادرة عن مكتب الحاخام الأول في إسرائيل (عوفاديا يوسف) في الأول من أيار/مايو لهذا العام، موجهة لرئيس الموساد الإسرائيلي «تامير باردو» بخصوص ما يجب القيام به لرد الجميل لصديق الشعب اليهودي ودولة إسرائيل المخلص (حسني مبارك)!! وكيفية الوقوف بجانبه في محنته الحالية.

وتمضي «روز اليوسف» نقلا عن صحيفة أمريكية ذائعة الصيت، في الكشف عن العلاقة القوية التي ربطت بين مبارك والحاخام اليهودي الأول الذي عمل بالقاهرة بداية 1947 قاضيا شرعيا للطائفة اليهودية، ليتطور الأمر بعد ذلك إلى تفاوض سري بينه وبين الحاخام الأول عقب حرب أكتوبر وحتى عام 1976 حول استرداد رُفات الجنود الذين سقطوا في مصر أثناء المعارك الحربية.

ولم يكن مبارك الرئيس الوحيد الذي كانت له علاقة مميزة مع الموساد الإسرائيلي، فقبل ذلك وعند اشتعال الثورة في تونس، كتبت بعض الصحف أن الرئيس التونسي المخلوع كان أيضا على علاقة بالموساد، وأن عملية اغتيال القادة الفلسطينيين في «حمام الشط» في بداية التسعينات لم تكن دون علم بن علي وأجهزة مخابراته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

التطبيعُ والثورُ والعجولُ

التطبيع لغة: مصدر طبّع. واصطلاحا كما تقول معاجم اللغة: طبع العلاقات بين البلدين.. أي جعلها …