العمرة والهدف المفقود

الرئيسية » بصائر تربوية » العمرة والهدف المفقود
makkah20

تتوق النفس إلى زيارة بيت الله الحرام، مصداقا لقول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} [إبراهيم:37]. فكلما زرته رغبت في المزيد وكأن الكعبة تملك أثراً سحرياً جاذباً يترك في نفس كل زائر لها رغبة في رؤيتها مرة ومرة.

يلفت انتباهك هناك الحشود الهائلة الزاحفة للمسجد من كل فج عميق وفي معظم أوقات السنة، وقد تطورت زيارة المسجد الحرام عن السابق لتتحول إلى رحلات سياحية منظمة تشغل الفنادق وتنفق من أجلها الأموال الطائلة في المبيت والطعام والشراء من الأسواق التي تنتشر حول بيت الله الحرام. فما تكلفه هذه الرحلات من أموال طائلة بات عبئا على ميزانية الكثيرين، بل قد يدفع البعض إلى الاستدانة أو التقسيط لإنجاز هذه الرحلة بشكل سنوي وعائلي.

وسواء أعجنا هذا السلوك أم لا، وذلك الإنفاق الباذخ أحيانا في العمرة أم لا، إلا أن الهدف يبقى نبيلا وجميلا ألا وهو: زيارة بيت الله الحرام طاعة لله تعالى وأنسا بقربه واطمئنانا إلى أمنه {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران:97]. لكن السؤال الذي أحب طرحه في هذه المقالة: كم من هذه الحشود الضخمة والأعداد الهائلة من المعتمرين المسلمين من شتى بقاع الأرض قد حقق الهدف الذي من أجله شرعت العبادات في الإسلام ابتداء؟! وهل تستحق النتيجة المتحصلة من رحلات العمرة ما قدم لها من جهد ووقت ومال بل وتعب وطول سفر؟!

كم من هذه الحشود الضخمة والأعداد الهائلة من المعتمرين المسلمين من شتى بقاع الأرض قد حقق الهدف الذي من أجله شرعت العبادات في الإسلام ابتداء؟!

لقد شرع الله تعالى العبادات المختلفة لتحقيق التقوى وتعميق معنى العبودية الحقة لله عز وجل {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} [الأنعام:162].

إذن يمكننا القول من هذه الآية أن العمرة تهدف إلى تهذيب النفس وتربيتها على الطاعة لله عز وجل والائتمار بأمره والانتهاء عما نهى. فما مدى تحقق هذا الهدف في جماهير المعتمرين من المسلمين؟ ما الذي تغير في حياتهم الشخصية... في معاملاتهم.. في عباداتهم.. في تقواهم لله عز وجل؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى استقصاء ومتابعة لأحوال الكثيرين من الناس، لكنها ليست صعبة بالنظر إلى أحوال المسلمين عموماً، وأحوال المعتمرين خصوصاً، والذين أصبحت العمرة برنامجاً سنوياً في حياتهم. إننا لا نكاد نجد تغيراً يذكر في حياة المعتمرين، فالعبادة هي هي، والسلوك والأخلاق هو هو تقريباً إلا في حالات استثنائية محدودة عند البعض، إذ لو تأثر معظم المعتمرين الذين تصل أعدادهم السنوية إلى الملايين من المسلمين بالعبادة التي أدوها لظهر ذلك في تغير سلوكيات المجتمع المسلم في كل مكان. ولكن الحقيقة أن الحال والسلوك هو هو لم يتغير، فما السبب في ذلك؟ ولماذا لم يتحقق الهدف المنشود من العبادة والذي شرعه الله تعالى وأراده منها؟

الكثيرون أصبحت العمرة بالنسبة لهم عادة وليست عبادة، فهي جزء من برنامجهم السنوي ومن باب تغيير الجو

اعتقد أن الأسباب كثيرة لكن أهمها على الإطلاق هو في عدم استحضار الهدف من العمرة ابتداء عند الكثيرين عند الرغبة في أدائها، فالكثيرون أصبحت العمرة بالنسبة لهم عادة وليست عبادة، فهي جزء من برنامجهم السنوي ومن باب تغيير الجو والبعض قد يكون له فيها أهداف أخرى مثل التجارة مثلاً، لذا تجد عند متابعة أحوال المعتمرين أن الكثير منهم لا يزيد على أداء الصلاة جماعة في المسجد الحرام أو المسجد النبوي ثم يهرول مسرعاً إلى السوق أو الفندق ليقضي وقته بينهما معتقداً أنه يكفيه تحصيل الأجر المترتب على أداء صلاة الجماعة في المسجد الحرام، ثم يقضي بقية وقته مع العائلة في السوق أو الفندق. فأنى لمثل هذا أن تغير العمرة من حياته؟ وأنى له أن يتغير أي شيء في شخصيته تبعاً لذلك؟ لذا فهو يعود إلى حياته الطبيعية بعد العمرة وكأن شيئا لم يكن.

إذا لم تكن الرحلة مؤسسة ابتداء على الرغبة في توثيق صلة العبد بربه وإصلاح القلب مما علق به من الشوائب وتزكية النفس بمزيد من النوافل وتعويد النفس على قيام الليل وطول الدعاء والذكر والتبتل والخضوع والإقرار لله تعالى بما سلف من الأخطاء والذنوب وتجديد العهد على الطاعة والإقلاع عن المعصية فلن يكون للعمرة أثر في نفوسنا، ولن تغير شيئاً من أحوالنا المتردية التي تحتاج إلى إصلاح وتقويم واستعانة بالله تعالى مما يمكن للعمرة أن تقدمه لتحقيق ذلك.

يمكن للعمرة أن تكون معراجاً تسمو به الروح وتصفو به النفس من كدر الدنيا وترنو به إلى جنات الخلد.

يمكن للعمرة أن تكون معراجاً تسمو به الروح وتصفو به النفس من كدر الدنيا وترنو به إلى جنات الخلد.

يمكن للعمرة أن تهذب السلوك بما تزودنا به من خبرة في الأسفار ومخالطة الناس والتعرف إليهم ومشاهدة أحوالهم وسلوكهم وأخلاقهم.

وغير ذلك الكثير مما يمكننا أن نستفيده من هذه العبادة ولكننا نحتاج ابتداء أن نستحضر هذه المعاني عند العزم على السفر وأداء هذه العبادة فإذا لم نتصور هذه الفوائد ونخطط ونعزم لتحقيقها فلن تكون وتصبح مفقودة وتصبح رحلة العمرة السنوية مجرد رحلة سياحية سنوية نستروح فيها من تعب الحياة الروتينية.

لا شك أنه بقي أن نشير إلى أن من يؤدون العمرة خير ممن لا يؤدونها لكنهم يضيعون فرصة حقيقية لإصلاح القلوب والنفوس وتعديل السلوك بما يحقق العبودية الحقة لله تعالى ويرفع من جاهزيتهم لملاقاة ربهم بقلب سليم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
حاصل على الدكتوراه في التربية، ومدرب معتمد في التنمية البشرية وبرامج تربية الأطفال. عضو مجلس إدارة جمعية المحافظة على القرآن الكريم في الأردن، ولديه خبرة طويلة في العمل الاجتماعي والإغاثي.

شاهد أيضاً

16 توصية لاستغلال العشر الأواخر بأحسن صورة

لن نقوم بشرح فضائل ليلة القدر، فالمعظم يعرف فضلها ومع هذا قد لا يحسن استغلالها، …