الفاضلة الأخيرة!!

الرئيسية » خواطر تربوية » الفاضلة الأخيرة!!
291850812

"عزيزتي، عليكِ أن تنسي كل ما كان يربطكِ بهم، أنتِ هنا أمام مجتمع آخر، أهلكِ الذين كنتِ تعيشين بينهم في "اليوتوبيا" أصبحوا جزءاً من الماضي الذي ((لن)) يعود، وإن كنتِ الأخيرة من ذلك النسل المنقرض فإن عليكِ أن تعيدي النظر في الأشياء وتختاري شخصية أخرى تناسب هذا العالم الجديد، نعم... عليك أن تصبحي سيئة بقدر ما في هذا الكون من خبث، لم يتبق من سكان المدينة الفاضلة إلا أنتِ، وعليك أن تختاري بين التكيف مع الواقع بكل شناعته، أو اللحاق بأهل مدينتك!"

أخلاق الطيبين (موضة قديمة)

المدير يستبدل إنسانيته بكرسي الإدارة، الزميل ينقل أخباراً كاذبة، الناس يبادرون بتعاملات غير إنسانية وأفعال لا تليق حتى بمسمى أشباه البشر، المارة يتحرشون، الأقارب يؤذون، المقربون يغدرون، كل ذلك في إطار "النفسنة"!

لست أعلم إن كان هناك مصطلح علميّ يجمل كل ما تحمله كلمة "نفسنة" من مشاعر سلبية (النفاق- الحقد– الحسد– الغيرة– الضغينة– البغضاء– الكراهية– الأنانية– السادية) المؤسف في الأمر أكثر، هو أنها تنتاب الشخص عندما يشعر بنجاح الغير، أو بحب الناس لشخص ما، أو تميز أحدهم عنه في شيء.

أمام هذا كله، يتكوّم الإنسان أحياناً كجنينٍ أوحشتهُ الدنيا للرجوع إلى بطنِ أمه! ويستقر في ركنٍ يراقب من خلاله كل شيء بعينٍ دامعة ويعاتب متهماً لم يعرف كنهه، لكن... لا الوجه الجميل ظهر.. ولم تختف الحقيقة؛ كأن سكان المدينة الفاضلة رحلوا بالفعل.. ولم يأخذوه معهم!

والنفسنة ردة فعل سلبية نتائجها مدمّرة: كالمزيد من الضغط النفسي والكبت والدمار الداخلي للشخص الحاقد ومن يتبعه ويسير في طريقه، وهذا يظهر بشكل واضح وفاضح، وهناك نتائج أخرى مثل العدائية المباشرة والحزبية والشللية العقيمة، ونحن نحقد إذا تخلى عنا الحظ، أو تخلف بنا قطار الحياة أو فاتتنا ترقية أو كانت الترقية من نصيب غيرنا، سواء كان يستحقها أو لا يستحقها. نحقد إذا شعرنا بأن أزواجنا أو أولادنا لا يقدّرون ما نبذله نحوهم من جهد ومن تضحيات. ونحقد إذا أساء إلينا صديق، أو اغتابنا في غيابنا، ونحقد بعد هذا كله لأي سبب ولأتفه سبب. ونذهب للنوم بعد أن ينتهي النهار، وعندها فقد نشعر بأثر هذا الحقد وما تركه في نفوسنا وأذهاننا. فقد هرب النوم من أعيننا، وعبثاً نحاول أن نطرد من رؤوسنا تلك الأفكار المعتمة التي استبدّت بها وسيطرت عليها.

هل يعي السيئون حقيقتهم:

تدفع "النفسنة" إلى التخطيط للإضرار بمصالح الآخرين، لكن أضرارها تعود على صاحبها، فينسى نفسه في غمرة تفكيره بالانتقام من نجاح الآخرين

إيذاء الآخرين، وتمنّي الفشل لهم، وتضييق النظر إلى ما في أيديهم، هي مشاعر سلبية سببها أمراض القلوب التي تربّيها مطامع الدنيا غالباً وهي في المطلق مشاعر لا إرادية يلزم تهذيبها وكفّها عن الناس، لكن توجيهها إرادياً إلى الناس بشكل سادي ومتعمّد يمثل الشر، والشرية ناتجة عن أنماط نمو الشخصية، ومرتبطة بالتنشئة الاجتماعية غير السليمة في الأسر المختلة. فتظهر مشاعر الضغينة وتنتشر على نطاق واسع.

وتدفع بشكل مباشر إلى التخطيط للإضرار بمصالح الآخرين، لكن أضرارها تعود على صاحبها في الأغلب، فيصبح خاملاً، بعيداً عن الاجتهاد، وينسى نفسه في غمرة تفكيره بالانتقام من نجاح الآخرين، ثم ينفر منه المحيطون. لكن عليه أن يحذر من نقطة الغليان والانفجار؛ لأنها ستدمر ما تبقى له من منطقية واحترام إن وجدت أصلاً.

والنفسنة مختلفة بالتأكيد عن التنافس الشريف الذي تولده الغيرة البناءة التي لو كانت هي والغبطة والتنافسية المثمرة بديلاً اختيارياً لعادت عليه بالنفع وأخذته إلى درجات يغبطه عليها الآخرون، ولعل من مساوئها أن الشخص قد لا يشعر بتصرفاته بينما من حوله يشعرون بها، وربما لو وعى الشخص الذي يحمل الشر بداخله ما يتسبب به من ضرر يقع عليه قبل أن يقع على غيره عاجلاً أو آجلاً؛ لأصبح الحال أفضل.

لو وعى الشخص الذي يحمل الشر بداخله ما يتسبب به من ضرر يقع عليه قبل أن يقع على غيره عاجلاً أو آجلاً؛ لأصبح الحال أفضل

من الذي خرّب الكوكب إذن؟

الجميع يكتب عن الفضيلة، ويتغنى بالأخلاق، ويبدو مثالياً، وهذا متعلق بطبيعة النفس البشرية التي تحب الكمال وتبحث عن المديح لأجل الجيد الذي تقدمه، وكأن الحاقدين من كوكب آخر، وفي هذا الزمن، لم يتبق أحد وما طالته ألسنة هذه النار، يدخل الإنسان في صراع: أيردّ الإساءة بالإساءة حقاً ثم يصبح أشبه بحيوان في هيكل إنسان؟ أم يتحمّل الإساءات المتكررة ويكابر ويكمل حياته بعيداً عن هدف يود تحقيقه برغم ذلك كله؟ أم يتحوّل إلى إنسان شكّاء بكاء متذمّر سلبي؟ أم يتنمّر؟ أم يهرب إلى مجتمع جديد لم يعرف عنه شيئاً بعد!
وإذا كان الطموح للمثالية شيئاً سيئاً، على اعتبارها طلباً للكمال؛ ولأن الكمال لله تعالى فالمثالية لدى الإنسان مرفوضة، فإن هذا أمر مقبول تماماً مثل تقبّل عيوب الآخرين والفهم المطلق للطبيعة الإنسانية المبنية على الخطأ والصواب لكن الجنوح للشرية الغالبة ليس حلاً للهروب من تمثيل الكمال والمثالية والرقي، بل هو كارثة أخلاقية.

مهما كانت أسباب شعورنا بالحقد، فهي لا تستحق منا كل هذا الاهتمام الذي يستنفد جانباً كبيراً من نشاطنا وحيويتنا وتفكيرنا

ويمكن التخلص من هذا الشعور بالبحث عن مصدره ثم بذل الجهد لإزالة مسبباته ودوافعه، ومحاولة النسيان تماماً، لكن التخلص من الشعور بالحقد والمرارة لا يكفي وحده، فالعقلاء هم الذين يملؤون نفوسهم بعد ذلك بآمال جديدة للمستقبل، ويأتي ذلك عن طريق تعداد النعم والتأمل في جمال الحياة من حولنا، فكما أن الحب يولـّد الحب، كذلك الحقد يولـّد الحقد ويغذيه، ومهما كانت أسباب شعورنا بالحقد، فهي لا تستحق منا كل هذا الاهتمام الذي يستنفد جانباً كبيراً من نشاطنا وحيويتنا وتفكيرنا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

جمالك بأخلاقك!

سمعت بالأمس أحد مذيعي البرنامج التلفزيونيه يتحدث بكلام جاد محوره أن الأخلاق تمر بأزمة أو …