حدّق في مصدر الضوء

الرئيسية » خواطر تربوية » حدّق في مصدر الضوء
Light21

حين ينحصر إيقاع الحياة بين الضغط والتوتر والقلق، تصبح الحياة أشبه بطاحونة لا تتوقف، ومع أن الإحساس بهذه الأشياء شيء طبيعي إذا جاء بنسبٍ متفاوتة في أوقات متقطعة ومواقف محدودة، إنما إذا أصبح ذلك الإيقاع هو الإيقاع الوحيد للحياة فتلك مشكلة بلا شك.

قد يصل الإنسان إلى هذه المرحلة حينما يحدد ويكثّف اهتمامه بشيء واحد محدد يريده بشدّة، يبذل لأجله قصارى جهده، يضحي بأي شيء مقابل الوصول إليه، فيكون في سباق مع كل شيء من حوله ولا أستثني الوقت أو الجغرافيا أو البشر، فمجرد الاختيار يعني أن الإنسان حدد مصدر الضوء الذي يشده، وأصبح لا إرادياً في موطن التحدي.

تكثيف الانتباه هو إياه التركيز على الهدف، وهو إياه ما يجعل الإنسان في تحد حقيقي، لن يظل مقتصراً على المواصلة / بلوغ النهاية أو عدمهما، إنما سوف يضيف إليهما امتحان الإنسان بما لديه من مهارات وخبرات تمكّنه من تخطي ما يشتت انتباهه للوصول إلى هدفه.

التركيز تبعاً لمصدر الضوء:

التركيز عنوان فضفاض مثل غيره من العناوين الواسعة التي يمكن أن تحتمل أكثر من تفسير، وتنفتح منها دروب لأكثر من اتجاه، ويندرج تحتها عشرات البنود، مهما ظنّ الإنسان أن كلمة تركيز محددة جداً؛ لأنها تعطي انطباعاً أولياً مباشراً للملمة كل ما لديك من انتباه موزع على الأشياء اللامعة في محيطك، إلا أنني أراها تشير إلى سر وراء الضوء الذي يجعل تلك الأشياء لامعة، هل فكر أحدٌ في مصدر هذا الضوء؟

الحياة ليست فقط ما يحدث لنا، إنما أيضاً ما نختاره ونرغب به ونريده بشدة، فنطلبه بإلحاح، وبالكيفية التي نستجيب بها لما يعترضنا من مواقف

ربما يكون المصدر هو الرغبة، الميول، الاختيار؛ لأن الحياة ليست فقط ما يحدث لنا، إنما أيضاً ما نختاره ونرغب به ونريده بشدة، فنطلبه بإلحاح، وبالكيفية التي نستجيب بها لما يعترضنا من مواقف، فالإنسان مخيّر، بإمكانه أن يرسم خطاً ويسير فيه معتمداً على كل المنح والخبرات والقدرات التي تستدعيها المواقف، الضوء الذي يختاره الإنسان ويريده بشدة هو فقط من يثيره، يغريه، يلهمه ويقع على كل ما حوله وما له علاقة بتوجهاته .

وفي الحقيقة فإن مكان هذا الضوء/ الهدف سيبدو بعيداً جداً ما لم نقطع إليه أية خطوة، لكن إذا بدأ الطريق مستعيناً بالإرادة والتركيز مؤمناً، واثقًا، متأكداً... سيصبح الدرب قصيراً، والمَهمّة بسيطة، ومع التحديق المستمر فيه سيتلاشى كل ما دونه، وحتى إن أتعبنا التحديق فإن في الوصول شفاء لكل ما علق بأجسادنا خلال الطريق.

هيبة العقبات مجرد وَهم:

ذكر العقبات يعني الاعتراف بها، وهذا ما أحاول نفيه، ولدي رسالة مفادها أن الخوف هو مصدر كل هذه العقبات مهما كان سببه: الخوف من الفشل، المغامرة، الخسارات، المفاجآت، المستقبل، المجتمع... والخوف من الشيء لا يمكن قتله إلا عن طريق القيام بفعل ما نخاف منه ، يعني بالتجربة دون الاعتماد على المعطيات النظرية وتجارب الآخرين.

العقبات سوف تتلاشى بمجرد أن نكسر هيبتها في عقولنا، فالشجاعة الحقيقية قد تكمن في التعاطي مع العقبات لا في قتلها

الوقت، قلة المال، القلق، المجتمع، الضغط والحيرة هم وقود، وليسوا عقبات إلا في دائرة الوهم، وسوف تتلاشى بمجرد أن نكسر هيبتها في عقولنا، مع استيعاب أن الشجاعة الحقيقية التي قد تفيدنا في الوصول يمكن أن تكمن في التعاطي مع العقبات لا في قتلها.

حدّق في مصدر الضوء:

لا بد أن يغرينا شيء في النهاية التي نندفع إليها بكل ما أوتينا من إرادة وعزيمة وهمّة، والتحديق فيه هو ما يمنع تشتت الانتباه هنا وهناك، لكن توجيه التركيز في المكان المحدد هو فن وقدرة إضافية، يجب على من يطمع في الوصول إتقانه.

بالإضافة إلى رغبتنا الداخلية وقدراتنا فإن هناك الكثير من التمرينات التي تساعد الإنسان على تركيز اهتمامه كالنظر في شيء محدد لوقت طويل وتأمله، والعودة إليه بإرادته كلما شد انتباهه شيء آخر حتى يتقن التركيز، ومشاركة الأهداف مع المهتمين والداعمين، واستشارة ذوي الاختصاص والخبرة، والتباري مع الآخرين، وغيره من الطرق التي تبقي الإنسان في المسار.

ولعل أهم ما يعين على ذلك كما يشير أحد الناجحين: "جمع الأولويات ثم ترتيبها ابتداء من أكثرها أهمية، ثم القيام بالخطوة الأكثر صعوبة والأكثر إيلاما وهي أن تأخذ أول ثلاثة أهداف في القائمة وتحذف الباقي، فحذف الباقي يعني أن تقول "لا" بجرأة وشجاعة للمشاريع الهامشية التي تنهش وقتك برغم بريقها المالي المؤقت؛ لأن لديك الإيمان بكسب الرهان في نهاية المطاف" وفي ذلك يقول ستيڤن كوڤي: "لتتعلم كيف تقول "لا " بقوة؛ لا بد أن تملك "نعم" أكبر في حياتك تصرف فيها جُل وقتك".

الإنسان الذي ينجح في التركيز على هدف ما، تنمو لديه قوة تلقائية في الحاسة السادسة، والذاكرة تقوم بتخزين ما تركز عليه فقط

وربما تحفزنا معرفة أن الإنسان الذي ينجح في التركيز على هدف ما، تنمو لديه قوة تلقائية في الحاسة السادسة، أو معرفة أن الذاكرة تقوم بتخزين ما تركز عليه فقط دوناً عن الأشياء العابرة التي لا تشد انتباهنا ، لذلك فإن قوة جذب الأشياء التي يريدها الشخص مرتبطة بتركيزه عليها والعمل بكل قوته. يعني بشكل واضح ومحدد، فإن علاج تشتيت الانتباه هو أن نريد شيئاً بقوّة، ونضاعف جهدنا لأجله، مع رفض كل ما لا يصب في مصلحته أو يدعمه .

إن الأفكار الكبيرة التي تراودنا والأحلام التي نرغب في تحقيقها والطموحات التي نتطلع إليها لا يمكن أن تتحقق إلا بالتركيز عليها دون النظر إلى الملهيات وأقوال المثبطين والخيبات السابقة، فحين يركز أحدنا على ما ضاع منه، فلن يتمكن من رؤية ما هو راغب به ومقبل عليه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

جمالك بأخلاقك!

سمعت بالأمس أحد مذيعي البرنامج التلفزيونيه يتحدث بكلام جاد محوره أن الأخلاق تمر بأزمة أو …