حين يختصر العالمَ سجنٌ.. والسجنُ يتفجر قصصاً!

الرئيسية » بأقلامكم » حين يختصر العالمَ سجنٌ.. والسجنُ يتفجر قصصاً!

لم يكن سراباً؛ المشهد المفرح، ولا كان هاجساً؛ الصوت القادم من بعيدٍ، لقد كان صوتاً يشبه تفاصيل الزمن القديم الذي كنا ندعوه نحن الأجداد بـ"الجميل". وكان المشهدُ كخطوط الأيام في وجه التاريخ: أنا في منتصف السبعينيات، وزوجتي تصغرني بعشرة أعوام، نفترش عتبة دارنا في مخيم الدهيشة بمدينة بيت لحم، يقول جيراننا: إننا ندفئ الحي بأنفاسنا الطيبة، كل عشيةٍ نحكي للجيلِ حكايات البطولة.

نكهة الحكاية فلسطينية، وعبقها سحرُ بندقية فلسطينية الهوى والهوية، إلا أن بعض القطاف كان هجيناً، والوجع اختصرَ دولتين بل كونينِ بين قضيبٍ ودوامة حقد. فتلك الحكاية بالذات تمتد بين حدقة قلب فلسطيني وبيت في أوكرانيا؛ كم حاول الوجع ألا يمسه، لكن هناك وبين بيوت قد لا تشكو شيئاً تتألم حفيدتي (ياسمينا 12 عاماً) وعلى مرمى الفراق المقدر للفلسطينيين ولدت قبل أوانها اللهفة العطشى في عيني أختها (غزالة 11 عاماً).

إيرينا؛ أم الطفلتين الأوكرانية التي كانت واحدة من حرائر نسجن فجر الحرية لفلسطين في صفقة وفاء الأحرار، "وإيرينا هادي بنتي.. إيرينا بنتي.. وأنا أبوها!" يكاد قلبي يتقطع على هاتين البنتين، تتلاقيان كالغُرَباء وما أسرع افتراقهما" أشعر أنني قبل أن أفجع باعتقال أبنائي كنت كالجبلُ الشامخ الذي لم تقعده عن العطاء ولم تصرفه عن حب الوطن؛ كل الابتلاءات التي تعرض ويتعرض لها مع أبنائه الأسرى (خليل، موسى، وإبراهيم) هذه أسماء أبنائي الثلاثْة المعتقلين لكن الاسم الرابع يشعرني بانحناء ظهري ووجع روحي أكثر، إنه اسم إيرينا زوجة ابني إبراهيم، أشعر بأن تعذيبها في السجن كسر ظهري، وافتراق فلذتي كبدي ابنتيها الجميلتين جعلني أرق قلباً، وأقربَ دمعة!

حينما أذكر اسمي أحمد سالم خليل سراحنة، كما أحب أن أسحبه رباعياً كقطار عطاء تسند واحدة من قاطراته الأخرى، كل اسمٍ من تلك الأسماء حكاية، الآن يذرف الدمعُ إذ أكتب عن حفيدتيّ اللتين التقتا بعضهما وأمهما في تاريخ تحرير الحرائر، عندما ولدت ياسمينا في أوكرانيا تم تسجيلها برقم وطني هناك، تركتها والدتها عند جدتها الأوكرانية، لتعتني بها حتى تأتي مع زوجها إلى غزة وتجهز أوراقها ثم تستقدمها إلى فلسطين بعد أن تستقر أوضاعهما فيها، لكنها حملت بغزالة وأنجبتها في بيت لحم بينما قبل أن تكمل غزالة السنة اعتقلت والدتها، وكان عمرها لم يتجاوز التسعة أشهر، لكنني احتضنتها بعد اعتقال والدتها وربيتها خلال عشر سنوات كانت والدتها فيها معتقلة... ووالدها كان معتقلاً كذلك.

لكن توجعني حالةُ إيرينا التي تركت المسيحية ودخلت في الإسلام راضية ومقتنعة تمام الاقتناع، وارتدت الحجاب كالنساء المسلماتِ تماماً، لم تتراجع أبداً، ولم تكره قدرها بل سلّمت وقاومت بما تملك، حتى عندما خيرها الصهاينة بعد الاعتقال لفترة بسيطة بين السجن أو الترحيل إلى أوكرانيا رفضت وأصرت على رأيها وصرخت شامخة: "فلسطينية، مسلمة أنا.. ولن أترك أرضي" لقد وقعت هذه الكلمات كحديد منصهر على قلوب وأذان الصهاينة، ليتفتح من جديد لديهم ألف مجالٍ للتساؤل: "لماذا تشد الجنسية الفلسطينية البشرَ جميعاً، أي فخرٍ يلحق بحامليها؟!" بالرغم من أن قصة إيرينا بالذات تثير غبار آلاف الأسئلة التي تبقى معلقة وتموت على مشنقة التدليسْ.

وبرغم أنها لم تحصل بعدُ على الهوية الفلسطينية ولا جواز السفر الفلسطيني برغم استحقاقها الواضح لامتلاكه، كانت ولا تزال مصرةً متمسكة بهذا القرار: أنها لن تترك فلسطين وتهاجر أو ترحل إلى أوكرانيا بالرغم من العذاب بل تعتبر إخراجها من أرض فلسطين التي تعتبرها بلدها (إبعادًا، أو نفياً، وجرح كرامة) وتعتبر كأي فلسطيني مقاومٍ مرابط أن ما تقدمه ضريبة الكرامة التي لم تشعرها إلا في ظل الإسلام.

أما ياسمينا وغزالة..
الأختان اللتان تفصل بينهما سنة واحدة (عُمراً)... وكومةُ بلادٍ (جسداً)... وعدوانٌ شنيعٌ (انتقاماً)...

لا لشيء إلا أن تهمة الفلسطينية مع ثبت الأصالة والعزة تلبسهما، وبرغم تلك الفوارق؛ لا شيء يمكنه أن يفصلهما (قلباً وروحاً)، هاتان الطفلتان اللتان ينشرح القلب لمجرد النظر إليهما تتغنى إحداهما بأنها رأت الأخرى عبر الإنترنت أو في صورة ما، تتحسس كل منهما صورةَ الأخرى تتلمسُ مواطنَ الشبه، ومطارح الشوق في كل مسامٍ، لم تفكر إحداهما حين تقرر تنفيذ الصفقة – كما دائماً – ماذا سألبسُ وكيف سأستقبل شقيقتي وبم سأخبرها أولاً، شغلت فكرهما الشجرة الظليلة التي سترتميانِ تحت أغصانها تستمتعان بجناها وتشربان حنان جذورها.

تقررت ساعة اللقاء وقدمت ياسمينا مع جدتها الأوكرانية إلى بيت لحم، وانطلقنا معاً أنا وجدتهما الفلسطينية وغزالة إلى رام الله لاستقبال (ماما) ورؤيتها أخيراً، والتمرغ في بساط قلبها بعد غيابٍ طال وقسوة اشتدت، كان هنالك فرحة وقصة وقطعة من القلب بل ثلاثة أرباع هذا القلب المرهق لا تزال خلف القضبانِ، حتى ياسمينا أيضاً لم تكمل الأسبوع في حضن والدتها إلا وقد أزِفَ الرحيل، لتغادر ياسمينا أمها وشقيقتها، والوجهة أوكرانيا برفقة الجدة، ليبقى الوجع رطباً كأن لم يكتب له الجفافُ بعد!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

التوحيد أولا ….. سورة الأنعام

اسم السورة هو "الأنعام" وعلى الرغم من ورود هذه الكلمة "الأنعام" في مواضع قليلة من …