لننتخب على بصيرة .. نموذج مساعد لاختيار المرشح الأكفأ في الانتخابات

الرئيسية » بصائر الفكر » لننتخب على بصيرة .. نموذج مساعد لاختيار المرشح الأكفأ في الانتخابات
vote8

تعد القيادة من العناصر المهمّة في التنظيمات، والحركة الإسلاميّة، شأنها كغيرها في ذلك، وأضحت الانتخابات هي الطريقة المؤدية لفرز القيادات، وإنّ ممارسة الانتخاب على بصيرة يقود إلى جودة الاختيار.

والصوت الانتخابيّ شهادة وأمانة يحاسب عليها المسلم عند الله تعالى؛ إذ يقول الله عزّ وجلّ: ((ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه والله بما تعملون عليم))1، ويقول الله عزّ وجلّ: ((إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها))2.

ومما يؤسف إليه أنّ بعض أفراد الحركة الإسلاميّة لا يقدرون أهمية هذه الشهادة، ويهملون في تأدية هذا الواحب، والتفريط فيه –أحياناً- من خلال عدم بذل الوسع في منحه للأكفأ وللمستحق بين المرشحين، أو التأثّر بدعاوى المروجين لمرشح بعينه.

وسأقترح على الدعاة نموذجاً مساعداً لاختيار المرشح الأكفأ؛ لإعانتهم على حسن المفاضلة بين المرشحين، ودفعاً بالأكفياء للقيادة؛ وفي ذلك حفظ الدعوة ومستقبلها. والنموذج يعتمد معياري القوّة والأمانة؛ وهما يجمعان الخيرية والكمالات البشرية، وذلك استناداً لقول الله عزّ وجلّ: ((إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين))3، وقد قدّم الله تعالى القوّة على الأمانة، وهذا التقديم للتفضيل، وفي السيرة النبوية وفعل السلف من الشواهد الكثيرة على هذا التفضيل.

النموذج والمعايير:

سيظل النموذج الذي يجمع أعلى مستويات القوة والأمانة عزيزاً بين النّاس، وإنّ المؤشرين ومؤشراتهما يتم إسقاطها بحسب كل موقع؛ فما يطلب من مواصفات للقيادة العليا ليست كتلك للقيادة المحليّة.

ستكون العلامة الإجماليّة للنموذج 100%، وسيتكون النموذج من معيارين، ولتسهيل تقييم كل معيار، فستوضع مجموعة من المؤشرات للمعيارين، والمعياران:

1- القوّة، سيعطى هذا المعيار 60%؛ لأنّه قدّم على معيار الأمانة لأهميته.
2- الأمانة، سيعطى هذا المعيار 40%.

وسيظل النموذج الذي يجمع أعلى مستويات القوة والأمانة عزيزاً بين النّاس، وإنّ المؤشرين ومؤشراتهما يتم إسقاطها بحسب كل موقع؛ فما يطلب من مواصفات للقيادة العليا ليست كتلك للقيادة المحليّة، والبعض يقدم لموقع ويؤخر عن آخر، وذلك كما قال ابن تيمية: ((والمهم في هذا الباب، معرفةُ الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَتْ المقاصد والوسائل تَمَّ الأمر))4.

معيار القوّة ومؤشراته:

والقوة هي مستويات الكفاءة والفاعلية التي يستلزمها كل موقع، ولهذا المعيار 60% من النقاط، وتوضحه خمسة مؤشرات فرعيّة:

1- الخبرة السابقة والسيرة الذاتية الجيدة 12%: ويقصد بها مجموع ونوعيّة التعليم والتدريب والمواقع المشغولة والإنجازات التي حققها المرشح، وإمكانياته المختلفة. وأهم ما في هذا المعيار هو الانجاز؛ فالبعض تزدحم سيرته بإشغال المواقع لكن إنجازاته محدودة أو وهميّة.

2- الاستمرار في التعليم والتدريب والتطوير، بما يتضمن ذلك من معارف ومهارات 12%: فنحن نعيش في عصر العولمة وزمن غدا فيه كلّ شيء علماً؛ فالقائد ينبغي أن يكون على درجة رفيعة من المعرفة، خصوصاً ما يتصل منها بالشؤون العامّة، ويملك مهارات متنوعة، ويعتني بتطوير نفسه.

3- الإبداع والابتكار 12%: ويعكس هذا المؤشر القدرة على توليد الأفكار المتميزة وإنتاج المشاريع والمبادرات، والقدرة على تحقيقها.

4- الإمكانات القياديّة والشخصيّة الكاريزميّة 12%: ويشمل ذلك قدرة المرشح على التأثير بالأفراد، وحثهم على تحقيق الأهداف، وتحريكهم نحوها. كما يتضمن ذلك السمات الشخصية الجيّدة، والتي يعد الصدق من أبرزها.

5- توقع الإنجاز والاقتراب من الرؤية ضمن المعطيات 12%: على المنتخب أن يقيّم قدرة المرشح على قيامه بالإنجاز وتحقيق الأهداف المرجوة، وقدرته على حفظ المنجزات، ومراكمة النجاحات، وكسب المزيد من مساحات التأثير في المجتمع، وتوسيع الشراكات، ومن باب أولى حفظ الدعوة وأفرادها.

معيار الأمانة ومؤشراته:

والأمانة جماع لكل الصفات الذاتيّة الحميدة في المرشّح، والتي تجعله في أعين الناس مستقيماً، خليقاً بثقتهم، وموالياً للدعوة، ومخلصاً لها وعاملاً لرفعة شأنها، ومترفعاً عن المصالح المختلفة. ولهذا المعيار 40% من النقاط، وتوضحه أربعة مؤشرات فرعيّة:

1- السمعة الطيّبة 10%: وهي ذكره الحسن، وعلو النظر إليه بين أهله وفي مجتمعه، واشتهاره بالصلاح والاستقامة والمحافظة على الفرائض، وعدم اشتهاره بالنقائص، ورفعة نفسه، وتنزه عن رداءة الكلام والفعل، وبعض ما ورد ينسحب على أسرته أيضاً.

2- الانضباط الدعوي 10%: بحيث يكون دائم الالتزام باللوائح التنظيمية، بعيداً عن المخالفات، ومراعياً للثقافة المتفق عليها، وأن لا يكون موسمياً في التزامه؛ بحسب الأحوال والأشخاص.

3- الموضوعية وعدله بين إخوانه 10%: فيعطي الحقوق إلى أصحابها، ولا يميّز بين إخوانه إلا بالحق واستناداً للمعايير المعتبرة، ولا يتشيّع للقريبين منه اجتهاداً، ولا يتجاوز على المختلفين منه في الاجتهاد.

4- المحافظة على وحدة الصف 10%: خصوصاً في هذا الوقت الذي تكالبت على الدعوة التحديات، وكثرت فيه الانقسامات، فمن يريد أن يلي أمر النّاس عليه أن يكون بعيداً عن التأزيم، صادقاً في اتجاهاته الوحدويّة، معظّماً لهذا المقصد، عاملاً لذلك وليس مدعياً.

من يريد أن يلي أمر النّاس عليه أن يكون بعيداً عن التأزيم، صادقاً في اتجاهاته الوحدويّة، معظّماً لهذا المقصد، عاملاً لذلك وليس مدعياً.

آلية التقييم:

وهناك مجموعة من الخطوات التي لا بد الإشارة إليها في التعامل مع التقييم:

1- أقيّم المترشحين حسب المعايير التسعة السابقة (5 مؤشرات للقوة، و4 مؤشرات للأمانة)، وأنتخب من يحصل على أعلى الأصوات. ويمكنك استخدام جدول المؤشرات المرفق.

2- إن لم تقتنع ببعض المؤشرات الواردة، أو بالعلامة المخصصة لها؛ فصمم مؤشراتك الخاصة، وراعي أن تكون ممثلة لمعياري القوة والأمانة وقيّم بناء على نموذجك.

3- حين لا تستطيع تقييم مرشح في مؤشر معين، لعدم معرفتك به، فاسأل ثلاثة إخوة عن تقييمهم لهذا المؤشر فقط، وليكن أحدهم قريب منه، وآخر مختلف معه، وثالث محايد، واعتمد متوسط تقييمهم.

ملاحظات:

قد يراودك خاطر أنّ في ما تقدم قدر من التعقيد، وأن الأمر أيسر من ذلك، ولا يحتاج إلى معايير ومؤشرات. والحقّ أنّ بصوتك يتحدد مستقبل دعوتك، فلا تبخل عليها بالإحسان والإتقان الذي كتبه الله على كلّ شيء.

1- لا تبنِ قناعاتك بناء على الإشاعات، فأنت المسؤول شرعاً عن اختيارك؛ يقول الله تعالى: ((إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً))5.

2- لا بأس أن تستمع لآراء الآخرين وتقييمهم وانطباعاتهم، لكن ليكن قرارك مبنيّا على منهجية علميّة.

3- انتبه لدعاوى غير الموضوعيين، أو أصحاب المواقف المسبقة من المرشح.

4- أحياناً يتم التركيز على جانب سلبيّ واحد، وهذا يشكل هالة على التقييم، فلا تنقد لسلبية بارزة أو إيجابيّة بارزة، وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه.

5- لا تسلم قرارك وصوتك لمن يزورك ويحدثك أو من هو قريب منك.

6- الإشاعات والادعاءات كثيرة؛ فكن منها على حذر، ولا تقبل إلا اليقين الذي يبنى على الخبر الصحيح، أو المشاهدة والمعرفة.

قد يراودك خاطر أنّ في ما تقدم قدر من التعقيد، وأن الأمر أيسر من ذلك، ولا يحتاج إلى معايير ومؤشرات. والحقّ أنّ بصوتك يتحدد مستقبل دعوتك، فلا تبخل عليها بالإحسان والإتقان الذي كتبه الله على كلّ شيء.

 

----------------

الهوامش:
1 سورة البقرة، آية رقم 283.
2 سورة النساء، آية رقم 58.
3 سورة القصص، آية رقم 26.
4 ابن تيمية، السياسة الشرعية.
5 سورة الإسراء، آية رقم 36.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
يعمل في مجال الاستشارات الإداريّة، وحاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية ودبلوم عالي في MIS، وشهادتي ماجستير في MIS والعلوم السياسية ودكتوراه إدارة الأعمال. لديه العديد من المؤلفات من أهمها: نحو فهم لظاهرة التعلق بين المربي والمتربي، رسالة في الطريق إلى دعوتنا، الموجز الميسر في ثقافة دعاة العصر، مصادر القوة والتميّز عند الداعية، الابتسامة وأثرها في عمل الداعية. له الكثير من الأبحاث والمقالات السياسية والفكرية والتربوية والدعوية.

شاهد أيضاً

التخطيط العلمي ضرورة شرعية وقيمة حضارية

العشوائية والتخبط، ذلك هو عنوان الأداء العربي والإسلامي على مستوى الأنظمة في هذه الحقبة التاريخية …