متى نتخلص من البيروقراطية في مؤسساتنا الدعوية؟!

الرئيسية » بصائر الفكر » متى نتخلص من البيروقراطية في مؤسساتنا الدعوية؟!

تعتبر المؤسسات الدعوية بكافة أشكالها، الانعكاس الواقعي للدعوة، وإحدى المعايير الهامة التي تظهر مدى قدرة الحركة الإسلامية على معالجة القضايا المتعددة، وإدارة الشؤون المختلفة أمام الناس.

وبالرغم من بعض العراقيل التي قد تواجه المؤسسات الدعوية أثناء عملها، إلا أن الكثير من الأفراد، يجمعون على أن هناك مشكلة حقيقية في بعض هذه المؤسسات، تتمثل في البنية الإدارية، وطرق التعامل مع القضايا والمستجدات، ومدى توفر المرونة والقدرة على استيعاب الجديد من الأمور، والمتغيرات المتعددة.

فكثير من مؤسساتنا الدعوية باتت تعاني من الروتين القاتل، والبطء في اتخاذ القرار، والصعوبة في التعامل مع التطورات الجديدة، بحجة دراسة الأمر دراسة متأنية، وكأنهم يريدون القيام بثورة على نظام، أو دخول حرب ضد دولة أخرى! الأمر الذي يحرم الدعوة الكثير من الفوائد والمصالح. فعلى سبيل المثال، حينما أنشئ الفيس بوك، وأخذ بالانتشار بشكل ملحوظ، كانت بعض المؤسسات الدعوية تناقش مدى جدوى عمل حساب لها على الفيس بوك، في حين كان البعض يقوم بتغيير ثقافة مجتمع، ويحشد الطاقات من خلالها لتغيير الخارطة السياسية في الوطن العربي!

البيروقراطية مصطلح سياسي ينادي بالتقيد الحرفي ضمن لوائح مكتوبة، حيث يتم ضبط إيقاع العمل، من خلال التمسك "الشكلي" بظواهر التشريعات

ما هي البيروقراطية؟

البيروقراطية مصطلح سياسي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، وهو ينادي بالتقيد الحرفي ضمن لوائح مكتوبة، حيث يتم ضبط إيقاع العمل، من خلال التمسك "الشكلي" بظواهر التشريعات، الأمر الذي يجعل اتخاذ القرار أشبه بالتعذيب؛ لما يحوي من تعقيدات وإجراءات "شكلية" مطولة!

ويرى علماء السياسية أن البيروقراطية تعيق التطور للعاملين، الذين يصابوا بالروتين والإحباط، بالإضافة إلى المركزية الشديدة، وحصر الصلاحيات بأفراد معينين، قد لا يقدرون قيمة العمل، أو لا يفهمون ما يعتريه من مشاكل وتطورات ملحة وضرورية.

ويطلق النظام البيروقراطي أيضاً على الأنظمة التي توجه من قبل طبقة كبار الموظفين الحريصين على استمرار هذا النظام وبقائه على حاله، بحيث يصبحوا جزءاً لا يتجزأ منه.

ولهذا لا تجد أية غرابة حينما تكتشف أن بعض المسؤولين عن هذه المؤسسات الموجودين منذ "عقود" ما زالوا يديرونها ويعالجون قضاياها بنفس الأسلوب الذي اعتادوا عليه منذ عقود، دون الأخذ بعين الاعتبار، اختلاف الأزمنة، والتحديات والظروف. فالزمن قد تغير، واليوم إن لم نتخذ القرار الصحيح بشكل أسرع، فإننا ربما نخسر الكثير الكثير، بل ربما قد يضيع خير كبير كان بإمكاننا تحقيقه. 

وفي هذا الصدد يحق لنا أن نتساءل:

لماذا يلجأ البعض إلى الأعمال الفردية، أو التنسيق مع مؤسسات مختلفة غير تلك التابعة للدعوة، علماً أن الرسالة والمحتوى تخدم أهداف هذه المؤسسات وتتوافق معها بشكل كلي؟
ألم يكن حرياً بهذه المؤسسات أن تستوعب مثل هؤلاء الأفراد، وتوصل من خلالهم رسائل خير كثيرة للمجتمع؟

ألم يصب الكثير من شبابنا بالإحباط؛ نظراً لطول جلسات اتخاذ القرار، وضياع الفرص المواتية لإطلاق المشاريع وتنفيذها

ألم يصب الكثير من شبابنا بالإحباط؛ نظراً لطول جلسات اتخاذ القرار، وضياع الفرص المواتية لإطلاق المشاريع وتنفيذها. أو بسبب الرد بالرفض أو التعديل الذي وإن تم فإنه يسلب هذا الاقتراح جوهره وحقيقته، ويبقي على شكله وهيكله الخارجي؟

كم من اقتراح ومشروع ظل حبيس الأدراج المغلقة، ولم ير النور، أو أصيب صاحبه بحالة من اليأس، عندما اكتشف أن اللجنة المعنية قد رفضت هذا الأمر دون إبداء الأسباب، ودون السماع من صاحبه عما يشمله هذا الاقتراح ويحويه ويهدف إليه؟

استبداد قانوني

قد تصبح البيروقراطية في بعض مؤسساتنا أشبه بالاستبداد الذي يعتمد على نصوص قانونية ولوائح داخلية غير قابلة للتعديل ، وإجراءات إدارية مملة تم اعتمادها قبل عقود عديدة. ومن خلال هذا الأمر، تحارب كل محاولات التغيير حفاظاً على المؤسسة من "الانحراف" وفقدان البوصلة، الأمر الذي يجعل الداعية مسلوب الإرادة، يخاف من طرح أفكاره، إما لأنه يعلم أنها لن تنفذ، أو خوفاً من اتهامه بالخروج على المنهج والصف، واعتباره بأنه يعاني من مشكلات تربوية أو فكرية. وبالتالي ما على الفرد إلا أن يستمر على موافقة المسؤول؛ حتى يتسنى له تولي مسؤولية هذا العمل أو ذاك، بسبب نيله الثقة والمدح والرضى.

إن من العيوب الواضحة في البيروقراطية المستخدمة في بعض مؤسساتنا، أنها تقوم على تصنيف الناس، وفقاً لألقابهم وسنوات خدمتهم ، دون النظر إلى أن الجميع يشتركون في فريق واحد. فمثلاً نجد أحدهم صاحب علم وفضل، إلا أن ثقة مؤسسته المفرطة به، نصبته مسؤولاً عن أشياء أكثر من عدد أصابع يديه، كل منها في مجال مختلف وتخصص مغاير!

أسبقية الانتماء والعمل في المؤسسة، أو علو المرتبة العلمية، أو حجم التضحيات التي قدمها صاحبها، لا تعتبر بأي حال مؤهلاً لتولي جميع المسؤوليات

إن أسبقية الانتماء والعمل في المؤسسة، أو علو المرتبة العلمية، أو حجم التضحيات والإنجازات التي قدمها صاحبها في حياته، لا تعتبر بأي حال مؤهلاً لتولي جميع المسؤوليات والمهام، فلكل مسؤولية وصف يناسبها، حتى تؤتي ثمارها، وتحقق نتائجها، وفي حال غياب هذا الأمر، فإن النتائج لن تتعدى أموراً شكلية، وإنجازات وهمية لا تحقق الهدف من المؤسسة، أو الحركة الإسلامية من باب أولى.

خطوات نحو التطور

حتى لا يكون طرحنا مثالياً بعيداً عن الواقع، لا بد أن نسلط الضوء على أصل المشكلة، والتي تتمثل بالأمور التالية:

1- اللوائح الداخلية للمؤسسة البعيدة عن روح العصر ومتغيراته.
2- الإجراءات الإدارية الطويلة لاتخاذ القرار، ووجود مركزية واضحة في اعتماده.
3- أسس اختيار المسؤولين في هذه المؤسسات، وطبيعة المؤهلات التي تناسبهم.

وبناء على ما تقدم، يمكننا أن نطرح بعض الخطوات التي تساعد على تجاوز هذه الأمور وإيجاد الحلول المناسبة الكفيلة بتطوير مؤسساتنا وتحقيقها لغاياتها. وهي:

1- اللوائح ضرورية، لكن لابد من مراجعتها بين الفينة والأخرى. فاللوائح الخاصة بالمؤسسات توضع بما يتناسب مع الظروف الراهنة ومستوى التحديات والتنافسية التي تواجهها، إلا أنها ليست نصوصاً شرعية ثابتة، بل هي تعتمد على المصلحة وتحقيق أفضل السبل لبرمجة الرؤى والأهداف. ويدخل في هذا الأمر الإجراءات الإدارية والتشكيلات الداخلية للمؤسسة، فلا يصح أن تظل كما هي في الخمسينات أو الستينات على سبيل المثال، وإنما مواءمة روح العصر واستيعاب المتغيرات أمر يخدم الفكرة، ويحقق المزيد من الخير للناس، والمصالح للدعوة. وفي تاريخنا، فإننا نجد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما تولى الخلافة، واتسعت الدولة، واختلفت الظروف والتحديات، قام باستحداث الدواوين التي تقوم بدور قريب من الوزارات في وقتنا الحالي، علماً أنها لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى العديد من الأمور التي تكشف عن أهمية مواكبة العصر واستيعاب الجديد.

لابد أن يعامل كل اقتراح أو ملاحظة من أي فرد على درجة عالية من الأهمية، فالاهتمام بما يريده الأفراد، هو اهتمام بهذه المؤسسة وحرص على إنجاحها

2- المسؤولية أمانة، والكل لابد أن يشترك في تحمّلها، ليس شكلاً بل حقيقة، وأعضاء المؤسسة جميعهم هم من ينجحون هذه المؤسسة أو يفشلونها. فالنجاح لا ينسب لواحد، وإنما لابد من الإيمان بروح الفريق والجماعة. ولهذا يجب أن يعامل كل اقتراح أو ملاحظة من أي فرد على درجة عالية من الأهمية، فالاهتمام بما يريده الأفراد، هو اهتمام بهذه المؤسسة وحرص على إنجاحها. ويدخل في هذا توزيع المسؤوليات وتطبيق اللامركزية، بحيث نبتعد عن الروتين الذي يقتل العمل ويبطئ سيره.

3- تغيير قناعاتنا في التعامل مع الجديد وقبول التغيير، فنحن نحتاج إلى الإيمان بأن غيرنا ممن هو أصغر منا سناً، أو أقل منا علماً ومعرفة، قد يحمل أفكاراً أفضل مما لدينا وما نمارسه في عملنا.  وفي هذا الصدد، نحن لا نحتاج إلى دورات إدارية شكلية، إذا لم نغير قناعاتنا، أو نطور منهجية تفكيرنا، فيما يتعلق بهذا الأمر.

4- التقييم المستمر للعمل، والذي يعتمد على الجوهر وليس على الشكليات، فمثلاً لا يهمني كم لقاء تم عقده لهذه المؤسسة خلال العام، وإنما ما هي الإنجازات على الأرض التي حققتها هذه المؤسسة. ويدخل في هذا الأمر حسن التخطيط لعمل المؤسسة، فلا يصح أن يكون التخطيط هو نسخة عما كان عليه في الأعوام السابقة، فلكل فترة ظروفها ومتغيراتها التي يجب أن تتخذ في الحسبان.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

نظرية “العجز المُتعلَّم” ودورها في ترويض الشعوب (2-2)

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن أهمية احتفاظ الشعوب بروح التفاؤل لأهميتها في …