ومن الحب ما ذبح!

الرئيسية » بأقلامكم » ومن الحب ما ذبح!
Untitled-111

تتحدّث قصص التراث عن ذلك المزارع الفقير الذي اكتشف ذات يوم بيضة ذهبية لامعة تحت إوزته المدللة، أعتقد أنها خدعة ما، وهمّ بقذفها جانباً، لكنه غيّر رأيه وأخذها كي يتأكد من حقيقتها.

يا للمفاجأة! البيضة من الذهب الخالص! لم يصدق المزارع حظه السعيد الذي ازداد أكثر حين بدأت العملية تتكرر يوماً بعد يوم. بيضة ذهبية كل يوم جعلت المزارع الفقير من كبار الأغنياء، ومع تزايد ثروته ازداد طمعه وقل صبره. ولمّا لم يعد يطيق الانتظار اليومي للحصول على البيض الذهبي، قرر أن يذبح الإوزة ليحصل على البيض الذهبي كله دفعة واحدة، لكنه حين ذبح الإوزة وجدها فارغة، لقد خسر الذهب وخسر إوزته المدللة في آن واحد.
كثيراً ما يستشهد د. ستيفن كوفي صاحب الكتاب الشهير "العادات السبع للناس الأكثر فاعلية" بهذه القصة الطريفة ليعرّف الفاعلية بأنها توازن بين النتائج التي نريدها (البيض الذهبي) وأداة الإنتاج (الإوزة) ويسميه توازن الإنتاج والقدرة على الإنتاج (P/PC Balance) عندما نركز على البيض الذهبي ونهمل الإوزة تموت الإوزة وتفقد معها البيض الذهبي، عندما نركز على الإوزة ونهمل الذهب فلن يكون لدينا ما نأكله أو نطعمه للإوزة.

ويمكننا أن نستعير هذا المفهوم العميق لنشرح من خلاله قانوناً أساسياً من قوانين التربية سندعوه قانون العناية بالإوزة.
أغلب المربين يتجه تركيزهم نحو المخرجات التربوية يهتمون بالنتائج ،يريدون من الأبناء نجاحاً متميزاً، ودرجات دراسية مرتفعة وحسن خلق وانضباطاً، والتزاماً وتعاوناً، وطاعة واهتماماً بمستقبلهم، وغير ذلك كثير من القائمة التي تكاد لا تنتهي، وأثناء سعيهم المحموم لتحقيق هذه النتائج كثيراً ما يفقدون الصبر ويغرهم الطمع فيهملون العناية بالإوزة بل إنهم كثيراً ما يذبحون الإوزة بحجة مصلحة الأبناء وحب الأبناء، "ومن الحب ما ذبح".

ما الإوزة؟ وكيف تكون العناية بها؟

الإوزة هنا: الأبناء وتوازنهم النفسي من جهة والعلاقة الطيبة بينهم وبين آبائهم من جهة أخرى.

عندما لا يُعطي الأبناء (الإوزة) النتائج التي نريدها (البيض الذهبي) فهذا يعني أن العلاقة بينهم وبين آبائهم يسودها جو كبير من التوتر والعنف والغضب والمشاعر السلبية، والصوت المرتفع، والإكراه والإجبار وأنواع مختلفة من العقوبات المادية والمعنوية.
أي إن الإوزة تكون قد ذبحت أو أنها على وشك الاختناق.

كثيرة هي الاستشارات التي تأتيني يبدأ فيها الأب والأم بذكر مثالب أبنائهم من تمرد ومشاكسة وكسل وسوء خلق وعناد، وحين أسلط الضوء على العلاقة بينهم وبين أبنائهم تظهر المشكلة الحقيقية: لقد ذبح الأهل الإوزة.

كثيراً ما أسأل الأهل سؤالاً مربكاً فأطلب منهم أن يعطوني بالأرقام النسبة المئوية لحسن العلاقة بينهم وبين أبنائهم مفترضاً أن الدرجة المثلى هي 100% ودائماًً تكون الإجابات أقل من 30% وأحياناً تكون الإجابة 0% وعندها يكون حالنا كما قال الشاعر:

لقد أسمعت لو ناديت حياً ...  ولكن لا حياة لمن تنادي

لا شك أنَّ الأهل حريصون على أبنائهم ولا شكَّ أنَّ الأهل (غالباً) يملكون من الخبرات القيمة التي يحتاجها الأبناء ولا شكَّ أنّه في كثير من الأحيان يكون لدى الأهل معلومات هامَّة ينبغي أن يوصلوها إلى الأبناء، ولكن ماذا لو أنني أمسكت بشجاعة الهاتف وبدأت أتكلم ولكن الحرارة مقطوعة، لا خط يصلني بالطرف الآخر؟!
لن يجدي رفع الصوت في إيصال الرسالة، رفع الصوت يوصل فقط إلى البحة وتلف الأعصاب والأرق الليلي والضوضاء التي قد تغضب الجيران!

عندما تكون العلاقة طيبة بين الأهل وأبنائهم وعندما يكون الأهل قدوة حسنة لأبنائهم فإن الأبناء يعطون أفضل النتائج

إنَّ صاحبنا المزارع صاحب الإوزة لو كان حكيماً لركز على العناية بالإوزة التي كانت تقوم بما عليها بشكل رائع، وهذا هو حال أبنائنا، إنهم يقومون بأعمالهم بشكل رائع عندما نعتني بالعلاقة الطيبة بيننا وبينهم وفي كل مرة تنخفض العلاقة فعلينا أن نراجع أنفسنا لأننا بدأنا دون أن نشعر بخنق الإوزة.

الحلقة المفرغة:

عندما تكون العلاقة طيبة بين الأهل وأبنائهم وعندما يكون الأهل قدوة حسنة لأبنائهم فإن الأبناء يعطون أفضل النتائج ويُخرجُ الأهل بالقدوة الحسنة والعلاقة الطيبة أفضل ما لدى أبنائهم.

وحين تضعف النتائج، فإنَّ الأهل دون انتباه يضاعفون تركيزهم على النتائج بدلاً من أن يرجعوا إلى أنفسهم ويصلحوا من أفعالهم، فتزداد النتائج ضعفاً، فيزداد تركيز الأهل على النتائج أكثر، فتزداد النتائج ضعفاً وهكذا يدخل الأهل في حلقة معينة تكون بدايتها إخلال بالتوازن بين العناية بالإوزة والرغبة في البيض الذهبي وتكون نهايتها ذبح الإوزة وانقطاع الذهب وانقطاع التواصل بين الأهل وأبنائهم وجو مفعم بالمشاعر السلبية واللوم المتبادل، وإذا كان حظ الأسرة حسناً يصل الأهل إلى غرفة الاستشارات الأسرية والتربوية، حيث يفهمون تلك الحلقة المعيبة التي تاهوا فيها، ويبدؤون بالإصلاح من جديد بالتركيز على العناية بالإوزة وتحسين العلاقة مع الأبناء والتركيز على سلوكياتهم هم بدلاً من سلوك الأبناء وغض الطرف مؤقتاً عن النتائج التي يريدونها ريثما تتعافى الإوزة ومع أن الأمر جد بسيط من حيث فهمه نظرياً إلا أنه جد معقد وصعب عند التطبيق العملي لأن عوائق كثيرة ستمنع من الخروج من الحلقة المعيبة منها:

- إنكار الأهل للخطأ الذي بدأ عندهم.

- رفضهم التغيير لعاداتهم ولطباعهم وإن اعترفوا بأخطائهم.

- عدم استعداد الأهل أن يدفعوا الثمن وهو المواظبة على التغيير لفترة طويلة من الزمن، لأن الحل لا يكون من خلال ضغطة زر، كجملة مصارحة أو اعتذار من الأبناء، لا يوجد حلول سحرية، ولابد من صبر ومصابرة ودأب ومثابرة وأعتقد أن الأهل في هذه المرحلة بحاجة إلى استشاريين أو مدربين أو داعمين ناصحين لهم، لأن أسهل شيء في هذه المرحلة الانزلاق إلى الحلقة المعيبة مرة أخرى، والمشكلة أن الانزلاق يرفع الثمن المطلوب للإصلاح بشكل مذهل.

- قلة صبر على بعض النتائج الفورية التي يعدونها سلبية، وهي مزيد من العناد ومزيد من التفلت ومزيد من التراجع عند الأبناء، الذين كانوا مكبلين بقيود الأهل فحين يخفف الأهل القيود يتسارع اندفاع الأبناء نحو الأمور السلبية التي يكرهها الأهل، وكم سمعنا من بعض الأهل أنهم يفضلون العودة إلى الحلقة المعيبة بإرادتهم لا أن يصبروا على مرارة الدواء، وبعضهم يقول: "بلا تربية حديثة بلا بطيخ" ويعودون إلى شحذ السكين ويتابعون طريقتهم الخاصة في معالجة الإوزة بذبحها.

- العادات والتقاليد والثقافة التربوية الشائعة والمسيطرة التي تعزز الدخول إلى الحلقة المعيبة وتعزز التعسف في استخدام السلطة الوالدية وتعزز التربية القائمة على العنف والإكراه والعقوبات وتضخم مفاهيم السمع والطاعة والاحترام للأبوين، وتبالغ أي مبالغة في استخدام سلاح الرضا والغضب على الأبناء، مما يزيد من تمرد الذين لا يبالون برضا والديهم أو غضبهم، أو يعرض الذين يخافون من غضب الوالدين لمشاكل نفسية وصراعات عميقة.

- من أهم المبادئ التي تؤدي إلى البقاء في الحلقة المفرغة مبدأ التناقض العجيب، حيث تؤدي أحياناً أساليب الضغط والشدة المتبعة من الأهل الذين يدورون في الحلقة المفرغة تؤدي إلى الحصول على بعض النتائج مما يغريهم بالبقاء في هذه الحلقة أما من يحاول الخروج منها فلا يحصل على نتائج في المرحلة الأولى بل يحصد العكس تماماً وهو مزيد من البعد عن النتائج وهذا كما أسلفنا نتيجة طبيعية ريثما تتعافى الإوزة وتعطينا البيض الذهبي من جديد.

وهذا يذكرنا بطريقتنا القديمة في إصلاح الأمور، فإذا اختفت الصورة أو الصوت من جهاز التلفاز كان الحل ضربة على جداره فتعود الصورة أو الصوت وما هذه النتيجة المؤقتة إلا مجموعة مسامير ندقها في نعش هذا الجهاز ففي كل ضربة ضربناها كنا نخرب في الجهاز أكثر بكثير مما كنا نصلح ولو حصلنا على نتيجة، فالحصول على نتيجة أمر مهم لكن الأهم الاستمرار في إعطاء النتائج مدى العمر.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

ذكرى استشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار

ما من دولة إلا وبها رموز تعيش شامخة أبية لا تفرط في كرامة، ولا تتنازل …