أرجوكم .. كفى إحراجاً !

الرئيسية » خواطر تربوية » أرجوكم .. كفى إحراجاً !
version4_iyityrys

لم يكن يعلم المؤمنون الذين كانوا مدعوين إلى بيت النبيّ عليه الصّلاة والسّلام، أو ينتظرون طعاماً سيقدّم إليهم، أو يجلسون بعد انتهاء الطعام، أنَّ تصرّفاتهم الشخصية ونظراتهم في زوايا بيته وتسمّعهم لحديثٍ في بيت الرّسول، قد ينزل فيها قرآناً يُتلى وآياتٍ تشرح مدى الأذى الذي وقع في نفس النبيّ عليه الصّلاة والسلام نتيجة تلك التصرّفات، وكان الرّسول صلّى الله عليه وسلّم يتحرّج ويستحي من إعلامهم بأنَّ تلك التصرّفات كانت تؤذيه، قال الله تعالى: {إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ}. (الأحزاب:53).

لقد قرّر الله سبحانه في هذه الآيات من سورة الأحزاب خلقاً إسلامياً وأدباً رفيعاً يمنع الناس من أن يوقعوا غيرهم في الأذى والإحراج، وهم ملتزمون الصمت يمنعهم الأدب والحياء من أن يصارحوا غيرهم بحقيقة الأمر، قال الإمام ابن عاشور في تفسيره: "سكوت النبيّ صلى الله عليه وسلّم على الفعل الواقع بحضرته إذا كان تعدياً على حقّ لذاته لا يدل سكوته فيه على جواز الفعل لأنَّ له أن يسامح في حقه". قال حمَّاد بن زيد: "هذه الآية أدبٌ أدَّبَ اللَّهُ به الثقلاء"، وقال ابنُ أبي عائشة: "حسبك من الثقلاء أنَّ الشرع لم يحتملهم".

{إنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ}.. { وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا}.. آيتان فيهما حسمٌ ربَّاني في عدم إيقاع الإحراج ووقوعه عند الالتزام بالأدب والسَّمت الإسلامي الذي يدعو إلى مراعاة ظروف النَّاس وأحوالهم، كيف لا، وقد جاءت الشريعة الإسلامية برفع الحرج عن المكلفين والتيسير عليهم.

كم من الثقلاء الذين يحرجون الناس في بيوتهم من خلال الزيارات من غير إذن أو موعد، وإطالة الجلوس والمكث في بيوت الآخرين، ويحرجون الناس في أماكن أعمالهم من خلال الاتصالات والمحادثات المتكرّرة والزيارات غير المبرّرة، ويحرجون الناس في علاقاتهم العامّة من خلال التدخّل فيها وبناء علاقات مع المعارف وإقحام النفس في مسائلها، ويحرجون الناس في أوقاتهم من خلال كثرة الزيارة وإطالة الحديث والسمر الزّائد، ويحرجون الناس في أموالهم ومتاعهم من خلال الأخذ حياءً وعدم الإرجاع وقت الطلب واللزوم، ويحرجون الناس ويحرجون..!

كم من الثقلاء الذين يحرجون الناس في بيوتهم من خلال الزيارات من غير إذن أو موعد، وإطالة الجلوس والمكث في بيوت الآخرين

إنَّ للإحراج صوراً كثيرة اليوم يقع فيها كثيرٌ من الناس بقصد أو بدون قصد، حتى تعدّدت صور الإحراج وانتقلت من الواقع الحقيقي إلى مساحات العالم الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتساهل الناس في حجم الإحراج الذي قد يسبّبه نشر صورة لشخص لا يرغب في نشرها لما فيها من الخصوصية، أو تعليقٍ أو مشاركة، أو غيرها من صور النشر في مواقع التواصل الاجتماعي..

من صور الإحراج..

نعرض فيما يلي بعض صور الإحراج، ولعل المقام هنا لا يتسع لحصرها، لأنّها تتعدّد حسب الأشخاص والبيئات والأزمان..

• الدخول إلى بيوت الناس في وقت لا يرغبون فيه بدخول أحد عليهم.

• تأخّر المكث والبقاء في البيت وفتح مواضيع لا حصر لها، خصوصاً بعد أداء واجب الزّيارة، وقد وصف ابن الجوزي في كتاب (صيد الخاطر) بعض هؤلاء فقال: "أعوذ بالله من صحبة البطّالين، لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة ويسمّون ذلك التردّد خدمة ويطلبون الجلوس ويجرّون فيه أحاديث الناس وما لا يعني وما يتخلله غيبة".

في مواقع التواصل الاجتماعي حيث يتساهل الناس في حجم الإحراج الذي قد يسبّبه نشر صورة لشخص لا يرغب في نشرها لما فيها من الخصوصية، أو تعليقٍ أو مشاركة

• كثرة استعارة الكتب وعدم إرجاعها وتدوين ملاحظات على أوراقها دون إذن صاحبها..

• الاستعارة وإن كانت مطلوبة تلبيتها، إلاَّ أنها توقع المستعير وصاحب العارية في حرج، خصوصاً إن طالت مدّة الاستعارة، أو حصل عطب أو تلف في الشيء المستعار..

• أخذ بعض أموال النّاس على سبيل الإحراج وبسيف الحياء، ففي شعب الإيمان للبيهقي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْه)). قال شرّاح الحديث: "ولهذا لو أنك أخذت ماله على سبيل الإحراج له، فلا يجوز لك، وإن كان في الظاهر أنه راضٍ، مثل أن تحرجه أمام الناس بأن يعطيك شيئاً من المال، أو شيئاً من المتاع، ويرضى نتيجة الحرج أو الخجل، فهذا لا يحلّ لك في الباطن فيما بينك وبين الله، ويجب عليك أن ترده، ولا يكون تسليمه هذا المال نتيجة خجله أو حيائه منك مجيزاً لك بذلك". وقِسْ على هذا ما يقابل المال من متاع أو أغراض شخصية أو غيرها..

• الإحراج في الاتصالات الهاتفية المتكرّرة لا لهدف أو مناسبة سوى للكلام الذي لا ينبني عليه عمل، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع الأوقات غير المناسبة ممّا يزيد في الإحراج..

عباس السيسي: "الذوق هو الأخلاق حين نرتدي أجمل ثيابها، وهو عطر الأخلاق ونفحاتها، والذوق هو قمّة الأخلاق حين تتألّق في إنسان وتتجلّى في أحاديثه وتعاملاته"

يصف الإمام ابن الجوزي حاله مع هؤلاء الثقلاء الذين يحرجون الناس في أموالهم ومتاعهم وأوقاتهم: (إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، وإن تقبلته منهم ضاع الزّمان..).. ولم يبق إلاّ أن نصارحهم بحقيقة الأمر وبقلبٍ محبّ: (أرجوكم .. كفى إحراجاً!).

وبعد..

فإنَّ الالتزام بالأدب والذوق الإسلامي في التعامل مع الناس كفيل بعدم الوقوع في الحرج أو إيقاع الإحراج بالغير، فالذوق كما يصفه الحاج عباس السيسي رحمه الله في كتابه (الذوق سلوك الروح): (الذوق هو الأخلاق حين نرتدي أجمل ثيابها، وهو عطر الأخلاق ونفحاتها، والذوق هو قمّة الأخلاق حين تتألّق في إنسان وتتجلّى في أحاديثه وتعاملاته التي تنطوي على أجمل المشاعر وأنبل العواطف، فالذوق حركة من لطائف الروح وصفاء القلب، والذوق هو سلوك الرّوح المهذبة ذات الأخلاق المرضية).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

بُشرى المُسافرين وسلوى المُغتربين

إن مفارقة الأهل والأحباب من أصعب الأمور على النفس؛ ذلك للارتباط الفطري للإنسان بمسقط رأسه …