الإنسانية.. هل نحن أهل لها؟!

الرئيسية » خواطر تربوية » الإنسانية.. هل نحن أهل لها؟!
peace-and-humanity12

ذات يوم مررت بطفلتين لا تتجاوزان الخامسة، تشابكان أيديهما وتلهوان في عمق معاني الطفولة؛ كانتا تتجولان في شارع فرعي وتتبادلان الضحكات وأنا أرقبهما عن بعد وكأنهما أعادتاني إلى ذاك السن النقي الذي لا يحمل وجعاً ولا ألماً ولا حشرجات حياةٍ يكدّرها التعب.

خلال ذلك مرّ طفلٌ صغيرٌ ربما كان في الثالثة من عمره برفقة والدته؛ سارت هي ولم تدرك أن صغيرها سقط أرضاً خلفها وجهش بالبكاء؛ لأنها كانت منشغلة تُسكت بكاء طفلها الآخر، فما كان من إحدى الطفلتين إلا أن هبّت نحوه ورفعته وكأنه شيء يخصّها وربّتت على كتفه ومسحت دمعتيه وأوصلته إلى أمه، الطفلة الأخرى بقيت مكانها ولم تفعل شيئاً بل كانت فيما يبدو متعجلة للذهاب.

ربما كان موقفاً عادياً لا يحمل معانٍ واضحة؛ ولكنني تأملته كثيراً، أدهشتني الطفلة بحجم "الإنسانية" التي تحملها وهي في عمرٍ ليس من المطلوب منها -حسب ما اعتدنا- أن تقدم وتبذل وتساهم وتساند، ابتسمتُ للطفلة وكأنني بذلك أشكرها ولكنها لم تفهم لماذا هناك شخص غريب يتبسّم لها، غادرت المكان برفقة صديقتها وأكملتا اللهو وتبادل الضحكات.

في الموقف هذا حاولت أن أغوص في مفاهيم الإنسانية التي نحملها صفةً نحن البشر ونستمد اسمها من طبيعتنا التي لا يمكن أن نغيّر فيها قواعد متينة حتى لو حاولنا مراراً؛ لأنها ارتبطت بأصلنا وأصل وجودنا، وربما توصلت إلى أن الطفلة الأخرى ليست بالضرورة غير إنسانية ولكنها لا تحمل قدراً كافياً منها كما صديقتها التي بادرت وساندت ولم تحتمل رؤية مشهد "مؤلم" حسب نواميس عالمها الصغير.

قد تنعدم صفة الإنسانية نتيجة لمحاولة تفسير هذا المفهوم كلٌ حسب مصالحه الشخصية وكلٌ حسب ما يملك من قدرات على تطبيقها داخله

الإنسانية صفة متجذرة لدينا لا يمكن أن تنسلخ عنا أو نحاول أن نسلخها بطرق شتى، ولكن ما نعيشه من واقع مؤلم تنعدم فيه هذه الصفة أحيانا هو نتيجة لمحاولة تفسير هذا المفهوم كلٌ حسب مصالحه الشخصية وكلٌ حسب ما يملك من قدرات على تطبيقها داخله.

وفي معرض الحديث عن هذا الأمر وجدت أن كل إنسان يملك قدراً مختلفاً من الإنسانية والتي تفسّرها طبيعة تصرفاته تجاه أمور مختلفة تظهر فيها اختبارات كما تلك الخاصة بالذكاء؛ فكما أن هناك مستوى معيناً لذكاء كل شخص، هناك مستوى معيناً لإنسانيته، بينما هناك اختلاف في أن مستوى الإنسانية يستطيع المرء أن يغيّره برفعه أو خفضه  بينما لا يستطيع رفع أو خفض مستوى ذكائه.

الإنسانية لا تعني الشفقة كما يغلب على تفكير الكثيرين؛ بل هي وسيلة للتواصل مع الآخرين بروحك ومرآة تعكس طبيعتك الواضحة غير المشوّهة بعثرات الأيام

حين نمر بمواقف معينة تستوجب فينا إظهار وتطبيق ما نحمله من قدر –أي قدر- لإنسانيتنا فإنها تكون حافزا لنا كي نضاعف هذا القدر فينا وأن نوصله إلى أكمل مستوى لأننا بذلك نكون عدنا إلى أصل حكايتنا وطبيعتنا، وقد يقول قائل ما فائدة الإنسانية إنها وجع للقلب وتعذيب للنفس!.. أقول إن الإنسانية لا تعني الشفقة أو الحزن كما يغلب على تفكير الكثيرين؛ بل هي وسيلة للتواصل مع الآخرين بروحك ومرآة تعكس لهم طبيعتك الواضحة غير المشوّهة بعثرات الأيام ولا تقلبات الظروف، هي أن تعطي ولا تنتظر أن تأخذ؛ أن تبذل ولا تتوقف عن ذلك حتى لو لم يبادلك أحد هذا البذل، بعدها سترى يقيناً نتائج إنسانيتك وستعلم حتماً أنك لم تعشها فقط بل زرعتها في كل درب مررت به حتى أثمرت إنسانية في غاية الاكتمال.

أما ديننا الحنيف فكانت الإنسانية أبرز معالمه منذ أن أُرسل أول الأنبياء.. فكانت رسالاتهم السماوية ابتداء بسيدنا آدم عليه السلام وانتهاء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تتمحور حول تطبيق هذه الإنسانية في الأرض، وليس أوضح على ذلك من مثال تحريم وأد الإناث تلك العادة الوحشية التي أنتجتها الجاهلية، أو تحريم قتل الأنفس وتفضيل هدم الكعبة حجرا حجرا على ألا يهدر دم مسلم، أو حث كفالة الأيتام والبشرى بأن كفيلهم سيجاور المصطفى في الجنان.. أمثلة كثيرة لا حصر لها؛ لأن ديننا الرحيم يدور في فلك الإنسانية بأعلى قدر ممكن لها.  

العالم بلا إنسانية كالزرع بلا ماء سيتحول إلى أرض عطشى ترهقها وحشية مصطنعة ترعاها المصالح الدخيلة

هل نحن أهل للإنسانية؟.. بالطبع ومن يكون أهل لها غير الإنسان؟!.. ولكنها تحتاج منا أن نفتح أذرعنا وعقولنا وقلوبنا وأن نحتضن المواقف الحياتية من أكبرها إلى أصغرها بصدر رحب مقبل على الحب والمساندة والإنسانية التي ننافس فيها بعضنا.. العالم بلا إنسانية كالزرع بلا ماء سيتحول إلى أرض عطشى ترهقها وحشية مصطنعة ترعاها المصالح الدخيلة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كيف تمت الفتوحات الإسلامية بشكل سريع؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع …