البطولة ودروبها الوعرة

الرئيسية » خواطر تربوية » البطولة ودروبها الوعرة
succeed20

لعل الصورة المتوهجة للأبطال تجعل من الصعب جداً ملاحظة كم البؤس الذي يطفو أحياناً على السطح لكثرة ما يحاول الأبطال كبته وضغطه وترميم أجزائه النافرة حتى يأتي يوم ويصبح البطل غير قادر أبداً على السيطرة، فيظهر الشقاء حينها كظرف مفاجئ، لكنه يكون قد استفحل وشاب وقد ترهل وجهه لكثرة ما حاول البطل إخفاءه أو أُرغم على إخفائه، تحفظاً أو مراعاةً للسائد من المفاهيم، وقد جاء وقت خرج فيه عن السيطرة وأصبح من المستحيل شد ترهلاته أو معالجة تضخمه.

إن أغلب قصص الأبطال تتخذ من الألم والمعاناة والشقاء إضاءة خلفية تعمّق الصورة وتجلي المشهد أكثر ، ومع أنه يكون معروضا إلا أنه خادع ومراوغ ويوحي في إطلالته الأولى بالعمق الساحر والمضيء بدفء استثنائي.

ماذا في قعر روح البطل

لعل التفتيش في هذه النقطة بالذات يجعل الإنسان مضطراً للوقوف طويلاً خلال وقبل الحديث عن الأبطال والبطولات، وعدم الاستسلام للوهم القائل إن البطولة أسلوب حياة، حتى أعظم المحاربين يحتاجون إلى فترات استراحة تطول أو تقصر.  

"كفى، لقد تعبت"، تلك هي الصرخة الصامتة التي يعض البطل في أغلب الحكايات خلالها على طرف وسادته محاولاً خنق الصوت ما استطاع إلى ذلك وسيلة، بينما كل خلية في جسده وكل ذرة وقطرة دم تنوح بصمت، لاعتبارات وهمية فرضها المجتمع، يضطر إلى ذلك حتى لا يخدش صورة البطل، ولا يشوّه نظرة البشر للبطولة.

الجمهور، المحيطون والمشجون، ينتظرون الكمال والمثالية من الأبطال، ولا يسامحونهم على التقصير أو يغفروا لهم النقص، وكأنهم منزهون أو معصومون من الزلل والخطأ

والجمهور، المحيطون والمشجعون، يقفون في ضفة موازية تضغط وتضيّق حجم وعدد الخيارات، وتساهم في السماح لهذه الفكرة المجحفة بالتمدد والتجذّر حين ينتظرون الكمال والمثالية من الأبطال، ولا يسامحونهم على التقصير أو يغفروا لهم النقص، وكأنهم منزهون أو معصومون من الزلل والخطأ، وتصبح البطولة غير قابلة حتى للنقاش، أو التعديل على المعايير، وهكذا تجري الأمور وكأن البطل إنسان آلي، بلاستيكي، أو جهاز من قطع مجمّعة بعناية لا يمكن أن تتعرض للتلف، والنظرة الأسطورية إلى البطل تساهم في تعميق المشكلة والنخر في جرحه بإصبع من لا مبالاة  ، أو بالأصح بعشرات الأصابع تحت مسميات التشجيع والتحفيز والدعم وانتظار المزيد، وطلب العون، واستلهام الشجاعة.

النفس البشرية تحتاج للترفيه بين وقت ووقت، للتغيير، للراحة الطويلة واللاجدوى أحياناً حتى تشعر بقيمة ما تقدمه وتصقل نفسها جيداً من جديد.

وبالرغم من أن طبيعة النفس البشرية تحتاج للترفيه بين وقت ووقت، تحتاج للتغيير، تحتاج للراحة الطويلة واللاجدوى أحياناً حتى تشعر بقيمة ما تقدمه وتصقل نفسها جيداً من جديد، لذلك كان خير الخطّائين التوّابون، ولذلك كان الترفيه بين وقت ووقت يحمي القلوب من الصدأ حتى لا تكلّ فتعمى، ولذلك أصلاً كان القلب وكان الاهتمام به يتطلب ظروفاً خاصة، وكانت الدنيا متاع، ولذلك اهتم الإسلام بالمشاعر والأجساد والغرائز، وجاء صالحاً لممارستها مجتمعة، منسجمة، فهذبها ووضع لها القوانين ولم يهملها، كل ذلك يشير إلى أن من حق أي إنسان أن يتعب وأن يرتاح متى احتاج للراحة. وليس من حق بشريّ ولا قيمة ولا فكرة أن تسلبه حقه في أن يتعب ويرتاح، وحقه في أن يصرح بهذا التعب، ويطلب الراحة جهراً.

ولكن ما هو كائن يعكس جرحاً عميقا يتمثل في سكب المزيد من الملح في جروح الأبطال بدلاً من مداواتها، ويزيد من أحمالهم، و "جبل المحامل" كما يسميه المجتمع، كلما تجرأ على التصريح بألمه قالوا: "معلش، وبسيطة، وتحمّل" فأنت بطل!

ماذا عن مفهوم البطولة؟

في الوضع الحالي فإن البطولة أشبه بفقاعة، لا تلبث أن تنشأ حتى تنتفخ فتنفجر وتتلاشى، مخلفة من الآثار النفسية والمادية ما لا حصر له لدى البطل ومن حوله، ولا يخفى كم التساؤلات والتأويلات والتخمينات لأسباب الاختفاء، خاصة وأن كل شيء بات مفضوحاً ويجري على مرأى العالم ومسمعه بفضل العولمة.

لدرجة أن مفهوم البطولة تغير وتبدلت ملامحه ومعاييره في ظل الانفتاح الذي يصر على كسر كل المعايير وصهر كل الحدود، ولا ضير طبعاً إلا في حالة انعدام القيمة، وشراء البطولة طمعاً في مجد شخصيّ افتراضي، حينها سوف يتغير وصف البطولة من فقاعة افتراضية إلى دمّل تفقؤه الظروف المفاجئة فيغرق محيطه بالقيح، وبدلاً من أن يساهم في بث الضوء، سيعقّد الأوضاع.

لطالما أكدت الممارسة أن أغلب المفاهيم الحديثة بحاجة إلى معجم يجمعها ويشرحها بشكل أكثر وضوحاً ليلائم واقعنا الذي تنعرض فيه كل الأمور بطريقة فجة، بلا أدنى تنظيم أو تقدير لنتائجها وأبعاد التعاطي معها؛ لأن المجتمع الحديث غير مستعد - كما أرى - لبذل أدنى مجهود في استيعاب المفاهيم.

أردت أن أقول إن البطولة أضحت كغيرها من المفاهيم الفضفاضة، عائمة المحتوى غائمة الملامح، لا يعرف الناس عمق ترديدها كمصطلح كلما انتصب منبر يسأل عن حدث، أو عن صانعه، ومن حوله. حتى أنها لم تعد اختياراً، ولا ذات هيبة كما في السابق، وهذا وحده سبب كافٍ ليجعلنا نقف طويلاً أمام مصطلح البطولة، وشخصيات من يرشقهم العالم بهذه الصفة اعتباطاً.

إضافة إلى أن البطولة ليست مطلقة، وقوانينها ليست عادلة، فإن أغلب البطولات التي تطفو لا تكون اختيارية ، بمجرد أن ينظر ناظر إلى الفكرة بشمول، أو يضع تحت المجهر نموذجاً من أبطال الحروب، والمواقف، والمبادرات، حتى على الصعيد المجتمعي وتحمل الهموم الخاصة، سوف يقفز إلى فوهة الحديث سؤال يجر سؤالاً وأسئلة أخرى لاحقاً: هل اختار البطل أن تكون بطل المشهد والمرحلة، أم أنه وجد نفسه مضطراً للمواجهة، لا خيار أمامه إلا الاستبسال والفوز وحصد المزيد من الخبرات؟ وهل هناك فرق؟ ربما يتساءل أحد! بالطبع هناك فروق وليس فرق واحد. وماذا إذا كان البطل مختارا ومقبلاً بإرادته على البطولة، هل سيختار الاستمرار؟ وهكذا بلا أية حسابات، بلا نظرة عادلة؟

معظم البلاد العربية "المحرّرة" ترغم أبناءها على الدخول في معترك التجهيز العسكري، بدون ترك المجال أمامه لاختيار مسار حياته، أين البطولة في ذلك وإن تفوّق؟ هل تكون البطولة في حقيقة الأمر كما تبدو في صورتها التي يبثها الإعلام وتجلّيها القصص؟ وماذا عن الخوض في نفس البطل وحيثيات هذا اللمعان الذي لا تتعرض الحياة إلا له، مهملة كل الشقاء الذي يقاسيه البطل خلف الصورة المضيئة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

جمالك بأخلاقك!

سمعت بالأمس أحد مذيعي البرنامج التلفزيونيه يتحدث بكلام جاد محوره أن الأخلاق تمر بأزمة أو …