الدفاع عن الأرض فرض كالدفاع عن العرض

الرئيسية » حصاد الفكر » الدفاع عن الأرض فرض كالدفاع عن العرض
انتفاضة القدس18

أعني بالأرض هنا الأرض التي تملكها فرداً أو شعباً أو أمة، أو ورثتها عن آبائك وأجدادك على مرِّ الأعوام وكرّ الأيام، ويريد الأعداء أن يسلبوها منك بالباطل أو غُلُبَّةً وافتئاتاً دون أن يجدوا منك استنكاراً أو رفضاً يدفعهم عنك، وأن يظلموك ويبزّوك حقك وأنت خاضع مستكين. وهو ما تآباه المروءة الأصيلة وتتحاماه النفوس العالية.

ولقد عبرت بنا نحن أبناء العروبة والإسلام، قبل أسبوعٍ مناسبةُ ما يسمى بيوم الأرض، وذلك يوم الأربعاء بتاريخ (30/3/2016م). وهو اليوم الذي حدث فيه بهذا التاريخ قبل أربعين عاماً أن هبّت جموع أبناء الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة سنة (1948م) أمام قرار سلطة الاحتلال اليهودي الغاشم، الاستيلاءَ على واحد وعشرين ألف دونمٍ من أراضي منطقة الجليل، ولاسيما في قرى: عرّابة وسخنين ودير حنّا وعرب السواعد ليقيموا عليها مزيداً من مغتصباتهم الإجرامية.

وإزاءَ ذلك ما كان من أبناء تلك القرى خاصة أن ثاروا بكل قوة يتصدَّوْن لهذه الهجمة الإستيطانية الشرسة. يدفعونها عنهم بكل جرأة وشهامة، مما كان من آثاره استشهاد ستة من أبناء تلك القرى، هم: السيدة خديجة قاسم شواهنة والسادة: رجا حسين أبو ريّا، وخضر عيد محمود خلايلة، وهؤلاء من بلدة سخنين، ومحسن حسن سيد طه من كفر كنّا، ورأفت علي زهدي من مخيم نور الشمس، وخير الدين ياسين من عرّابة البطوف، إلى مئات من الجرحى والمعتقلين.

ولقد أصبح هذا اليوم المشار إليه يوماً معروفاً في تاريخ العرب المعاصر، ولا سيما لأبناء فلسطين، يستعيدون فيه ذكرى تلك الحملة اليهودية الباغية على أراضيهم، ووقفتهم البطولية في وجهها لرد عاديتها، وإعطاء أولئك المتوقِّحين اللئام درساً بليغاً، أننا لن نسكت على ضيم مهما طال المدى، ولن نستكين أمام جبروت آلتهم العسكرية الظالمة. فنحن أصحاب الحق الصُّراح وهم أولو الباطل البواح. دماؤنا نريقها رخيصة لتبقى لنا أرضنا، وتُشهِد هؤلاء الأنجاسَ ومن ثَمَّ العالم كله، أننا متجذرون فيها، ولن نتخلى عن شبر واحد منها، وسنبقى نقاومكم حتى ترحلوا عن أرضنا خزايا ملعونين.

وإنني لأقول لأعداء هذه الأمة من يهود في فلسطين وفي كل أنحاء المعمورة، ولِمنْ يُساندهم من الصليبيين والشيوعيين ويتعامل معهم بذلة من أبناء أمتنا: لا تفرحوا أنْ تنتصروا علينا، فالأيام دُوَل والزمان حُوَّل. فلقد مُنينا قبلكم ببرابرة متقحّمين وغزاة متوحّشين، فطردناهم من بلادنا شر طِردة، فعادوا إلى جحورهم أذلة مذؤومين، وبقيت هذه البلاد تُسبِّح بحمد الله وتقام فيها الصلاة ويرتفع فيها صوت المؤذن صادعاً بِـ (الله أكبر) رغم أنوف كل هؤلاء وهؤلاء. وها هم اليهود قد احتلوا فلسطين منذ ما يقرب من سبعة عقود، ولكنهم لم يقرّ لهم فيها حتى الآن قرار ولن يقرّ بإذن الله.

وأقول لهؤلاء اليهود جنساً والمتهوِّدين معهم من أبناء جلدتنا الذين لا يرون حلاًّ لقضيتنا العادلة إلا بالمفاوضات العبثية معهم: أرأيتم تلك الصورة الرائعة التي تناقلتها الصحف اليومية عندنا عن تلك المرأة الفلسطينية العجوز، وهي تحتضن إحدى زيتونات بستانها بكل حنوٍّ وحنان، وبكل تصميم وإصرار، كما تحتضن الأم الرؤوم ولدها واللصوص يعدون عليها ليخطفوه منها ؟! إن هذه الصورة لتشعرنا بتمسك أهلنا في فلسطين بأرضهم وبديارهم، كأنهم يقولون لليهود وعملائهم من أبناء الأمة: إخسؤوا فلن نفرحكم بالاستكانة لكم أو التنكر لتاريخ آبائنا وجغرافية أوطاننا. فهذه ليست من شمائلنا، إنما هي من شمائل الأخسّاء والخونة.

أجل، إن فلسطين لن تقبل القسمة على اثنين. فهي ليست موطناً لشعبين: شعب أصيل من العرب والمسلمين وشعب دخيل جاء لمماً ولفيفاً ليستقر في أرض الإسراء والمعراج، فمالأهم نفر من أبناء العرب الذين نسوا تاريخهم وأصلهم ودينهم، فنسيهم الله، وسقطوا من حساب الأمم، لأنهم خنعوا لأرذل الأقوام يصالحونهم، ويقرون لهم بسلب أوطانهم جهاراً نهاراً لقلة دين في قلوبهم وخورٍ في نفوسهم، إذ يبرأ منهم كل ذي عزة وشمم من أبناء هذه الأمة وأحفاد الصحابة الكرام.

وإننا إذ احتفلنا بيوم الأرض منذ أسبوع، فإننا نطالب بدوام الاحتفال بهذا اليوم وأمثاله، نعلن فيه استنكارنا الاعتراف باليهود ومصالحتهم واستمرار المفاوضات الاستسلامية معهم. فكل يوم عندنا لا في فلسطين وحدها، بل في كل قطر من أقطار العروبة والإسلام يجب أن يكون يوم الأرض، نذكِّر فيه أولادنا وأحفادنا وأقاربنا وجيراننا وكل من يصل إليه صوتنا، بأنه لا صلح مع الصهاينة، وأنه لابد من البندقية مع كتاب الله حلاًّ وحيداً لهذه القضية، قضيتنا المركزية. هكذا أثبت التاريخ وهكذا يثبت الواقع، ومن قال بغير ذلك فقد كذب أو خان.

وإنني بهذه المناسبة، لأترحّم على شهدائنا الأبرار في فلسطين من أبناء الحركة الإسلامية وغيرهم من كل فصيل مجاهد على مر تاريخ القضية. وأسأل الله الفرج القريب لأسرانا الأبطال في سجون الاحتلال البغيضة، والشفاء العاجل لجرحانا الكرام. وأُحيِّي أهلنا في المحتل مما وراء الخط الأخضر، في الجليل والنقب، كما وأحييهم في الضفة وغزة، وما عملوه من فعاليات عظيمة بهذه المناسبة، ولاسيما في (أم الحِيران) من النقب، ومن عَمَلِ الجدارية في غزة، كما وأبعثها تحية خالصة لأحبتنا في حماس ولأبي عبيدة بالذات الذي رد على نتنياهو تخريفاته وادعاءاته، وأن لديهم عدداً من جنده أسرى، وما عليه إلا أن يدفع الثمن مجدداً كما دفعه سابقاً.

وأختم مقالي بمناسبة يوم الأرض بهذه الأبيات للشاعر سنان بن الفحل الطائي التي تمثل تحدي العربي وحمية المسلم أن يخضع لمريديه على الهوان:

وقالوا قد جُنِنتَ فقلتُ: كلاّ
وربِّي ما جُنِنتُ ولا انتشيْتُ

ولكنِّي ظُلِمتُ فكِدتُ أبكِي
منَ الظلمِ المبيِّنِ أو بكيْتُ

فإنَّ الماءَ ماءُ أبِي وجَدِّي
وبئرِي ذو حفرتُ وذو طويْتُ

وقبلكَ رُبَّ خصمٍ قَدْ تَمالَوْا
عليَّ فما هلعتُ ولا دَعَوْتُ

ولكنِّي نَصبتُ لهم جَبِيني
وألَّةَ فارسٍ حتى قرَيْتُ

وليعلم هؤلاء وعملاؤهم أن الله يقول: (ولقد كَتَبْنا في الزَّبُورِ من بعدِ الذِّكرِ، أنَّ الأرضَ يرِثُها عبادِيَ الصالِحونَ)، ونحن الصالحون أصحاب الأرض الحقيقيون، وهم الدخلاء الواغلون وليس لهم أدنى حق فيها، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: (من قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شهيد) والأرضُ من أهمِّ ما يملكه الإنسان من مال وأغلاه.

وبعدُ، فهل أدرك الواعون من أبناء هذه الأمة أن الدفاع عن الأرض هو حقاً فرضٌ على كل فردٍ فيها، وخاصة إذا غُزِيَتْ، وهو في حقيقته دفاع عن العِرض والكرامة ؟! فمن لم يدافع عن كرامته فلا كرامة له، ومن لم يدافع عن عرضه فعرضه مستباح طعين، ومبتذل مهين!!

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • صحيفة السبيل
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الشمائل المحمدية في التعامل مع الفئات المجتمعية

يصلّي عليه المسلمون دوما مع أتمّ التسليم، إذ إن أطياف المجتمعات بفئاتها المختلفة لم تكن …