“انتفاضة القدس”.. تحولات كبرى في المشهدَيْن الفلسطيني والصهيوني

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » “انتفاضة القدس”.. تحولات كبرى في المشهدَيْن الفلسطيني والصهيوني
انتفاضة القدس1110

أكملت انتفاضة القدس المباركة بأمر الله تعالى، ستة أشهر.. نصف عام كامل ارتقى فيه من ارتقى من أبناء فلسطين العزيزة، شهيدًا، واعتقل فيها مَن اعتُقِل، وأصيب فيها مَن أُصيب.

يأتي إكمال الانتفاضة ستة أشهر وقد لاحقت العديد من المتغيرات، المجالَ السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وكذلك على المستوى العالمي، مما يُنبئ بعدم إخطاء الحدث – الانتفاضة – لحساباته أبدًا، كما يزعم المرجفون في مدننا العربية.

وكان أهم شهادة نجاح للانتفاضة، هو الاعترافات المتكررة لرأس سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، محمود عباس، ورؤساء أجهزته الأمنية، مثل توفيق الطيراوي (المخابرات العامة)، تعمل "بكل طاقتها" على إجهاض الانتفاضة، بشكل وصل حتى إلى تفتيش حقائب التلاميذ في المدارس الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.

ويُعتبر التنسيق الأمني المعادل الأكثر سوادًا للانتفاضة الشريفة، ولكنه يأتي ضمن أحد القوانين المهمة التي وضعها رب العزة سبحانه في مثل هذه الحالات من التدافع، التي ذكرها القرآن الكريم؛ حيث المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إلينا؛ هم من بين أهم عوامل تثبيت المؤمنين؛ حيث هم والمنافقون من أهم مظاهر الابتلاء، قبل أن تتنزل عليهم آيات الله تعالى، من الصبر والسكينة.

يُعتبر التنسيق الأمني المعادل الأكثر سوادًا للانتفاضة، ولكنه يأتي ضمن أحد القوانين المهمة التي وضعها رب العزة سبحانه في مثل هذه الحالات من التدافع

وإن من يقرأ الصحف ويطالع وسائل الإعلام، الفلسطينية والصهيونية على حد سواء؛ سوف يجد، وبوضوح كامل، تبدلاً كبيرًا في المواقف واتجاهات الرأي العام من هذا الذي يجري والذي شمل أرض فلسطين التاريخية بالكامل، بما في ذلك خلف أسوار وحصون العدو الصهيوني.

أهم معالم التغيير سوف نجده في الصحف والمصادر الفلسطينية التي كانت قريبة من سلطة رام الله، ومن حركة "فتح"؛ حيث كثير منها قد غيرت موقفها بالكامل من الانتفاضة، ففي البداية كان التشكيك في النوايا، وفي أن الحدث من "افتعال" حركة "حماس" لتحقيق مكاسب سياسية فصائلية خاصة بها، ثم التشكيك في القدرة على الاستمرار، وفي الفاعلية.

أما الآن؛ فقد صار من المألوف أن نجد أقلامًا وكُتَّاب رأي مقربين من السلطة، ومن مكوِّن حركة "فتح" المعروف عنه مواقفه المؤيدة للتسوية مع الكيان الصهيوني، يطلقون على "الهبَّة" الحالية، مسماها الحقيقي الأصيل: "انتفاضة القدس"، ويتحدثون عن أنها قلبت موازين الصراع في هذه المرحلة، وأنه من الواجب دعمها.

وكذلك تجمع الشخصيات الفلسطينية المستقلة، والذي كان في البداية يتشكك في البُعد الفصائلي لـ"الهبَّة"، التي تحولت إلى "انتفاضة القدس" الآن في أدبياتهم.

هذا التبدل في المواقف يعكس أمرَيْن رئيسيَّيْن، الأول، تحول ذاتي في أوساط النخبة الفلسطينية، والثاني، هو رضوخ من جانب بعضهم – حتى ولو عن عدم قناعة مبدئية، ولكنه نزولاً على سلطة الأمر الواقع – للتحول الجاري في موقف الرأي العام الفلسطيني الذي بات مؤيدًا للانتفاضة الفلسطينية، بشكل يمثل معه معارضتها؛ تصدٍّ لتيار شعبي جارف.

باتت الانتفاضة واقعًا يوميًّا مُعاشًا من جانب اليهود، وبدت مرارات عدة تظهر، في ظل فشل حكومة نتنياهو في إيجاد حلٍّ حاسم لهذه القضية

على الجانب الآخر، جانب العدو، فبجانب مشاعر الخوف التي تنتاب المجتمع الصهيوني؛ تعكس النقاشات السياسية وما ينشره إعلامه، الكثير من التغيرات المزاجية؛ حيث باتت الانتفاضة واقعًا يوميًّا مُعاشًا من جانب اليهود، وبدت مرارات عدة تظهر، في ظل فشل حكومة بنيامين نتنياهو في إيجاد حلٍّ حاسم لهذه القضية.

الأمر الآخر، هو أن الانتفاضة مثَّلت عبئًا وثقلاً أخلاقيًّا على بعض الأوساط داخل المجتمع الصهيوني؛ فصار من المعتاد، بعد أن كان من النادر للغاية، أن نجد انتقادات حادة للجيش الصهيوني، وللمستوطنين اليهود من اليمين المتطرف و"الحريديم" على حد سواء، في ظل ما دأبا عليه من جرائم في حق الفلسطينيين، أساءت كثيرًا إلى صورة الكيان على المستوى العالمي وحطمت مصداقيته وشرعيته.

ولم تكن جرائم عائلة الدوابشة، وإعدام فتى الخليل، من نافلة القول بالنسبة للرأي العام الصهيوني؛ حيث مثلت انعطافًا حادًّا في مواقفه إزاء أداء الجيش وسلوك المستوطنين، ليس لباعث محبة للفلسطينيين، وإنما بالأساس، لأن هذه الأفعال تضر بمصالح الكيان الصهيوني، والمشروع الصهيوني برمته، سواء على المستوى السياسي أو على المستوى الاقتصادي.

وهو ما بدا في النجاحات المتتالية التي حققتها حركة "BSD" التي تعمل على تنشيط حركة المقاطعة ضد الكيان الصهيوني على مستوى العالم، وبلغت نجاحاتها مستوىً كبيرًا خلال أسبوع مناهضة "الأبارتايد" العالمي الأخير.

ومن بين أهم مؤشرات هذا النجاح، مواقف قوى كانت من المؤيدين التقليديين للكيان الصهيوني طيلة تاريخه القصير، مثل الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة؛ حيث صدر أكثر من قرار عن الجهتين ضد الاستيطان والمستوطنات، بالمقاطعة والتأكيد على عدم المشروعية السياسية أو القانونية.

وكان الصدى المدوي، لقرار صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بإنشاء "قائمة سوداء"، تضم أسماء الشركات التي تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المستوطنات اليهودية في كلٍّ من الضفة الغربية، والشطر الشرقي من القدس، وهضبة الجولان السورية، أي الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، وينص القرار على أن يتم تحديث هذه القائمة بشكل سنوي من جانب المجلس.

وبلغ من شدة تأثير هذه القرارات واتساع نطاقها، أن قال نتنياهو، ورئيس الكيان الصهيوني، رؤوفين ريفلين، إن نشاط حركة "BSD" "يستهدف شرعية ووجود "إسرائيل" نفسها.

كما كان لإجراءات الحكومة الصهيونية و"الكنيست" في حق النواب العرب، ممن يدعمون الانتفاضة بشكل علني، مثل منعهم من الذهاب إلى القدس، وسعي البعض لإسقاط عضويتهم في الكنيست، صدىً مزعجاً لبعض الأقلام العبرية التي كانت تظن أن الكيان الصهيوني – بالفعل – واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط!

ملمح آخر من ملامح الحدث، هو تطوير الانتفاضة الفلسطينية لآلياتها؛ حيث لم تعد تقف عند العمليات الفدائية العفوية، وإنما انتقلت إلى آفاق أخرى، ذات طابع سياسي، مثَّل المزيد من الضغوط على حكومة نتنياهو، وأظهرت الكيان الصهيوني المتترس بالسلاح من الأعقاب وحتى الأسنان، في صورة مهترئة، وأسقطت نظرية أمنه بالكامل، وقلصت ثقة الجمهور اليهودي في مؤسساته الأمنية والعسكرية.

الإرادة تصنع كل شيء، والإيمان، عامل تفوٌّق على أية معايير أخرى للقوة المادية التي يحسب لها البشر حسابًا

ومن بين أهم الخطوات في هذا الصدد، هو إعلان كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، عن مفاجأةٍ استراتيجية بوجود أربعة جنود صهاينة أسرى في حوزتها، وتكذيبها لكل ما قاله نتنياهو في هذا الصدد.

ويطول الحديث عن أثر الانتفاضة الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، وما قادت إليه من تحولات، ولكن، ولئن كانت هناك دلالة عظمى للحدث الكبير؛ فإنها تبقى أن الإرادة تصنع كل شيء، وأن الإيمان، عامل تفوٌّق على أية معايير أخرى للقوة المادية التي يحسب لها البشر حسابًا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

الدين كفطرة إنسانية. ردًّا على دعاة الإلحاد

في سياق الارتكاسات التي رافقت الثورات المضادة في مرحلة ما بعد الربيع العربي، وما رافقها …