“برستيج” !!

الرئيسية » خواطر تربوية » “برستيج” !!
nefaq154

يحاول الكثير من الناس أن يختبئوا خلف مظاهر برّاقة خادعة، ويفضلوا العيش في هالات من الأبهة والتفاخر، مما يدفعهم للبحث عن أقنعة ملونة مزركشة ليعيشوا بها، بل ويسعون لخلق جملة من المظاهر الخارجية غير الصادقة من حولهم، ويعمدون لصناعة قوالب لا تليق بهم ولا تناسب مقاسهم، لا لشيء سوى تحقيق "برستيجٍ" يجذب أنظار الناس ويحبس أنفاسهم.

إنّ الاهتمام بالمظاهر أو البرستيج قد طال المجتمع كله، ولم يعد مقصوراً على طبقة معينة أو فئة محددة، بل أصبحنا نعيش حالة مادية شرسة، تمتص الدماء، وتستهلك الأرواح، وتستنزف الجيوب.

حالة مستعرة فتحنا لها الأبواب مشرعة لتدخل حياتنا لهثاً منّا وراء وهم الوجاهة الإجتماعية، ومحاولة "لارتداء ثوب مش ثوبنا"، وعلى قولة المثل: "ما حدا أحسن من حدا"، بل وقد تعدى الأمر لنسلك منهج "البرستيج" في تربية أبنائنا عليه، وأصبحنا نتصنع معهم ولهم أموراً فيها من التكلف والتنطع الكثير، مبتعدين بهم عن شاطئ البساطة والعفوية.

الاهتمام بالمظاهر أو البرستيج قد طال المجتمع كله، ولم يعد مقصوراً على طبقة معينة أو فئة محددة، بل أصبحنا نعيش حالة مادية شرسة

فتجد الأباء لا يتأخرون عن تلبية رغبات الأبناء وطلباتهم دون أية حسابات، بل ويسّرون إليهم: "الناس بتحب المظاهر"، "ومر على صاحبك جوعان ولا تمر عريان"، وغيرها من الأمثال التي تحقق انتصاراً لحظياً يشبع رغباتنا وأهواءنا آباءً وأبناء، ولكنها في الحقيقة تخلق تشوهاً في بنية المجتمع وهويته، فيغدو الفرد مهتماً بالبرستيج الذي يعني: "هيبة، هيئة، أو وضع" وبمعنى آخر هو "الوضع أو الإطار الاجتماعي" الذي يسعى الشخص ليضع نفسه فيه وتقديمه للناس من خلاله، وما يتعلق به من أمور تناسب مكانته والوضع الاجتماعي الذي يرسمه لنفسه والذي يريد أن يكون في عيون الآخرين والذي يحدد علاقاته معهم، وهذا كله يدفعنا للكذب، والتعلق بالقشور، والانبهار بلمعان الأشياء وبريقها في عيوننا فتعمينا عن الحقيقة والجوهر، بل ولربما يعمينا عن الحق والسير في طريقه.

البرستيج هو الوضع أو الإطار الاجتماعي" الذي يسعى الشخص ليضع نفسه فيه وتقديمه للناس من خلاله

ولكن الإسلام جاء متمرداً على هذه الأوضاع الاجتماعية والمظاهر الكاذبة، جاء يحاربها لأجل صناعة النفوس المطمئنة  غير المرهقة بمجاراة المظاهر والتكلف، فالإسلام جوهر وقيم، لا يتملق أحداً ولا يزن الناس بموازين الجاهلية الأولى، ولا أية جاهلية تقيم للناس ميزاناً غير ميزانه، نعم لقد جاء الإسلام ليرتفع فوق الجميع رافعاً كل من اعتنقه وسار في دربه، جاء ليعلن عن القيم الحقيقية ويقيم الميزان الذي لا يخطئ، وإلا لَقَبِلَ الإسلام ببرستيج أبو جهل وزمرته.

علينا اليوم أن نواجه الحياة المادية التي أرهقتنا بالتخفف من المظاهر الزائدة عن الحد، وأن نتخفف من أثقال الماديات التي فتكت بأرواحنا وماتت فيها نفوسنا وغيّبت قيمنا

فلنحرص على الأخذ بمنهج الإسلام وميزانه، ولندرك بأن تربية البرستيج الذي نزرعها في نفوس أبنائنا لا طائلة منها ولا فائدة، ولا تعود بالنفع على أحد، بل إن أول من ستهاجمه سيكون ذلك الذي حرص على إيجاده والتماهي معه، بل علينا اليوم أن نواجه الحياة المادية التي أرهقتنا بالتخفف من المظاهر المتكلفة الزائدة عن الحد، وأن نتخفف من أثقال الماديات التي فتكت بأرواحنا وماتت فيها نفوسنا وغيّبت قيمنا، والأخذ بالتركيز على جوهر الأمور وحقيقتها، والتوقف عن استبدال المملوء بالفراغ والغث، و ليس هناكَ أجملُ من وجه صادق وقلب نقي، ونفس صافية ومعدن أصيل  يُنزل صاحبه منزلة عظيمة دون خداع أو نفاق.

تباً لتلك المظاهر الكاذبة التي نلهث وراءها، لنسمع مديحاً أو ثناء، ولنلقى بها استحساناً وقبولاً ممن حولنا، تباً لتلك الوجاهة الاجتماعية التي تثقل كاهلنا وترهق أنفسنا، وتَفُت في عضد مجتمعنا، وسحقاً لتلك النفخة المتكبرة المتعجرفة الفارغة التي نزرعها في نفوس أبناءنا فتغدو وحشاً يفترسنا، وتستنزف مواردنا، وتخل باستقرارنا النفسي والعقلي وحتى العاطفي بل وتُنهِكُ أرواحنا وتفسدها، وتقوّض الحياة الأسرية لنسبة كبيرة منّا.

فكن حقيقاً.. كن أنت.. كن للبساطة أقرب..

ولا تدعي برستيجاً فتردى به..

وإياك التصنع، والتكلّف..

فتحمل على أكتافك أموراً لا تطيق، وتخرق جيوبك بفواتير لا تحتمل

كن جوهراً.. ولا تدع ألوان الحياة تغريك

فليس كل ما يلمع ذهباً!، وليس كل ما تحت التراب تراب

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
مدون أردني مهتم بالشأن التربوي

شاهد أيضاً

إنها كرامة لا يعرفها إلا الشهيد!

يخطئ من يظن أن المجازر التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة؛ ستثني المقاومين والمجاهدين …