بين زَهْوِ الطَّاعة وألم المعصية

الرئيسية » بصائر تربوية » بين زَهْوِ الطَّاعة وألم المعصية
Self-Esteem

رَزَقَهُ اللهُ سبحانه نعمةَ القيامِ إلى صلاةِ الفجر والمواظبة عليها جماعة في المسجد، لكنَّ نفسَه تحدّثه دائماً بالتفوّق على أقرانه وجيرانه المقصّرين في أدائها، ويمرّ على بيوت الحيّ الذي يسكنه، وأهله نيام، وقد أدّى صلاة الفجر بنفسٍ مزهوّة بالرّضا والعُجب والنظر إلى عمله نظرة إعجاب وغرور، وإلى تقصير الآخرين وغفلتهم نظرة تعالٍ وكِبْر..

هي حالة ذلك الفرد الذي لا يدعُ مجلساً إلاّ وهو يُرِي الآخرين مواطن عبادته وأوقاتها في حديث لا يكاد يخلو من زهو وكبر ورياء، بينما لا يجد السّامعون إليه إلاّ جلداً لأنفسهم وألماً لتقصيرهم وفقدانهم لذّة الطاعة التي تحصّلها عليها ونالها صاحبُهم.

إنَّه من الطبيعي أن يشعرَ المؤمنُ بلذّة الطاعة والتقرّبِ إلى الله سبحانه بشتى أنواع العبادات، لكن عندما تتحوّل هذه اللذّة إلى زَهْوٍ وكِبْرٍ وإعجابٍ بالنّفس والنَّظر إلى الآخرين بنظرة المقصّرين العَاصين المذنبين، فهنا تكمن المشكلة، فتنتقل هذه اللذّة من طاعة إلى معصية، حينها يتبخّر ثواب العمل الصَّالح، والخوفُ أن يتحوّل هذا الفرد إلى زمرة {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. (الكهف: 104).. فكَمْ مِنْ نفسٍ أُعْجِبَتْ بعملها الصَّالح فضاعَ أجرُها، وازدرتْ تقصيرَ الآخرين فحلّتْ عليها أوزارُ معصيةِ العُجْب والكِبْر والرّياء!

إنَّ نعمة العبادة والطَّاعة ينبغي أن تورث صاحبَها تواضعاً وبُعداً عن مشاهدة النفس وخوفاً من عدم القبول، تُورِث قلوباً وَجِلة.. {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}. قال ابنُ جبير: (يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنَّهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات).. تورث قلوباً تقيّة وَعَت قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماماً من العمل، ألم تسمعوا قول الله عزّ وجل {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين} (المائدة:27). وكان أبو الدّرداء يقول: (لأن أستيقن أنَّ الله قد تقبّل منّي صلاة واحدة أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها). فكيف الزهو بالعبادة والطاعة ولا يعلم الفرد أنّها مقبولة عند الله سبحانه؟!

نعمة العبادة والطَّاعة ينبغي أن تورث صاحبَها تواضعاً وبُعداً عن مشاهدة النفس وخوفاً من عدم القبول

بينما نجد أنَّ ذلك العاصي لله، قد شعر بخطورة الذنب، فأكبّ على الله باكياً خائفاً من عقوبة المعصية وفداحة الفعل، ورجع إلى ربّه تائباً مستغفراً، فألم المعصية قد أورثه ذلاً وانكساراً، ورحم الله ابن عطاء الله السكندري القائل: (رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعة أورثت عزّاً واستكباراً).

قال ابن قيم الجوزية في كتابه (الوابل الصيب): (فإذا أراد الله بعبده خيراً فتح له باباً من أبواب التوبة والندم والانكسار والذل والافتقار والاستغاثة به وصدق اللجأ إليه ودوام التضرّع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه).

إنَّ طريق الخلاص من هذا الداء يبدأ من خطوة الوقوف بتدبرِ وتمعّنٍ وخوف وَوَجلٍ أمام قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}. (المائدة:27)، فتصحيح النيّة هو المنطلق، ومن ثمَّ تصحيح النظرة تجاه الآخرين وإحسان الظن بهم، فلعلّ مَنْ بَاتَ مذنباً وأصبح تائباً أحسن مرتبة عند الله من بات عابداً وأصبح مزهوّاً بعبادته معجباً بها.

طريق الخلاص من داء العجب يبدأ من خطوة الوقوف بتدبرِ وتمعّنٍ وخوف وَوَجلٍ أمام قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}

يقول أبو حامد الغزالي في (الإحياء): (ويقال: إنَّ الطاعة كلّما استصغرت عظمت عند الله عزَّ وجل، والمعصية كلّما استعظمت صغرت عند الله عز وجل). ويقول ابنُ قيم الجوزية في (المدارج): (إنَّ الذّنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة، من كثير من الطاعات؛ وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه، إن قام، وإن قعد، وإنْ مشى ذكر ذنبه، فيحدث له انكساراً، وتوبة، واستغفاراً، وندماً، فيكون ذلك سبب نجاته، ويعمل الحسنة. فلا تزال نصب عينيه؛ إنْ قام وإن قعد وإنْ مشى، كلَّما ذكرها أورثته عجباً وكبراً ومنّة، فتكون سببَ هلاكه).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

نحن والمِحَن… فوائد نحصدها

إن مَهَمَّة بث الأمل ليست باليسيرة -خصوصاً في أوقاتنا التي نحياها- والأوضاع والأحوال التي نحياها …