لا تفسدوا الزواج!!

الرئيسية » بصائر الفكر » لا تفسدوا الزواج!!
148266_164

إن ارتفاع نسب الطلاق والعنوسة في مجتمعنا العربي ظاهرة مقلقة مخيفة لما لها من انعكاسات سلبية على تماسك المجتمع وترابطه، ناهيك عن ظاهرة أخرى لا تقل خطورة عما سبق وهي ظاهرة تأخر سن الزواج لكلا الجنسين، ومع كل هذه الظروف والمعطيات أخذت فئة على عاتقها الدعوة إلى التساؤل: لماذا نتزوج؟ ولماذا الزواج أصلاً؟

سؤال يطرحه الرجل وعقله منشغلٌ بترتيبات الزواج الباهظة هذه الأيام وتكاليفه المرتفعة، وتسأله الفتاة التي قطعت شوطاً من حياتها ولربما ملكت شيئاً من مصادر الدخل، وأصبحت تعتقد أنها أمراة ناجحة لا حاجة لها بالرجل.
إننا وإن كنا لا نتفق مع هذا السؤال ولكننا معنيون أن نناقش الأسباب الكامنة وراءه، والدوافع التي تسحب من رصيد الفطرة البشرية في نفوس أبنائنا وبناتنا، وتهدد مجتمعاتنا بل وتدق ناقوس الخطر والنذير، فلطالما كان الزواج محطة من محطات الحياة التي ينتظرها المرء بفارغ الصبر والشوق، طلباً للاستقرار وتحقيقاً للسكن وسعياً للستر والعفة وتلبية نداء الفطرة بدلاً من كبتها ومحاربتها، بل إن الزواج محطة أساسية في حفظ المجتمع وجعله متماسكاً وصحياً، وفي المحافظة على الترابط الأسري، وفي تحقيق الاتزان العاطفي النفسي في نفوس أفراد المجتمع كله، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:21].

لطالما كان الزواج محطة من محطات الحياة التي ينتظرها المرء بفارغ الصبر والشوق، طلباً للاستقرار وسعياً للستر والعفة وتلبية نداء الفطرة بدلاً من كبتها ومحاربتها

إذن الزواج هو رابطة النفس بالنفس، وصلة الروح بالروح، هو الراحة والأمان الداخلي، هو سكن القلب والروح ، وليس هو مجرد قضاء شهوة أو عملية تناسل وحسب.

واليوم وفي ظل التجارب العديدة والمحاولات الفاشلة التي دفعت بالكثير من "المختصين أو المطلعين"، لفلسفة الزواج معنى وشكلاً، ولربما وضع العراقيل في طريق سالكيه، من خلال الحديث عن أمور كثيرة فيها حرص على المظاهر وابتعاد عن حقيقة الزواج وكيفية الاختيار، وإثقال كاهل الشباب والفتيات اليوم بمتطلبات مادية ومعنوية كثيرة غير أساسية، تجعل من الزواج حلماً صعب المنال، بل وتجعل من شريك الحياة شخصية أسطورية قل إيجادها والعثور عليها، بل والأصعب والأخطر من ذلك هي تلك الظاهرة التي يتم فيها التأصيل للطلاق أكثر منه لحياة تملؤها السكينة والوقار، وتحفها الرحمة، وتظللها معاني التفاهم والتكامل والتعاون، بل وأصبحنا ندفع بالطلاق خياراً أساسياً في ذهن المقبلين على الزواج من كلا الطرفين ، هذه الظاهرة خطيرة أيما خطورة؛ لأنها تدفع المجتمع إلى التفكك والانهيار والتيه في وديان النفوس المنكسرة المحبطة، نعم لقد أوجد الإسلام لنا الطلاق حلاً، عندما تصبح الحياة صعبة، ويستحيل التفاهم فيها، وإن التجأنا إليه فليس هو بتلك البساطة التي يتخيلها المرء.

الأخطر تلك الظاهرة التي يتم فيها التأصيل للطلاق أكثر منها لحياة تملؤها السكينة والوقار، وتحفها الرحمة، وتظللها معاني التفاهم والتكامل

الطلاق حلٌ لا أصلٌ

لقد أفرد الله تعالى في كتابه لهذا الموضوع سورة كاملة تسمى باسمه، لا ليكون خطوة سريعة وحلاً سهلاً يذهب المرء إليه بكل سهولة ويسر، بل إن الإسلام ليؤكد على أن رابطة الزواج هي رابطة استقرار واستمرار ، ويحيطها بكل الضمانات التي تكفل استقرارها وديمومتها، بل وإن تسمية سورة في القرآن بـسورة "الطلاق" تشير لعدة دلالات منها:

1- خطورة شأن الأسرة في النظام الإسلامي، ففي ظلها تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف، وفيه تنبت الطفولة السليمة، وتنمو المشاعر المستقيمة.

2- رفع هذه العلاقات الإنسانية إلى مستوى القداسة المتصلة بالله، واتخاذها وسيلة للتطهر الروحي والنظافة الشعورية، بوضعها في إطارها الصحيح لا بالمحاربة وكبت المشاعر وتغيير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: "إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها، إنما ينظمها ويطهرها، ويرفعها عن المستوى الحيواني، ويرقيها حتى تصبح هي المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية".

3-  واقعية هذا النظام الإسلامي ومعاملته للحياة وللنفس البشرية كما هي في فطرتها، مع محاولة رفعها والارتقاء بها عن طريق استعداداتها وملابسات حياتها.

4-  مواجهة حالات واقعة في الجماعة المسلمة متخلفة من رواسب الجاهلية، وما كانت تلاقيه المرأة من العنت والخسف، ومن تفكك وفوضى في الحياة العائلية.

في سورة الطلاق وغيرها، توجيهات للوقاية والتحذير حتى في تلك اللحظات الصعبة التي قد تمر بها الأسرة، حين لا يجدي الإنكار وحين تتعذر الحياة الزوجية

هي دلالات كفيلة بفهم معنى ورودها في كتاب الله سبحانه وتعالى، فهي ضمانات وتوجيهات للوقاية والتحذير ووضع الأمور في نصابها حتى في تلك اللحظات الصعبة التي قد تمر بها الأسرة، حين لا يجدي الإنكار وحين تتعذر الحياة الزوجية، ويصبح الإمساك بالزوجية عبثاً لا يقوم على أساس، وما تكرار التقوى في السورة إلا دلالة على أن التقوى هي أهم ركيزة يقوم عليها البيت فلو أن كل طرف عامل الآخر بها لانتهت معظم المشاكل الزوجية.

نعم نتفق على أن الزواج ليس بالأمر الهين ابتداء من الاختيار والبحث عن شريك الحياة أو عن نصفك الآخر ولا ينتهي عند متطلباته وترتيباته المختلفة ، ولكن لا بد أن نعي تماماً ونحن نواجه هذا الإفساد الذي يسعى للنخر بالزواج مفهوماً وسلوكاً وحياة، أن على المجتمع أن يعمل على تأهيل المقبلين على الزواج تأهيلاً حقيقاً لا تأهيلاً رومانسياً أسطورياً يتجاوز الواقع ويبحر في الخيالات، ويتمثل في دور المؤسسات التربوية المختلفة للارتقاء بتفكير الشباب والشابات، مع التأكيد على دور الأمهات في إعداد الفتاة لتكون زوجة وأماً من خلال تعريفها بالمسؤولية التي تقع عليها بل ومن ممارسة لبعض من تلك الشؤون المنزلية وأن يكف الأهل عن الدلال الزائد؛ كي لا يرتطم أولادنا بصخرة الواقع العتيدة، ولا ننسى ما علينا من تخفيف من المهور على الشباب، بل والأهم هو الاتفاق على التخفيف من تبعات الزفاف، والابتعاد عن "البرستيج" البراق الذي يرهق العائلة الجديدة، ولا يرضينا كأهل في نهاية حفلة الزفاف تلك.

وأخيراً..

الإسلام لا يسرع إلى رباط الزوجية المقدسة فيفصمه لأول وهلة، ولأول بادرة من خلاف، إنه يشد على هذا الرباط بقوة، فلا يدعه يفلت إلا بعد المحاولة واليأس

الإسلام لا يسرع إلى رباط الزوجية المقدسة فيفصمه لأول وهلة، ولأول بادرة من خلاف، إنه يشد على هذا الرباط بقوة، فلا يدعه يفلت إلا بعد المحاولة واليأس، بل إن الإسلام يهتف بالرجال: {وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} [النساء:19]، فإذا بلغ الأمر مبلغه وتجاوز الأمر مسألة الحب والكره إلى النشوز والنفور، فهناك الإصلاح والتحكيم وغيرها من الأمور، وإذا استعصى الأمر على كل ما سبق وكان هناك ما لا تستقيم معه هذه الحياة، ولا يستقر لها قرار، وباتت الحياة معاً حياة مستحيلةٌ، والشر الناتج عن استمرارها أكبر بكثير من انحلال هذه العلاقة، عندها يكون الطلاق حلاً، ونقطة في آخر تلك العلاقة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
مدون أردني مهتم بالشأن التربوي

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …