لحظة من فضلك، فلنتبادل الأماكن!

الرئيسية » خواطر تربوية » لحظة من فضلك، فلنتبادل الأماكن!
parents5

لستُ هنا لأكتب عن بر الوالدين ولا عقوقهم، فأنا أول الذين لا يفعلون ويفعلون، ثمّ إنّ الموضوع بات مستهلكاً رغم الحاجة المستمرة له، رغم أن العقوق ونكران فضل الوالدين من أشهر الصور والقصص وعناوين الأخبار التي تباغتنا كل يوم إلا أن الخطب والدروس والمواعظ ربما ما باتت تجدي نفعاً إلا في قلوبٍ رحمها ربي وأراد لها النجاة.

ثمّ إنّي لا أريد أن أتناول الموضوع من مرجعية شرعية دينية وأستدل بالآيات والأحاديث وأسرد القصص وأضرب الأمثال، أنا فقط أريد لي ولكم أن نتبادل الأماكن للحظات مع والدينا، كما فعلتُ بدون تخطيط إثر مواقف تعرضت لها، ثم إنّي لا أريد أن أخلص بحكمة أو درس مستفاد بل أريد لكلٍ منّا بعد أن يعيش في الموقع الآخر أن يخلص بالدرس لوحده وفي قرارة نفسه وسره.

في نهاية الشهر طلب أبي منّي أن أعطي أختي الجامعية مصروفها وسيعيده لي في وقت آخر، ورغم أن المبلغ لا يتجاوز الـ 20 دينار إلا أنني امتعضت في داخلي وفكرت بكل الأمور التي أرغب بأن أشتريها، وحسبت ألف حسابٍ.. ثمّ إني شعرت بالأسى أن أدفع المال الذي تعبتُ في تحصيله هكذا بكل بساطة وبدون مقابل.!

شعور أنك تعمل وتكدح وتتعب ولا تحظى "برغيف خبز وعلبة لبن" تطفئ بهما لظى جوعك طوال اليوم لتدفع فواتير الكهرباء والمياه وأقساط المدارس والجامعات وأجار البيت ومستلزمات البيت ومصاريف الرفاهية والملابس وثمن العلاج، شعورٌ مؤلم جدا، جرب أن تضع نفسك مكان والدك، ثم تخيّل أن كل هذه المصاريف ستدفع من جيبك.! لا ليس من جيبك، بل من تعبك ومن عرق جبينك ومن وجع ظهرك وانتفاخ قدميك ومعدتك التي تتضوّر جوعاً ورجفة برد الشتاء وغليان رأسك في حرّ الصيف.!!

والدي لا يشتري حذاءً جديدا إلا بعد أن يلفظ حذاءه أنفاسه الأخيرة ألف مرة ومرة، ولا يشتري ثوباً جديدا إلا بعد أن ترجوه أمي ألف رجاء ليلة العيد أن يشتري ثوبا جديدا، ووالدك أيضا، ربما تدري أو لا تدري، ربما انتبهت أو لم تنتبه، فهو يحسب كل المستحقات التي تنتظره في آخر الشهر ويقدمها على قطعة قماش يفصّل منها ثوبا أو قميصا.!

والدي ووالدك أيضا يظلّ على إفطار الصباح الذي تعدّه أمي وأمك حتى يعود مساءً الى البيت ويسأل "في عشا؟"، ليس حباً بطبيخ أمي ولا أمك بل حباً بي وبك، قد تستغرب أنه يحسب حتى حبة البسكويت وعلبة الماء، ليس بخيلا ليحسبها بالقرش، بل بخيل.. بخيلٌ بحق نفسه لأجلي وأجلك.

حين تناديني أختي ليلاً لأنها مريضة أتململ ألف مرة في فراشي قبل أن أجيبها، أرافقها حيناً وأعود الى فراشي فغداً لدي عمل! يزداد الألم فأطلب منها أن تتحمل حتى الصباح لآخذها إلى الطبيب، أسقيها الدواء وقبل أن أتأكد أن حرارتها انخفضت أكون قد عدتُ إلى فراشي.! ثم أذكرها لعامٍ قادم بهذه الليلة في كل مرة أطلب منها طلباً وتتثاقل، "أتذكرين تلك الليلة سهرتُ معك حتى الفجر".!!

هل تفعل أمي وأمك هذا؟! لديها عملٌ في الصباح ولديها أوجاعها التي تسرق النوم من عيونها، لكنها تجلس بجانبي وجانبك مثل شجرة السنديان ثابتةٌ لا تغفو ولا تهتز.!
أمي هي الأخرى لا تشتري ثوبا جديدا إلا بعد أن نقسم الأيمان أن لا نلبس ولا نشتري إلا حين تشتري هي، تغضب حين نشتري لها شيئا باهظ الثمن، لكنها في صغري سكبت أدمعاً حرّى لتقنع أبي بشراء الفستان الذي أحبته لي وأنا لم أتجاوز الشهور!

تقولي أمي وأمك دائما عند كل مناسبة ؛ "إحنا كبرنا، البسوا انتوا وافرحوا انتوا"، ونصدق نحن كالحمقى، وهل تكبر أنثى على الفرح؟! وتقول "فرحتي لمّا تلبسوا انتوا وتفرحوا انتوا" أتصدق أن ثمّة أنثى لا تحب شراء الملابس الجديدة والفرح والسعادة، هي فطرة ربانيّة لكن ثمّة فطرة أخرى أقوى من الأولى توجهها وهي فطرة الأمومة، صادقة هي حين تقول بأن سعادتها نحن ولكن علينا ألا نصدقها ونتقاسم الفرح معاً نصفا وثلاثة أرباع.

"البندورة والخبز والمعلبات والـ......" التي يأتيك بها أبوك في آخر الشهر وتبتلعها وأنت تقول "واجبه" "وهوه شو عامل" هي من عدد أنفاسه المقدرة له في هذه الحياة، هي من عدد دقات قلبه، من عمره!

"قسط الجامعة، ثمن جهاز اللابتوب" الذي دفعته لك أمك، هو من وجع ظهرها وانتفاخ قدميها، من ضعف نظرها، من عدد الشيب في شعرها، من كل سنٍ نبت لك فأوهن عظماً في جسدها.!

لم يشتري لي والدي سيارة، ولم تدفع لي أمي رسوم الدراسات العليا، أجل، لكن هل اشترى والدي لنفسه سيارة؟! هل اشترى لنفسه حذاءً جديدا!! هل ذهبت أمي لطبيبٍ خاص لتحظى ببعض السكون ليلا؟! هل لبست أمي في يدها سوارةٌ من ذهب؟!!

هي دعوة لتبادل الأماكن فقط، لأجل المغفرة والرحمة، لنغفر لهم تقصيرهم "بمنظورنا"، هل كانا ملزمين بكل هذا العناء لولا المضغة التي جبلت على الرحمة والعطاء بين ضلوعهم؟!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع "بصائر" اﻹلكتروني في الشؤون التربوية واﻷسرية ، وصحفية وكاتبة في صحيفة "السبيل" اليومية في الشأن السياسي والشبابي .

شاهد أيضاً

5 أمور يمكنها مساعدتك حين لا ترغب بفعل أي شيء!

كثير يعانون من قلة الدافع عند أداء أعمال معينة مهما كانت مهمة بالنسبة لهم، مثل …