من أجل هؤلاء .. نستمر في الكتابة

الرئيسية » بأقلامكم » من أجل هؤلاء .. نستمر في الكتابة

أخذنا الأستاذ في جولة خارج المدرسة لزيارة سوق فيها مختلف أنواع الدكاكيين، وكان الأولاد في الصف قد تحضروا جميعهم لهذه الرحلة، وحمل كل منهم مبلغا من المال ليشتري به ما يريده.

لما وصلنا، وبعد جولة في السوق، اختاروا جميعهم الدخول إلى دكان للألعاب، تزاحموا لدى الباب كل يستعرض ويعدّ ما في جيبه من نقود لشراء الألعاب الالكترونية التي كانت قد نزلت إلى الأسواق للتو في حينه.

اصطفوا بالدور، وبدأوا تحت إشراف المعلم بالدخول واحداً واحداً ليأخذ نسخته من تلك اللعبة التي شغلت الناس في بهرجتها وحداثتها، وصدعت رؤوسنا الدعايات عنها في التلفزيونات والشوارع.

دسست يدي في جيبي، وأخرجت ما أعطتني أمي من دراهم، قبضت عليها بكفي، ووجدتها غير ثقيلة، انسحبت بهدوء، ورجعت عن مكاني واصطففت بعد ولدين قدمتهما علي، وكان الرتل يضج بالضحك والنكات، هذا يدفع هذا، وذاك يلعب بشعر ذاك، وثالث يأكل شطيرته، فسألني الولد الذي اصطففت وراءه عن سبب تغييري مكاني، قلت: أريد أن أفكر جيدا في اللعبة التي سأختارها.

ضحك وأجاب: كلنا سنشتري الننتندو.. وأنت ستفكر، لا توجد هنا إلا ننتندو واحدة.
سكتُّ وتشاغلت عنه.

ثمَّ عدت إلى دراهمي التي كانت قبضة يدي تمسك بها، أعدها بحذر حتى لا يراني الأولاد في هذه الحال، فأُصبح مادة لتندرهم وسخريتهم.
عددتها فإذا بها لا تتجاوز الثلاثة عشر ريالا!، وكيف سأشتري الننتندو بثلاثة عشر؟!.

بدأت أتعرق وأشعر بالغثيان، وأنا أرى الأولاد عائدين من عند الصندوق يحملون لعبهم يتفاخرون بها، نظرت يمنة ويسرة لا أدري ما أفعل.. ثمَّ خطر في بالي خاطر.

ذهبت إلى الأستاذ وقلت له أنني متعبٌ وأريد أن أذهب الى الحمام لأغسل وجهي، أخذني وطلب إلى موظف هناك أن يدلني على الحمام.

لما دخلته.. لم أستطع ولا حتى أن ألمس المغسلة لشدة قذارتها، لكنني نظرت في المرآة الملطخة بالغبار الملتصق عليها، قد حاول بعضهم تنظيفها بخرقة هي أشدّ قذارة منها، فرأيت وجهي هناك، نظرت ثم نظرت.. وفكرت، وعدت لعدّ الريالات، لكنّها مازالت ثلاثة عشر ريالاً.

18618770 أعدتها الى جيبي، وأنا أسمع نقر الأستاذ على الباب لأخرج، عدت الى الرّتل، لكنني وقفت آخره، قال لي الاستاذ عد إلى مكانك، قلت: لا بأس أنا بخير هنا.

تركني الأستاذ وراح يراقب عملية شراء الأولاد للعبهم فرحين بها يتقافزون ويتنافسون.

كان مكاني في آخر الرتل قد جعلني خارج الدكان بصورة عملية، ورحت أبحث بين لعب الدكان عن شيء يمكن ابتياعه بثلاثة عشر ريالاً، لكنني لم أجد غير سيارات صغيرة جدا لا يليق بأولاد في الثانية عشرة من أعمارهم أن يشتروها.

كنت واقفا هناك متململا، أتلفت يمنة ويسرة، والرتل يتقلص ببطء.

بدأت أنظر خارج الدكان يمنة ويسرة، ولفت نظري أن مكتبة محاذية تماما للدكان، قد بدأ صبيانها من العمال بنصب مصطبة خشبية خارجها، وصف الكتب لعرضها على المارّة.

راقبت عملهم، وعنايتهم بتلك الكتب، ولمعت في ذهني خاطرة رائعة، ودون تردّد، ذهبت إلى أستاذي، وقلت له متباهيا أمام الجميع، لا أريد شراء لعبة يا أستاذ.
قال: وإذن؟
قلت: أريد أن أشتري كتاباً!

نظر الأستاذ إليَّ متأثراً جدّاً وفي احترام شديد، ردّد :ما شاء الله، ما شاء الله.. ثمَّ قال وهو يتوجّه إلى الأولاد: أرأيتم إلى زميلكم هذا.. يود شراء كتاب! هذه هي التربية! ما شاء الله عليك.
بادرته قبل أن ينطفئ وهج اللحظة: اسمح لي أن أذهب إلى المكتبة المجاورة فأنظر في كتبها..
تردّد الأستاذ، ثمَّ وواثقاً من تربيتي الحميدة، قال لي: خمسة دقائق ثم تعود إلينا هنا.

ذهبت إلى المكتبة أتقافز بعد أن نلت حسد كل الرفاق الذين بدوا هناك مع "ننتندواتهم" صغارا تافهين، وقد كانوا قبل لحظات فقط يتيهون بورقات الخمسين ريالا، أو المائة التي منحها لهم الآباء الأغنياء.. لم يفكر أي منهم في أن طفلا في تلك المدرسة، وفي ذلك الصف لم تستطع أمه أن تعطيه أكثر من عشرة ريالات ضمها إلى ما كان لديه فأصبحت ثلاثة عشر ريالا.. لا يمكنها تسديد ثمن لعبة لشاااب في الثانية عشرة من عمره!.
تجوّلت بين الكتب، كل كتب الأطفال تلك كنت قد قرأتها، وكلها تتحدث عن الفتيات، سندريلا، ليلى، الجميلة النائمة.. كانت كلها عناوين إما قد قرأتها وإما سخيفة، من العار على من هو كبييير في مثل سني أن يبتاعها!!.
لفت نظري هنالك كتاب عنوانه "حكايات".. قلبته فلم أجد فيه أية صورة، زممت شفتي، ثم عدت لتقليبه، ووقع نظري على ثمنه.. 12 ريالاً؟!.
جاءني صوت الأستاذ يدعوني أن أنضم للمجموعة التي أصبحت في طريقها للعودة إلى المدرسة، فحسمت أمري واشتريت الكتاب على مضض، دفعت الريالات، وأخذت الكتاب في كيس المكتبة الأنيق، وأعدت الريال المتبقي إلى جيبي.. والتحقت بالمجموعة التي انطفأ بريق فرحها بالألعاب، برؤية كتابي ذاك أقلبه بين يدي، والأستاذ يقربني ويسألني عنه متفاخرا بي بين الطلاب.
عدت إلى البيت .. وحدّثت أمي عن رحلتنا، وكانت في غاية الفخر والسرور بخياري الموفق.
فأن تشتري كتاباً ، بينما كل أولاد صفك قد اشتروا الألعاب، بدا ذلك حدثا استثنائياً، حتى لو كان قضاءً وقدراً مرتبطاً بما كنت تحمله في جيبك من دراهم معدودة!.
في المساء عندما أويت إلى فراشي، تناولت الكتاب، رحت أقلبه من جديد ، وبدأت من آخر حكاية فيه، لفتت نظري وشدني عنوانها: "الموت غربة".. أردت أن أعرف كيف يموت الواحد منا غربة!.

لم أنم تلك الليلة.. قرأت الكتاب كاملاً.
بكيت، خفت، ارتجفت، غرقت، نجوت، ذهبت إلى سوق الأحد مع رحمة، أمسكت بيد يمان، كرهت ولم أستوعب ما فعل محمد الأمين.
مرضت.. ولم أذهب في اليوم التالي إلى المدرسة.

ذلك الكتاب الذي اشتريته، لأنَّ ما في جيبي من نقود لم يسعفني لشراء الننتندو .. ذلك الكتاب، غيَّر حياتي كلّها.
ما كان يمكن لي أن أكون على ما أنا عليه اليوم لولا ذلك الكتاب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الإعراض والاستجابة …. في سورة الأحقاف

منذ أن تقرأ فواتح سورة الأحقاف.... تجد عرْضا مُفحماً للحجج والبراهين التي تؤكد صفات الربوبية …