أحسنوا تربيتهم قبل أن تفقدوهم!

الرئيسية » بصائر تربوية » أحسنوا تربيتهم قبل أن تفقدوهم!
brainprocess11

دائماً ما يتساءل الكثير من المربين عن سبب انتشار حالات العزوف والسلبية داخل الصف الدعوي، وظهور مشاكل تربوية أو فكرية قد تتعلق أحياناً بجوهر وروح الدعوة، والتي ينبغي أن لا يتم الخوض فيها من الأساس لكونها معروفة بدها!! وكأن بعض الأفراد داخل الصف الدعوي باتوا فاقدين للمناعة من الخارج، فترى أية مشكلة أو فتنة جديدة تؤثر عليهم بشكل واضح لا لبس فيه.

ومما يكرّس هذا الأمر، أننا نجد في ساحاتنا الدعوية الكثير –خصوصاً من الشباب- من يذهبون لحضور اللقاء التربوي إجباراً أو على استحياء، أو خوفاً على استمرارية عمله الدعوي من الانقطاع، لذا يصرّح بعضهم أن اللقاء الدعوي التربوي لا يعتبر أهمية بالنسبة له، بقدر ما يلزمه الارتباط بالدعوة، ووجوب حضور فعاليتها وأنشطتها ومن بينها اللقاء التربوي!

وأزعم في كلامي أنني لا أتكلم عن بعض من الشباب بقدر ما أتكلم عن المحيط الذي أعايشه –على الأقل- حيث يعانون من ذات المشكلة، إذ اللقاء التربوي هو أمر تقليدي بحت، لا يحكمه تغيير، ولا يقبل التجديد، سوى في المربي، أو اسم الكتاب المقرر، أو في ترتيب الفقرات داخل اللقاء!

والسؤال المهم في هذا الصدد، ما الذي جعل هذا الحاجز موجوداً وجعله وجوده لدى بعض شبابنا ظاهرة لا يمكن إنكارها؟ ومن الذي ساهم في فقد الكثير من الشباب للقيمة العلمية والتربوية والفكرية داخل اللقاء التربوي ، فبات البعض لا يهتم إلا بأبرز التبليغات الواردة، ثم لا يصغي بعناية لأية معلومة إن كان موجوداً من الأصل، ولم يتخذ أي عذر للتغيب عنه، وإن أصغى لها فإنها لا تجاوز مكان جلوسه ولقائه.

لست من الذين يحبون جلد الذات، أو إلقاء التهم جزافاً على هذا أو ذاك، بقدر ما يهمني أن أشير إلى أن هناك مشكلة حقيقية لا يصح أن نتغاضى عنها، أو نخدع أنفسنا فنقول بأنها محصورة ببضعة أفراد هنا، أو منطقة معينة هناك.

من أول الأسباب الحقيقية التي تكرّس وجود مثل هذه الظواهر، هو عدم مراعاة متغيرات الزمن والمجتمع

زمان غير زمانكم..

إن من أول الأسباب الحقيقية التي تكرّس وجود مثل هذه الظواهر، هو عدم مراعاة متغيرات الزمن والمجتمع. فمثلاً كشاب أعيش في القرن الواحد والعشرين، أختلف من حيث الظروف والمشاكل والتحديات عن حياة وظروف شيخي الفاضل، الذي ناهز حدود الستين من العمر، مع كامل حبي واحترامي له.

صحيح أنه من الظواهر الصحية أن يكون المربي صاحب خبرة وتجربة، فمنه نتعلم الحكمة والروية ، ونعالج بهدوئه ورجاحة عقله الاندفاعية والتهور والتي يتصف بها الشباب، إلا أن طبيعة المواضيع والمشاكل التي يعانيها الشباب قد لا تكون من ضمن اهتمامات الساحات الدعوية التي ينتمي إليها المربي من الأساس.

شبابنا اليوم يصارعون الكثير من التحديات الميدانية والفكرية والتربوية، ناهيك عن متغيرات الواقع وتحدياته المستجدة. وهذا يحتاج إلى معالجة تربوية وفكرية متكاملة لا تدعهم فريسة لكل ما حولهم، فيصبحوا كالسفينة التي تتقاذفها الأمواج العاتية، وتحركها الريح يمنة ويسرة، فمرة ينكر السنة ويجرح الصحابة، وتارة يحيد عن درب الاعتدال فيجنح للتشدد وحب القتل وإزهاق الأرواح تحكيماً للشريعة، ورفعاً لراية الإسلام!

الأفكار الهدامة، ومحاولات حرف بوصلة الشباب عن اتجاهها، باتت تطرق أبوابهم يومياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي لا يستطيع أي أحد أن يتجنبها

إن الأفكار الهدامة، ومحاولات حرف بوصلة الشباب عن اتجاهها، باتت تطرق أبوابهم يومياً من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة التي لا يستطيع أي أحد أن يتجنبها، أو يحمي نفسه من التعرض لها، مما يعني مزيداً من التعقيد في المشهد التربوي، الأمر الذي يستدعي مزيداً من العناية والاهتمام.

في عالم الطب، حينما يبدأ داء معين بالظهور، تبدأ وزارة الصحة في الدول "التي تهتم بمواطنيها"، بنشر بعض اللقاحات التي تحمي الأفراد وتعطيهم الوقاية منه، من خلال تشجيع المناعة الداخلية لهذا المرض أو ذاك، ناهيك عن تعريف المجتمع بالمرض، وأهمية أخذ اللقاحات له، ومن ثم توفير السبل التي تمنع من انتشار العدوى داخل المجتمع وبين أفراده.

إن قادة الدعوة ومربيها، يلعبون دوراً أهم من دور وزارات الصحة ، ففي وعيهم لما يواجهه شبابهم من تحديات وأفكار هدامة، حماية للصف من انتشار الأمراض الخبيثة بين أفراده، وتعزيز للثقة بينهم وبين الأفراد، وصون للمجتمع من انتشارها بينهم.

حتى لا نفقدهم

إن وسائل التربية ليست توقيفية، أي لا يصح تغييرها، بل هي توفيقية تقبل التغيير والتجديد ، لكني أرى أن صحبة المتعلم للمربي أمر ضروري؛ لأنه لا يأخذ العلم عنه بقدر ما يجد فيه القدوة التي يتعلم منها السلوك المرغوب ويساعده على الفهم وتكوين الشخصية المطلوبة من قبل الدعوة.

وحتى لا أطيل، ففي المدرسة النبوية نجد أن التواصل التربوي كان أمراً هاماً في جميع المراحل، بدءاً من دار الأرقم، وانتهاء بالمسجد النبوي، واجتماع الصحابة بمربيهم صلى الله عليه وسلم، رغم اختلاف الظروف، ورغم اختلاف الخطاب القرآني وكذلك النبوي بين ما قبل الدولة، وما بعدها، أي في المرحلتين المكية والمدنية.

لا بد أن تهدف التربية إلى مساعدة الفرد على اكتشاف نفسه وفهم عناصر شخصيته، بحيث يحدد من خلالها طبيعة علاقته بالمجتمع من حوله. ويقدم في ضوء ذلك ما يستطيع تقديمه لإنجاح العملية الدعوية

وبناء على ما سبق، لا مانع من المراجعة المستمرة لطبيعة المناهج، وكيفية إدارة العملية التربوية داخل الدعوة، والتي لا بد أن تنطلق من منطلقات عدة منها:

أولاً: إيجاد الثقافة العالمية التي لا تجعل الأفراد منعزلين عن الآخرين، وإنما تكسبهم القدرة على الانتشار بين الناس، وعدم التقوقع على أفراد معينين، أو التعالي على باقي أفراد المجتمع.

ثانياً: لا بد أن تهدف التربية إلى مساعدة الفرد على اكتشاف نفسه وفهم عناصر شخصيته، بحيث يحدد من خلالها طبيعة علاقته بالمجتمع من حوله. ويقدم في ضوء ذلك ما يستطيع تقديمه لإنجاح العملية الدعوية، لأن الدعوة هي عملية تفاعليه، هناك من يرسل الرسالة، وهناك من يتفاعل معها عن ظهر قلب فيعمل على إنجاحها والتضحية في سبيلها إن لزم ذلك.  

ثالثاً: تحرير الفرد من الهوى والتبعية، والقدرة على التفكير المتزن في كافة شؤونه وأنماط سلوكه وعاداته وطرائق حياته وتصوراته، بحيث لا يقع فريسة سهلة للأفكار الجديدة، ويعتمد على المعرفة الموضوعية في معالجة المستجدات المختلفة.

رابعاً: الاستفادة من مناهج التربية الحديثة والانفتاح على التيارات المعاصرة في ميادين العلم والثقافة، وأخذ الفائدة منها والتي تخدم العملية التربوية، وتجعلها أكثر حيوية وملاءمة لواقعنا. فلا يصح أن نبقى منغلقين على بعض المفكرين، وإنما الحكمة ضالة المؤمن، وهو أولى بها أنّى وجدها.

الأصل أن كل وسائل التربية تخدم القيمة التي يريد المربي أو القائمون على التربية أن يغرسوها في الأفراد

خامساً: التربية المستمرة، فالأصل أن كل وسائل التربية تخدم القيمة التي يريد المربي أو القائمون على التربية أن يغرسوها في الأفراد. فحين نتكلم عن التضحية مثلاً، فإنه لا يصح أن نذكرها كموعظة، نلقيها على الأفراد ثم نمر عليها مرور الكرام، بل لابد من العمل على ترسيخ هذه القيمة في نفوسهم، وتوفير الوسائل التربوية المختلفة لتحقيق ذلك، وإلا كانت كلاماً لا فائدة منها، وهو ما يتنافى مع جوهر العملية التربوية وروحها. ويدخل في هذا، التقييم المستمر للعملية التربوية ودراسة مدى نجاحها، وسد مكامن الخلل فيها فيما بعد.

سادساً: الإحاطة بالتحديات الموجودة، وحصر المشاكل في كل ساحة من الساحات التربوية، فقد يكون في إحدى الساحات ما لا يوجد عند الأخرى. وهذا يحتاج منا إلى التعرف على هذه المشاكل بعمق، وتوفير المختصين الذين يستطيعون معالجة هذه المسائل؛ لأن المربي لا يمتلك القدرة على أن يكون ملماً بكل الأمور، لكنه على الأقل سيكون وسيطاً يحيلهم على من يروي ظمأهم من هذه القضايا، وهذا بدوره سيؤدي إلى إبراز شخصيات متخصصة في قضايا مختلفة، مما يعطي للصف الدعوي قوة وثقة أكبر.

ختاماً.. أستذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية".  وهذا بدوره يعني أن يعيش الأفراد في بيئة تربوية آمنة، مع معالجة أبرز المشاكل التي تحيط بهم، والمخاطر التي تحرف بهم عن وجهتهم، وتطيح بهم وبما تعلق عليهم الأمة من آمال وطموحات.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

التربية والمجتمع.. لماذا نقف فقط عند باب المدرسة؟!

نكادُ لا نقرأ كلمة "التربية" في وقتنا الحاضر، إلا وهي مقترنةً بكلمة "التعليم" فقد اختزلت …