التفكير الانحيازي

الرئيسية » بأقلامكم » التفكير الانحيازي
large__1462194928_41.142.119.245

عادة ما يشار إلى التفكير الإنحيازي (الرغائبي) في سياق المحاورات والمجادلات الفكرية والسياسية بصفته آفة ذهنية، ومسار مضللا يقود إلى نهايات خاطئة، فلا يمكن حسم أي قضية حوارية بين أطراف مختلفة إذا كان يقودهم تفكير تتحكم فيه الأهواء والأماني.

وبالتالي: نطالب الكل "بالتجرد" إزاء الموضوع مدار البحث، ونطالبه بـ "ما أمكن" لأن فصل الإنسان عن سياقاته ونشأته وخلفياته يكاد يكون أمرا مستحيلا.

إن الانحياز (والعنصرية) مثل جبل الجليد الذي نرى جزءا يسيرا منه بينما يتوارى أكثره، ويصعب كشفه، كما أن خفاءه ينسحب على صاحبه أيضا، يراه الآخرون ولا يراه حامله، ولا يقدر على استخراج مكنونات نفسه إلا غواص بارع مفكر قضى دهرا يعارك نفسه ويتتبع دواخلها وتشعباتها.

لكنها للحقيقة المرة الأولى التي أتعرف فيها على (التفكير الرغبوي) بصفته (مرضا أو انحرافا نفسيا) ناقشة علماء النفس باستفاضة، وقاموا بشرحه وتصنيفه وتقسيمه، بل وإخضاعه إلى الدراسات المخبرية، والأغرب أن هذا ليس جديدا، بل شاع منذ أواسط القرن العشرين الماضي.

يعرّف التفكير الإنحيازي/ الرغائبي/ الأحادي بأنه: (الميل نحو تفسير المعلومات وتذكرها بطريقة تتوافق مع القناعات)، وقام العلماء بتقسيمه إلى ما يلي:

  1. البحث الانحيازي عن المعلومات
  2. التفسير المنحاز
  3. الذاكرة المتحيزة

ثم قاموا بدراسة الجوانب التاليه فيه:

  1. تاريخه
  2. مجالاته (في السياسة والدين والفكر والقانون والعلم)
  3. عواقبه (على العقل والنفس والصحة والمجتمع)
  4. متعلقات حول التفكير الانحيازي (مثل تضارب الرأي، استمرار المعتقدات المهزوزة، الانطباعات الأولية، الربط الوهمي، الفروق الفردية... إلخ)

وقد أظهرت سلاسل من التجارب بدأت منذ ستينيات القرن الماضي في معاهد علم النفس الأمريكية كثيرا من الدلالات والنتائج التي توضح المقصود، وبعضها لا يخلو من طرافة.

ولأن المقام لا يتسع لسرد كل تلك التجارب بشكل استقصائي فنكتفي ببعضٍ منها منتقاة ومبسطة بتقشير كثير من ضوابطها العلمية واستدراكاتها بما يتناسب مع المقام.

المثال الأول: التفسير الانحيازي

أُجريت دراسة أثناء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2004م، وكانت العينة مجموعتين متحمستين لأحد المرشحين: جورج بوش وجون كيري.

احتوت الدراسة على تصريحات متناقضة لكل منهما، وكان على العينة أن تقرر إذا كان التناقض موجودا فعلا. ثم عرضت توضيحات للتناقضات، وكان المطلوب تقييم مدى نزاهة التوضيحات.

وأظهرت الدراسة بوضوح ميل كل فريق لتبرير تناقضات مرشحه المفضل والتساهل في محاكمة كلامه، مع التأكيد على تناقض الغريم والتشديد في معايير صدقيته.

والطريف أنه تم تصوير أدمغة المشاركين بجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي بتقنية (MRI) وتبين إثارة مراكز العاطفة أثناء الدفاعات عن المرشح المفضل والهجمات على المرشح الغريم.

المثال الثاني: الذاكرة الانتقائية

قرأ المشاركون ملف إمرأة يصف مزيجا من التصرفات الانطوائية والانفتاحية، ثم كان المطلوب تذكر صفاتها بعد أن قيل للمجموعة الأولى أنها مرشحة لوظيفة (أمين مكتبة) وقيل للمجموعة الثانية أنها مرشحة لوظيفة (مندوب مبيعات).

تبين أن كل مجموعة قد تذكرت الصفات الأقرب لطبيعة الوظيفة وأهملت الأخرى.

المثال الثالث: تفضيل المعلومات الأولية

لو قيل لك أن إبراهيم شخص ذكي، مجتهد، تلقائي، انتقادي، عنيد، حسود... وأن باسل شخص حسود، عنيد، انتقادي، تلقائي، مجتهد، ذكي، فما هو الانطباع عن كليهما؟

معظم الناس يصفون الأول إيجابيا والثاني سلبيا بينما هي في الواقع نفس الصفات بترتيب مختلف.

ثم انتقلت البحوث بعد ذلك إلى الجانب التطبيقي في مجالاته المختلفة، ففي المجال المالي يتسبب الانحياز في خسائر استثمارية إذا تعاظمت ثقة المستثمر باتجاه قرار معين يحمل في طياته تجاهلا لإشارات تنذر بالخطر، وكان الحل أنه يمكن استشارة خبراء علم النفس لوضع تكنيكات تساعد على الخروج من الانحياز، مثل تصور الخسارة، ووضع قوائم متقابلة (مع/ضد) وهكذا...

وفي المجال الصحي لوحظ أن بعض وزارات الصحة تتغافل عن دواء معين ثبت عدم جدواه بسبب ما أحاطه من هالة تقدير سابقا رغم ورود مؤشرات إحصائية تخالف ذلك.

وفي مجال خوارق الطبيعة لوحظ أن المستفتين يأخذون من كلام العرافين ما يتناسب مع الهوى، لأن هذا يعطيهم الشعور بالارتياح، والعرافون خبثاء، وبارعون جدا، فهم يدركون ذلك ابتداء، فيسبرون أغوار المستفتى ليعطونه الآمال التي يتمناها.

وكذا في مجال البحوث العلمية والاكاديمية والتحليل السياسي.

لكن الأخطر في مجال القضاء، وفي واقعة مشهورة استمر المحلفون والقضاة في تثبيت الجرم رغم ظهور أدلة واضحة تبرؤ المتهم وتقدح في أدلة الاتهام وأمضى المتهم سنوات في السجن قبل أن يفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

حسنا، نكتفي بهذا...

الحقيقة ليس الهدف من هذا المقال التعرف على علم جديد، ومعلومات ثقافية تضاف إلى رصيدنا، بل نرمي إلى معالجة أنفسنا، يجب علينا أن نشق الصدر لاستخراج واحد من عيوب النفس العميقة المتجذرة التي تصعب إلا على أولي العزم.

وإذا عرفنا أن "التجرد عن الهوى" مفهوم  أصيل في خلق المسلم كان هذا أعون في مقاومته، وهذا المفهوم له إشارات كثيرة في القرآن والحديث وأقوال العلماء والسلف وفي كتب الرقائق والتزكية، وبسطه أمر يطول، وربما كان من الأفضل أن يفرد بحديث خاص.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

نصيحة لطلاب العلم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من …