الداعية.. ومعركة إثبات صدق الدعوة أمام المغريات

الرئيسية » بصائر الفكر » الداعية.. ومعركة إثبات صدق الدعوة أمام المغريات
da'wa23

شاء الله تعالى أن تمر على الأمة، والحركة الإسلامية الطليعية فيها، في الوقت الراهن، بحزمة من الأزمات، تفرض الكثير من الفحص في المشكلات القائمة، باعتبار أن هذه المشكلات هي من أهم عوامل تعويق الأمة وطليعتها التي تسعى إلى استعادة خيرية الأمة، والنهوض بالمشروع الإسلامي الحضاري.

وتفرض هذه المرحلة، المراجعات المستمرة، والتي لها أهمية خاصة على الأقل في تبصرة القائمين على الأمر بما يجري ويتم، من أجل تحسين الرؤية وتضمينها كيفية التعامل مع المشكلات، التي تعترض المسيرة.

ولعلنا لا نخرج عن الواقع الحركي والدعوي لو تناولنا بعض الأمور التي تواجه صيرورات الإسلام نفسه وانسياحه في عالمنا المعاصر؛ حيث إن أهم دعم تلقاه جهود العمل الحركي والدعوي، يأتي من الإسلام نفسه؛ بكل ما فيه من قيم وجماليات، ومحتوىً حضاري وعمراني، يرتقي بالإنسان.

فلا تأبى الفطرة الإنسانية السليمة الاستماع إلى الحق، ولذلك؛ فإن رسالة الإسلام عندما تصل بمحتواها الحقيقي إلى الآخر؛ فإنها تجد لديه قبولاً على الفور، ما دامت فيه بذور الخيرية.

إلا أن الصورة الذهنية التي يتم تصديرها للإسلام في الوقت الراهن، إلى الآخر غير المسلم، خصوصًا في المجتمعات غير المسلمة، والتي في بعضها إما هي بعيدة للغاية عن محتوى الإسلام في سياقاتها الاجتماعية التاريخية، أو تسيطر عليها أيديولوجيات تناصب الإسلام العداء، مثل الغرب الأمريكي والأوروبي؛ حيث تسيطر الليبرالية والعلمانية في أعنف صورها، وحيث الحضارة اليهودية المسيحية تتحكم في مفردات القيم والحياة اليومية للمواطن؛ هذه الصورة الذهنية التي يتم تصديرها، هي صورة ذهنية سلبية.

ويتم ذلك إما بشكل متعمد من جانب بعض الخصوم أو المتآمرين معهم من بين بني جلدتنا في عالمنا العربي والإسلامي، أو بشكل غير متعمد، من خلال سوء إدارة الملف الدعوي، أو سوء سلوك بعض المسلمين، أو تجاوزات بعض الدعاة.

ولو وقفنا عند هذه الجزئية الأخيرة؛ سوف نضع أيدينا على صلب مهم من مكونات المشكلات التي تواجه الإسلام في الوقت الراهن.

فتخضع بعض هذه المشكلات إلى سلوك المسلمين وبعض الدعاة، في المجالَيْن السياسي والاجتماعي، أو في كليهما معًا.

أهم دعم تلقاه جهود العمل الحركي والدعوي، يأتي من الإسلام نفسه

مبدئيًّا، يجب التنويه إلى حقائق مهمة تمثل الأرضية التي لا شك ولا جدال فيها، لكي نقف عليها.

الحقيقة الأولى أن بُنيان الإسلام متين، ومنطقه محكم قويم، لذلك أساسه الإلهي واضح؛ لا جدل فيه، ومن ثَمَّ؛ فإنه وحده، قادر على "التسويق" لنفسه، من دون أية محاولات لتجميله، أو تحميله ما ليس فيه، وهذا أمر واضح في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

الحقيقة الثانية المهمة، هي أن حكمة الخالق عز وجل، شاءت ألا يتكسب محمدٌ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" في حياته من وراء دعوته، شيئًا، ولا أن ينال من مُلك الدنيا بالمعنى المعنوي أو المادي، وذلك حتى تكون المصداقية هي أساس القول، والإخلاص هو أساس الفعل.

ولذلك كان موقفه الواضح من عروض صناديد قريش "المغرية" بمقاييس الدنيا، ورفضه لها بالقطع، وإصراره على أداء دوره في قيادة البشرية بالكامل نحو النور؛ كان عاملاً مهمًّا في تمكين الإسلام في المدينة المنورة أولاً، ثم مكة المكرمة، وسائر بلاد شبه الجزيرة العربية عندما توفاه الله عز وجل.

وكان لسلوك الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، بنفس الطريقة التي وجدوا النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، عليها، دور مهم للغاية في هزيمة الدولة الإسلامية الوليدة، بعناصر عربية كانت قبل سنوات قليلة تقتتل بين بعضها البعض، ولا تعرف من حضارة الدنيا إلا القليل؛ لأكبر قوى الشر والعبودية في التاريخ، ونشر نور الإسلام والتحرر من ربقة العبودية للبشر والجمادات والحيوانات، في بضعة سنوات قليلة.

ولقد أدرك الكثيرون من السلف الصالح ذلك، فنجد بعضهم قد أفتى حتى بحرمة التقوُّت من العمل الدعوي، أيًّا كان المقابل، وأجاز بعضهم للدعاة والمفسرين والمحدِّثين والمحفِّظين، فقط أن يأخذوا ما يكفي قوت يومهم.

كان أكبر رموز الدعوة عبر التاريخ، يحرصون على أن يجعلوا عملهم الدعوي خالصًا لوجه الله، فكانت لديهم أعمالهم الأخرى التي تعينهم على حياتهم

والتاريخ به الكثير من النماذج التي تؤكد أن ذلك كان أمرًا شديد الأهمية والجدية لديهم، فكان أكبر رموز الدعوة عبر التاريخ، يحرصون على أن يجعلوا عملهم الدعوي خالصًا لوجه الله تعالى، فكانت لديهم أعمالهم الأخرى التي تعينهم على حياتهم، ولم يكونوا يستصغرون أي عمل، فالإمام أحمد بن حنبل، كان يعمل حمَّالاً بالأجرة، بل إن بعضهم تحرى في ذلك، لدرجة أنه كان ينفق على الدعوة من ماله الخاص، فكان الإمام أبو حنيفة النعمان، ينفق من عوائد تجارته على طلبة علمه.

وحتى من ملك منهم المال والدنيا؛ كان شديد الزهد والتشقف؛ لكي تكون له مصداقيته أمام جمهوره وطلابه، وكان في سبيل طلب العلم، يخضع لكل المشاق، وكان من بينهم من يقصد المدينة المنورة أو بغداد أو القاهرة، وغيرها من حواضر المسلمين، من المغرب على راحلته، لكي يتعلم حديثًا واحدًا للنبي "صلى اللهُ عليه وسلَّم"، أو يتأكد من سنده!

فكيف أدعو الناس للتعب في طلب العلم، بينما أنا أقعد عنه! وكيف أدعوهم للزهد والخير، وأنا أرتدي أفخر الثياب والمناظير والساعات المذهبة، التي تحصلت عليها من مال ظهوري في الفضائيات، أو في المساجد؟!

الأسوأ أن يتحول الدين إما إلى مبرر لأفعال الساسة، من جانب دعاة السلطان، أو يتم استغلاله وتحريفه لكي يشتري به البعض من بين ظهرانينا، ثمنًا سياسيًّا قليلاً

الأسوأ من ذلك، هو أن يتحول هذا إلى المجال السياسي كذلك، فيتحول الدين إما إلى مبرر لأفعال الساسة، من جانب دعاة السلطان والشيطان المنحرفين، أو يتم استغلاله وتحريفه لكي يشتري به البعض من بين ظهرانينا، ثمنًا سياسيًّا قليلاً!

في القرآن الكريم، وردت العبارة التي تذم في استخدام آيات الله تعالى ودعوته، بالثمن القليل، سواء بالكتمان، أو المتاجرة مع البشر، والمماراة في كلام الله عز وجل وشريعته، تسعة مرات، وفي كل مرة منها، وعيد إلهي لمن يقومون بذلك، ومنها ما وصف فيه رب العزة سبحانه، من يقومون بذلك بالكفر صراحة، والعياذ بالله، ولم يميز القرآن الكريم في ذلك بين أهل الكتاب أو المسلمين، أو أي صنف آخر من الناس، أتتهم آيات الله تعالى، فباعوها بأبخس الأثمان.

يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سُورة "آل عمران" - الآية 77].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
"باحث مصري في شئون التنمية السياسية والاجتماعية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والإدارة العامة من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، عمل سكرتيرًا لتحرير مجلة "القدس" الشهرية، التي كانت تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وعضو هيئة تحرير دورية "حصاد الفكر" المُحَكَّمة، له العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام"، وإيران وصراع الأصوليات في الشرق الأوسط"، وأخيرًا صدر له كتاب "أسس الحضارة والعمران في القرآن الكريم"، وله تحت الطبع كتاب بعنوان "الدولة في العالم العربي.. أزمات الداخل وعواصف الخارج".

شاهد أيضاً

إضاءات جديدة حول حرية الاختيار والمُعتَقَد كأصلٍ في القرآن الكريم

تُعدّ قضية حرية الاختيار واحدةً من أهم مباحث الحقوق الفردية في نظرية الحق في الدراسات …