الدّمعُ دواء .. هل جرّبته؟

الرئيسية » خواطر تربوية » الدّمعُ دواء .. هل جرّبته؟
1422960944
4.47 / 5 (15 votes)

الأرضُ الهامدة التي لا نبات فيها، والوادي غير ذي زَرْع، والبراري القاحلة، تشتاق إلى قطرة ماء تُنعش تربتها، وتبعثُ بالحياة لأركانها، قال الله تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}. (الحج: 5). بل وتنمو وتنبت وتزهر بعد جَدْبٍ وجفافٍ وقَحْط..

والأرض المُجدبة الخاشِعة المتَغَبّرة المُتَهَشِّمة النبات، تشتاق إلى رذاذ المطر وسقيا السماء حتى تهتزّ وتربو وتحيا من جديد، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. (فصلت: 39).

كذلك القلوبُ القاسية التي ابتعدت عن الله، وقلّ خوفُها وخشوعُها، وكذلك المدامعُ المتحجّرة التي انقطع عنها الدّمعُ لكثرة الانشغال بالدنيا وزخارفها، تحتاج إلى قطرات من الدّمع ليبتلّ مجراها ويرقّ إحساسُها وتعودَ إليها الحياة، حياةُ الإيمان والسَّعادة والطمأنينة..

فمن الذي يرضى أن يضل قلبه قاسياً، وقد ورد التهديد الإلهي المخيف: {فَوَيْلٌ لّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ ٱللَّهِ أُوْلَـئِكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}. (الزمر:22). قال ابن الطبري في تفسيره: "فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت".

قطرة الدموع من خشية أغلى وأثمن من الأموال والذهب، لأنَّ مفعولها في القلب والنفس أنفع وأجدى

كثيرة هي أمراض القلوب التي يعاني منها الفرد ولا يجدُ لها دواء ناجعاً يشفي مرضه، وقد سئل الإمام ابن قيم الجوزية عن "رجل ابتُلِيَ ببلية، وعلم أنّها إن استمرت فيه أفسدت عليه دُنيَاه وآخرَته، وقد اجتهد في دفعِها عن نفسِه بكل طريق، فما يزداد إلاّ توقدًا وشدّة، فما الحِيلةُ في دَفعِها؟ وما الطريقُ إلى كَشفِها؟". فكان كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، أو "الداء والدواء". ففي هذا الكتاب مواعظ للشفاء من أمراض وعلل تصيب القلب والرّوح معاً.

وقد يكون الدواء بين يدي الفرد وفي متناوله، لكنّه يغيب عنه وتحجبه عنه عوائقُ وعوائدُ وعلائق، ولا وصولَ إليه إلاّ بهجرها والفكاك عنها، فمن يبحث عن المخارج وطرق النجاة، فعليه بالبكاء من كل ذنب وخطيئة، فعندما سُئل الرّسول صلّى الله عليه وسلّم عن النّجاة، أرشد أنَّ السبيل إليها يمرّ عبر ((وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)). (رواه أحمد والترمذي).

قد يكون الدواء بين يدي الفرد وفي متناوله، لكنّه يغيب عنه وتحجبه عنه عوائقُ وعوائدُ وعلائق، ولا وصولَ إليه إلاّ بهجرها والفكاك عنها

ووعظ مالك بن دينار رحمه الله يوماً فتكلّم، فبكى حوشب، فضرب مالك بيده على منكبه، وقال: (ابكِ يا أبا بشر! فإنه بلغني أنَّ العبد لا زال يبكي؛ حتى يرحمه سيّده، فيعتقه من النار).

وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ((ليس شيء أحبّ إلى الله من قطرتين وأثرين : قطرة من دموع خشية الله ...)). (رواه الترمذي). فقطرة الدموع من خشية أغلى وأثمن من الأموال والذهب، لأنَّ مفعولها في القلب والنفس أنفع وأجدى، وقد فهم هذا المعني الصَّحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال: (لأنْ أدمع من خشية الله أحبّ إليَّ من أن أتصدّق بألف دينار!).. ووعاه التابعي كعب الأحبار، فقال: (لأنْ أبكي من خشية الله فتسيل دموعي على وجنتي أحبَّ إليَّ من أن أتصدّق بوزني ذهباً).

معلومات الموضوع

الوسوم

  • البكاء
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    الضعف البشري بين التقبل والرفض

    الإنسان مخلوق أودع الله به ما من الطبائع والغرائز ما يشده إلى طينيته التي هي …