رسالة الشيخ رائد صلاح: حتّى نلتقي بعد 9 أشهر.. أستودعكم القدس والأقصى

الرئيسية » بصائر من واقعنا » رسالة الشيخ رائد صلاح: حتّى نلتقي بعد 9 أشهر.. أستودعكم القدس والأقصى
رائد صلاح27

بات مرتقباً أن أعتكف في سجني منذ يوم الأحد (8/5/2016) وحتّى تسعة أشهر، وحتّى نلتقي بعد هذه الخلوة القسرية التي ما رغبتها ولا أخافها، فإنني أسجل هذه الملاحظات:

1- ما دام السجن لا يمكن له أن يسجن إرادتي عن نصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين فلست سجيناً، وما دام الحبس لا يمكن له أن يحبس همّتي عن مواصلة نصرة شعبي الفلسطيني في الداخل الفلسطيني وفي الضفة الغربية وغزّة العزّة وأرض الشتات فلست حبيساً، وما دام معتقلي لا يمكن له أن يعتقل عقلي وقلبي ومشاعري وقلمي عن نصرة أمتي المسلمة وعالمي العربي وكل مظلوم في الأرض فلست معتقلاً، وهذا يعني أنني سأحيى خلف القضبان حرّاً، كما عشت خارجها حراً، وسأخرج من ظلمتها إلى شمس صباحي حراً.

2- السجين من سجنه هواه عن نصرة ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية وراح يبحث عن مبرّرات لتقاعسه الذي لا يعتقد بها في داخله لولا سجن الهوى، والحبيس من حبسته أطماعه في مكان لا يليق بانتمائه وهويته وقيمه وراح يشحذ قلمه تارة ويكره لسانه تارة أخرى كي يدلي بتأويلات لا يقتنع بها أصلاً لولا حبس الأطماع، والمعتقل من اعتقلته نفسه ودنياه عن تحري الحق ونصرته في مشهد يستدعي الشفقة عليه.

ما دام السجن لا يمكن له أن يسجن إرادتي عن نصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين فلست سجيناً

3- صدق من قال لا يمكن أن تجمع بين نصرة المسجد الأقصى ومرضاة الاحتلال "الإسرائيلي"، لماذا؟! لأنك في حساباته: أن قلت (بالروح بالدم نفديك يا أقصى) فأنت إرهابي، وإنْ قلت (الأقصى في خطر) فأنت محرّض، وإن رابطت في الأقصى فأنت تنتمي إلى منظمة محظورة، وإن صحت في الأقصى (الله اكبر) فأنت متطرف، وان اعتكفت في الأقصى فأنت مخرّب، وإن نفرت إلى الأقصى فأنت من الحركة الإسلامية المحظورة، وإن كشفت عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي في الأقصى فأنت تدعو إلى الكراهية والعنصرية، وإن وقفت في وجه صعاليك الاحتلال "الإسرائيلي" لدى أي اقتحام لهم للأقصى فأنت مثير شغب، لذلك انصر المسجد الأقصى مهما زعق ونعق الاحتلال "الإسرائيلي"، ومهما أرغى وأزبد وهدد وتوعد.

4- صدق من قال ينتصر الأسير السياسي في سجنه عندما يتحقق بسعادة أقوى من سعادة سجانه بأضعاف مضاعفة، وعندما تصبح واجباته أكثر من أوقاته لدرجة أن يتمنى لو كان يوم سجنه ثلاثين ساعة، وعندما يوقن أنّه عمَّا قريب سيتحوَّل من أسير مقيّد إلى حرّ كريم، وأمَّا سجانه فسيبقى سجاناً سجيناً حتى قيام الساعة، وهذا ما يجعل الأسير السياسي إذا نام في سجنه أن ينام وهو يحلم بالحرية، وأمَّا السجَّان فإذا نام في قصره فإنه ينام وهو يحلم بسجنه وقضبانه وقيوده وظلمات زنازينه.

5- صدق من قال عجبت لمن يريد أن يحيى حياة الشياطين الوسواسين ويريد أن يموت ميتة الأنبياء المرسلين!! وعجبت لمن يريد أن يحيى حياة العابثين الماجنين، ويريد أن يموت ميتة الصحابة الفاتحين!! وعجبت لمن يريد أن يحيى حياة الخائنين المهزومين ويريد أن يموت ميتة الشهداء المجاهدين!! باختصار عجبت لمن يريد أن يحيى حياة أهل الجحيم، ويريد أن يموت ميتة أهل النعيم!! ألم يعلم كل أولئك أن الإيمان إذا ضاع فلا أمانة، وأنَّ الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل؟! الم يسمعوا قول الشاعر الحكيم:
يا من تدّعي الإيمان مجاناً هلاّ أقمت على دعواك برهاناً

6- الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحق الناس بها وهو أحقهم بالتقاطها والعمل بها، لذلك لا يعيبنا أن نأخذ الحكمة ما دامت حكمة من أي إنسان في الأرض سواء كان عربياً أو عجميا، وسواء كان ابيض أو أسود، وسواء كان حيّاً أو ميتاً، ومن باب أولى أن نأخذ الحكمة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح والخلف الأمين، ولذلك ما أجمل قول الشيخ عمر المختار: ( إنَّ الضربة التي لا تكسر ظهرك تقويه)، وكم هي الضربات التي نزلت بالحركة الإسلامية ولكنها ما كسرت ظهرها، ولذلك كانت ولا تزال المؤسسة "الإسرائيلية" واهمة في ظنونها عندما واصلت اعتقال أبناء الحركة الإسلامية لأيام أو لأسابيع أو لأشهر أو لسنوات حتى الآن!! وعندما واصلت منع قيادات الحركة الإسلامية من السفر إلى الخارج منذ سنوات وحتى الآن!! وعندما واصلت منع المئات من أبناء الحركة الإسلامية الدخول إلى المسجد الأقصى أو الدخول إلى القدس المباركة أو الدخول إلى الضفة الغربية منذ سنوات وحتى الآن!! وعندما واصلت إغلاق عشرات المؤسسات الأهلية المستقلة بادّعاء أنّها مربوطة بالحركة الإسلامية وتقدم خدمات لها !! وعندما (بقت الحصوة) أخيراً وأعلنت حظر الحركة الإسلامية!!.

ثبت أنَّ الإجراءات العنصرية التي تمادت بها المؤسسة "الإسرائيلية" ضد الحركة الإسلامية ما زادت ظهرها  إلا قوة، وما زادت موقفها إلا صموداً

لقد ثبت أنَّ كل هذه الإجراءات العنصرية التي تمادت بها المؤسسة "الإسرائيلية" ضد الحركة الإسلامية ما زادت ظهر الحركة الإسلامية إلا قوة، وما زادت موقفها إلا صموداً، وما زادت سيرها إلا ثباتاً، وما زادت ثوابتها إلاّ شموخاً، وما زادت أداءها إلاّ اتقاناً، وما زادت رسالتها إلا امتداداً، وما زادت دورها إلا رسوخاً، ولذلك كانت الحركة الإسلامية قوية قبل حظرها، وستبقى أقوى بعد حظرها، وستبقى تخرج من محنة إلى محنة وكأنها تخرج من منحة إلى منحة، وستبقى تخرج من ابتلاء إلى ابتلاء، وكأنها تخرج من صفاء إلى صفاء، ومن نقاء إلى نقاء، ومن ارتقاء إلى ارتقاء، وستبقى على العهد الوفي مع ثوابتها وفي مقدمتها القدس والمسجد الأقصى، وستبقى تؤدي رسالتها وتقوم بدورها، ثباتا لا مغامرة، وصمودا لا تهوّراً، ورباطاً لا استعجالاً، وستبقى بعد مشاهد اعتقالها الطويلة وسجونها المتكرّرة أقوى من السجن والقيد والسجان، وأقوى من ولي أمر هذا السجن والقيد والسجان، وستبقى تصدع بالحق لا ترضى لنفسها أن تكون شيطاناً أخرس، ولا تتردّد أن تقول للظالم أنت ظالم، ولا للمحتل أنت محتل، ولا للعنصري أنت عنصري، ولا للإرهابي أنت إرهابي، ولا للمحرض أنت محرض، ولا للباطل أنت باطل، وستبقى صاحبة إرادة صبارة، وعزيمة موارة، وهمة هدارة، أن أغلقوا عليها بابا ستفتح عشرة أبواب، وان أغلقوا عليها عشرة أبواب ستفتح مائة باب، وان أغلقوا عليها مائة باب ستفتح ألف باب، وإن عرقلوا سيرها حتى تتعثر ستنهض وهي تصرخ بفرح يا لنهضة العاثر، وإن قطعوا عليها الطريق حتى تكبو ستواصل سيرها بإصرار وهي تصيح بسرور: ((إنَّ النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يسراً)).

وستبقى تعبر عن كل ذلك صارخة في وجه نتنياهو الذي أعلن حظرها، (اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)، وستبقى الحركة الإسلامية واسعة الصدر تحب كل الخير لكل اهلنا في الداخل الفلسطيني في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية على اختلاف تعددياتهم السياسية والدينية، وستبقى جمل محامل لكل ثوابتنا الإسلامية العروبية الفلسطينية تنتصر لهذه الثوابت وتدعو لها وتطمح بوحدة كبرى تجعل من الأمَّة المسلمة والعالم العربي والشعب الفلسطيني بيتاً واحداً وأسرة واحدة تلتقي على مائدة واحدة، وستبقى السباقة في ميدان كل عطاء والكريمة في مشهد كل بذل والمتقدمة في ساحة كل خير، وهكذا تفهم معنى الرباط في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وهكذا تدرك ماهية الاستحقاقات المنوطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطب به أهل الشام بعامة وأهل بيت المقدس بخاصة عندما قال وقوله الحق المعصوم  (رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اختار منكم ساحلا من سواحل شام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).

كثرة التضحيات في سبيل نصرة القدس والمسجد الأقصى لن تؤدي بالحركة الإسلامية للنكوص إلى الوراء أو الانكفاء على الذات

وهكذا تدرك الحركة الإسلامية أنَّ هذا الرباط واستحقاقاته لن يكون مجانياً، بل لا بد سلفاً من الاستعداد لدفع الثمن، لأنَّه على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعلى قدر الكرام تأتي المكارم، وعلى مستوى منزلة الولاء يأتي البلاء، وصدق سيدنا عبد القادر الجيلاني -قدّس الله سرّه- وهو يقول: إنما وُكِّل البلاء بالولاء كل لا يدعي الولاء الكثير، ولذلك فإن قلة السالكين في طريق الحق لن تدفع الحركة الإسلامية للشك في حقها.

وإنَّ كثرة التضحيات في سبيل نصرة القدس والمسجد الأقصى لن تؤدي بالحركة الإسلامية للنكوص إلى الوراء أو الانكفاء على الذات أو التولي عن مواصلة الزحف إلى القدس والمسجد الأقصى أو التثاقل إلى الأرض أو إعلان الاعتذار عن نصرة الحق والتضحية من أجله والصبر على هذا الدور مهما طال هذا الدور، ومهما زادت التضحيات، ومهما أرجف المرجفون، وشكك المشككون، وشمت الشامتون، وافرنقع النفعيون.

هكذا كانت الحركة الإسلامية برجالها ونسائها وكبارها وصغارها، وشبابها وفتياتها، وهكذا ستبقى بهم وهكذا سيبقون بها أحراراً وحرائر

كيف لا وهي الحركة الإسلامية التي وان قيل لها: إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ما زادها إلاّ إيماناً وتسليماً لقدر الله الغالب الذي يعلو ولا يعلى عليه، والذي إليه عاقبة الأمور، وهي الحركة الإسلامية التي إن قيل لها: إن المخابرات "الإسرائيلية" ترصدكم بأجهزتها ورجالها وأعوانها قالت بعنفوان التحدي: والله من ورائهم محيط، وهي الحركة الإسلامية التي إن قيل لها: إن كيد المؤسسة "الإسرائيلية" كبير قالت: الله اكبر، وإن قيل لها إنَّ مكر الحركة الصهيونية عظيم قالت: الله أعظم، وإن قيل لها إنَّ يد الاحتلال "الإسرائيلي" عالية قالت: الله أعلى، نعم، وألف نعم.

هكذا كانت الحركة الإسلامية برجالها ونسائها وكبارها وصغارها، وشبابها وفتياتها، وهكذا ستبقى بهم وهكذا سيبقون بها أحراراً وحرائر، وهكذا ستواصل سيرها تتقدم يوما بعد يوم إلى الأمام دون أن تلتفت إلى الوراء إلا بهدف العبرة والاعتبار لا بهدف التخلف والفرار. ولن يضرّها في يوم من الأيام أن تعصف بها عاصفة تزيل ما علق بها من غبار أو أن تمسّها بأساء وضرّاء تنقي صفّها وتطهّر صدورها وتجلو نفوسها، وهي تردّد بلا تلعثم: أليس الصبح بقريب.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

200 ألف رافض لتطبيع الإمارات والبحرين يوقعون “ميثاق فلسطين”

أعلنت رابطة إماراتية، اليوم الثلاثاء، أن عدد الموقعين على وثيقة بعنوان "ميثاق فلسطين" تجاوز 200 …