تحرير الأقصى.. هل يكون في شعبان؟

الرئيسية » خواطر تربوية » تحرير الأقصى.. هل يكون في شعبان؟
alquds27
2.67 / 5 (3 votes)

هو شهرٌ يغفل الناس عنه كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك الوصف يستدعي منَّا عدم الغفلة عنه مع جموع الغافلين، والوقوف مليّاً عند كل ما يمكن أن يحويه ذلك الشهر العظيم من محفِّزات ورافعات للهمم، وربطها بواقعنا الحالي الذي يريد منّا أن نشعل فيه ثورة تغيير إيجابية شاملة.

إنّه شهر الجرد السّنوي بما توحيه هذه العبارة من مسؤولية، ووقفة محاسبة ذاتيّة حيال عرض حصاد عامٍ من العمل، كبيرِهِ وصغيرِهِ، صالحِهِ وطالحِهِ، على من لا تخفى عليه "خائنة الأعين وما تخفي الصدور".

إنه شهر المعراج السنوي لأعمالنا كما أثبت له نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "ذلكَ شهرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ، فأحبُّ أن يُرفَعَ عملي وأَنا صائمٌ" (صحيح النسائي، الألباني).

فيا ترى من منّا يشعر باللهفة والاشتياق لذلك اليوم الذي تُسلَّمُ فيه ملفات عمله لربّه وخالقه؟

من منَّا يملك الثقة بأعماله إلى مستوى "من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه"؟ من منَّا يحسن الظنّ بالحنَّان المنَّان الغفور الرحمن، فيتودد للودود أن يعفو ويغفر في ليلة قال عنها الحبيب صلى الله عليه وسلم: "يطَّلِعُ اللهُ تبارك وتعالى إلى خَلْقِه ليلةَ النِّصفِ من شعبانَ، فيَغفِرُ لجميعِ خَلْقِه، إلا لمشركٍ أو مُشاحنٍ". (السلسلة الصحيحة، الألباني).

من منَّا يستشرف تلك اللحظات النورانية المباركة فيسري فيها بروحه، يسبق بها معراج أعماله، يجأر بها إلى خالقه طالباً الصفح الجميل والعفو الكريم من ربٍّ رحمن رحيم، سبقت رحمته غضبه، يتوب علينا لنتوب ونؤوب، رب يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

من الذي يستشعر -وهو يقدم بين يدي ليالي شعبان دعاءً عريضاً- مشهد الحبيب صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في السماء دون تحريك لسانه تأدباً مع ربّه، العالِمِ بمكنون نفسه، فيرضيه بتحويل القبلة في صلاة واحدة جمعت القبلتين التوأمين معاً تكريماً له ولأمته، وتخليداً لعلاقة أثيرة بين أحبّ البقاع إلى الله في أحبّ المواضع والطاعات إليه، فيا لحسنها من صلاة أغاظت أبالسة يهود فصاحوا وصرخوا وزعقوا: "ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها"، أرادوا أن يفرِّقوا بين القبلتين فمازاد ذلك المسلمين إلا تعظيماً وتوقيراً لهما.. ولم لا وقد ذاقوا حلاوة الصلاة خلف نبيّهم صلى الله عليه وسلم تجاههما معاً.

يأتي شعبان مذكِّراً بقبلة تئنّ تحت أصفاد غاصبها، اختار الله لها ذلك الشهر العظيم لتقترن ببيت الله الحرام، وتكون الكاشفة الفاضحة لخبايا اليهود والمنافقين وكل من في قلبه مرض.

يأتي شعبان مذكِّراً بقبلة تئنّ تحت أصفاد غاصبها، اختار الله لها ذلك الشهر العظيم لتقترن ببيت الله الحرام، وتكون الكاشفة الفاضحة لخبايا اليهود والمنافقين وكل من في قلبه مرض.

إنه قدر الله تعالى أن يجعل بيت المقدس محكَّ اختبار وتمحيصٍ للأمة على مدى الزمان.. فإسراء نبينا صلى الله عليه وسلم إليها ومعراجه منها إلى السماوات العلا كان اختباراً استثنائياً خرج منه أبو بكر رضي الله عنه متوجّاً بلقب الصدِّيق، وما أعظمها وأشرفها من رتبة ومكانة. ثم كان بيت المقدس محكّاً للأمة لحظة تحوّل القبلة انكشف معها العدو الأشد حقداً وبغضاً للمسلمين وسقط من سقط من مرضى القلوب من المنافقين، واختبرت الأمة بعدها بالغزو الصليبي لديار المسلمين وكانت الفاجعة الكبرى في شهر شعبان عندما اقتحم الصليبيون أبواب المدينة المقدسة وكان ذلك في يوم الجمعة 24 من شعبان سنة 492هـ الموافق 15 من يوليو سنة 1099م.

يومها تخضَّبت الأرض المعطّرة بأنفاس الرّسل والأنبياء بدماء سكانها الأبرياء، الذين اعتصموا جميعاً في المسجد الأقصى وهم يحسبون أن الصليبيين يمكن أن يحترموا قدسيّته وطهارته، فذاقت أشلاؤهم حرّ سيوفهم، ولم ينج أطفالهم ونساؤهم من بطشهم وقبيح فعالهم..

كان يوماً حزيناً يحاكي يوم الأخدود بشاعة وهمجية ووحشية {إذ هم عليها قعود.وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود}. يوماً احتضنت فيه الأرض المقدسة سبعين ألفاً من أبنائها كانوا يتنعمون بسكناها قبل أن تدهمهم جمعة الرابع والعشرين من شعبان الحزينة.

صور ومشاهد مؤلمة تشبه كثيراً ما جرى ويجري لمسجدنا الأقصى وأكنافه المباركة بعد أن ابتليت الأمة مجدداً بعلوّ بني إسرائيل مقروناً بفساد وإفسادٍ في الأرض جعلت الكثيرين يظنّون بالله الظنّونا، ويحسبون أن هذا الليل البهيم ليس له انتهاء، وأنّ الصبح بعيد، رغم قربه.

الرابع من شعبان حوى حدثاً مهماً لا ينبغي أن نغفل عنه، يوشك أن نشهد مثيلاً له في يوم قريب، يفرح المؤمنون فيه بنصر الله، وتتنفس الأمة فيه الصعداء وهي تشهد انبلاج الفجر وانحسار الظلام

وغفلوا عن حدث مهم في شهر لا ينبغي أن نغفل عنه، يوشك أن نشهد مثيلاً له في يوم قريب، يفرح المؤمنون فيه بنصر الله، وتتنفس الأمة فيه الصعداء وهي تشهد انبلاج الفجر وانحسار الظلام.

كان ذلك يوم جمعة مستنيرة غرّاء في الرابع من شعبان عام 583هـ الموافق للعاشر من أكتوبر1187م عندما صعد القاضي محي الدين ابن الزكي منبر المسجد الأقصى المبارك بعد تحريره من أيدي الصليبيين، وحانت لحظات تسطر بالضياء ذكرها ابن خلكان منتشياً بها، وكتب عنها بقلبه وجوارحه: "اجتمع من أهل الإسلام ما لا يقع لهم إحصاء، وامتلأت ساحات المسجد وصحونه بالخلائق، واستعبرت العيون من شدة الفرح، وخشعت الأصوات ووجلت القلوب، وأخذ الناس لذلك الموقف أُهبته، حتى إذا حان وقت الخطبة قام ابن الزكي فخطب على المنبر في هذا الحشد العظيم، فاستهل الخطبة بقوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45] ثم تلا الآيات التي في بدايتها الحمد"..

إنها نفحات هبَّت في الرابع من شعبان لتُذهب ما علق بالذاكرة من أدران الرابع والعشرين من الشهر ذاته (إن الحسنات يذهبن السيئات).. إنها أيّام الله تزيل أيّاماً نحِساتٍ فجعت الأُمّة فيها بضياع قبلتها الأولى منها، ها نحن نرقبها مجدداً في شوق ولهفة وقلوبنا معلقة بذلك المنبر، وأعيننا ترنوا لرؤية الخطيب يرتقي درجاته ليتلو على أمة الإسلام من مشرقها إلى مغربها آيات الأنعام مجدداً ليتردد صدى الحمد في فضاءات أمتنا، وتخرّ الجباه ساجدة فرحة بنصر الله وفتحه، وتلهج الأرواح والقلوب قبل الشفاه والألسنة بحمده وشكره، وتَشُدُّ الرِّحالَ إلى الأقصى الركبان، ويسأل يومها سائل: أتراه يكون في شعبان؟

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

الضعف البشري بين التقبل والرفض

الإنسان مخلوق أودع الله به ما من الطبائع والغرائز ما يشده إلى طينيته التي هي …