ثقافة الحياة.. إذ تحتوينا

الرئيسية » خواطر تربوية » ثقافة الحياة.. إذ تحتوينا

كان سؤالها صادماً مفاجئا؛ لم يسألني إياه أحد طيلة فترة الإضراب، نظرت إليها باستغراب وهي تنتظر الإجابة وترفع خصلات شعرها الذهبي عن عينيها الزرقاوين كالمحيط تحدّقان بي وكأنها وضعتني في ماٌزق!

لم يكن السؤال صعبا عليّ ولكنني لم أتوقع أن يكون بهذه الصيغة من تلك الصحفية الأجنبية التي زارتنا خلال فترة إضراب زوجي عن الطعام وكان يومها تخطى حاجز السبعين يوما، "أنتم تحبون الموت.. لماذا تحبين أن يموت زوجك؟!"، ابتسمتُ لها بل ربما ضحكت وقتها ورفعت صغيرتي لتجلس في حضني وتلاعب يدي بينما أتحدث وأنظر إلى طفلي وهو يلعب بصورة "ديناصور" طبعت على قميصه.

آثرتُ أن أحدثها بلغتها كي تفهمني من أم لأم، قلت لها هل تحبين أطفالك؟ قالت طبعا، قلت لها وهل تحاولين بأقصى جهدك أن تجعليهم سعداء؟ قالت طبعا، قلت هل تحبين أن يحرموا من والدهم في منتصف ليلة ظلماء؟ قالت طبعا لا، قلت وهل ستدفعين أي ثمن ليعود لهم ويلاعب ضحكاتهم؟ قالت طبعا!.. قلت إذاً أجبتِ أنتِ على سؤالك!

الحياة لدينا ليست مجرد صفحات نطويها وأياما نعدّها، بل هي مساحة واسعة للارتقاء، للعمل، للحب، للتضحية، لأطنان من الابتسامات وأميال من الأمنيات

حاولت بكل العبارات أن أوصل لها "الفكرة" التي نعيش لأجلها ونحيا بين وارف ظلالها، فالحياة لدينا ليست مجرد صفحات نطويها وأياما نعدّها وعجلات تدور وندور معها دون فهم ولا وعي ولا حلم، الحياة مساحة واسعة للارتقاء، للعمل، للحب، للتضحية، لأطنان من الابتسامات، وأميال من الأمنيات.

ربما حاول الواقع الذي نحياه كشعب محتل أن يجرّنا إلى خانة الظهور كمحبي الموت؛ بل إن المحتل ذاته هو من يحاول أن يقنعنا بذلك، أننا نحب الموت لأجل الموت ونمقت الحياة وما فيها ولا نعطيها حق قدرها، ولكن الحقيقة أجمل بكثير لو عشناها فالحياة لنا حياة والموت لنا أمر حتمي ولكن لا نسعى إليه لأجل التخلص من الحياة واستعجال فواتها.

قلت للصحفية إن محمد شاب في مقتبل عمره يملك مركبة باهظة الثمن وشقة رائعة تطل على الجامعة التي درس فيها بل عشقها؛ وله طفلان جميلان يلاعبهما كل صباح ومساء ويحمل في قلبه حبا لوطن لا يراه إلا حراً؛ يعيش حياة ملأى بالمعارف كصحفي ويعمل في المجال الذي يحب ويجود قلمه بما يفيض به ذهنه من أفكار، ولكنه اعتقل ظلما وقهرا دون تهمة ولا مبرر وانتُزع من حضن عائلته من قلب منزله وكُبّلت يداه وعُصّبت عيناه وألقي في العراء قرب مستوطنة "بيت إيل" عشرين ساعة متواصلة والكلاب تنبح حوله طوال الوقت، دخل إلى التحقيق فوجد ملفه جاهزا لا يحتاج إلى تحقيق! خيروه بين الاعتراف والحكم أو عدم الاعتراف والإداري؛ طبعا كان الخيار بالقوة إن لم تعترف فالإداري بانتظارك لثلاث سنوات متتالية على أقل تقدير.

الحياة "فكرة" نعيشها روحاً ونرصفها بالأمل ونغرقها بالحلم النقي لنعلم صغارنا أن أجمل الطرق تمر عبر بوابة حب الحياة وصولا إلى الحرية التي نشتاق

قلت لها إن محمد يحب حياته كثيرا ويتوق لعائلته؛ فلم يجد وسيلة للقائها في أقرب وقت إلا بالإضراب، لا يحب الموت ولا الجوع؛ ولكنه يحب الحياة على طريقتنا بكرامة وعزة وإلا فما معناها ذلا وهوانا؟!، لا يحب أن "ينتحر" كما تظنين فنحن لسنا كما تظنون، قال لي مرة إنه لا يقبل أن يمنعه عنا أحد من البشر فلم أفهم، ولكنني منذ لحظة إضرابه استذكرت حديثه وابتسمت كثيرا.

ثقافة الحياة تلك التي حاول محمد ترسيخها بجسد هزيل وقلب ضعيف ونوبات حادة وصرخات أليمة ورشفات ماء مقتضبة هي ما يخيف محتلنا؛ هم يعلمون أننا إن أحببنا الحياة جُدنا والجود من طرفنا يعني كل الوطن كل الأرض كل الحلم والذكرى.. مئات بل آلاف كمحمد عبّروا عن حبهم للحياة بطرقهم، وما زال حبهم ينمو ويكبر في قلب كل فلسطيني حتى باتت فكرة الموت أبعد مما نتخيل وإن حضر بمنجله وردائه الأسود.. الحياة "فكرة" نعيشها روحاً ونرصفها بالأمل ونغرقها بالحلم النقي لنعلم صغارنا أن أجمل الطرق تمر عبر بوابة حب الحياة وصولا إلى الحرية التي نشتاق.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

ما هكذا تُبنى يا “سعد” الدُّوَل!

جاء في أمثال العرب: "ما هكذا تُوْرد يا سعد الإبل" وهو مثل في الأصل قيل …