“حلب تحترق” فماذا أفعل؟

الرئيسية » بصائر الفكر » “حلب تحترق” فماذا أفعل؟
aleppo2

مجازر يومية، وقصف في بالغ الهمجية والوحشية، تلك التي يتعرض لها أهل حلب مؤخراً، حيث باتت دماؤهم تسفك على مرأى من العالم أجمع، دون أن يحرك فيهم ساكناً، ودون أن "يهتز" الضمير العالمي تجاه هذه الهجمة البربرية.

"حلب تحترق"، كلمتان تختزلان مشهداً مؤلماً، يندى له جبين العالم الذي طالما تغنى بحماية حقوق "الإنسان"، إلا أن الإنسان السوري ربما لم يصل إلى مستوى الإنسانية لدى الحكومات والدول بعد، إذ لا تلقي لهم بالاً رغم المجازر الوحشية المستمرة منذ سنوات عديدة، استشهد خلالها مئات الآلاف وشرد الملايين، وإن التفتت إليهم ساوت بينهم وبين السفاح والجاني، واعتبرت الأمر مجرد أزمة داخلية، وليست أكبر مأساة بشرية في قرننا الحالي.

إن السكوت عن جرائم حلب وغيرها التي يتعرض لها السوريون يومياً، هو موت للضمير، وفقدان للهوية الإنسانية  ، وقتل للفطرة التي غرست في نفوسنا، والتي تقضي بالوقوف مع الإنسان، المظلوم، الذي يتعرض للقتل والإبادة، ورفض القتل، وإزهاق الأرواح، واستهداف البيوت الآمنة، ناهيك عن المساجد والمستشفيات وسيارات الإسعاف!!

السكوت عن جرائم حلب وغيرها التي يتعرض لها السوريون يومياً، هو موت للضمير، وفقدان للهوية الإنسانية، وقتل للفطرة التي غرست في نفوسنا

إن المحزن في هذا الأمر، أن دولنا العربية باتت تشجب وتتضامن مع قتلى الأجانب من فرنسا وبلجيكا وغيرها، وترسل المساعدات لأي دولة أجنبية حتى لو في أقاصي آسيا، أو أمريكا الجنوبية، إلا أنها لا تبدي ولو جزءاً يسيراً من هذا الاهتمام تجاه إخوة الدين واللغة والتاريخ والنسب، وهم على مرمى حجر من حدود بلدانهم!

لذا كفانا تجاهلاً لدماء السوريين الأبرياء، الذين لم يكشفوا عن همجية النظام، بقدر ما كشفوا عن خيانة دول هذا العالم للحقوق والشعارات التي طالما تغنت بها ورفعتها دائماً وباستمرار.

ماذا أفعل؟؟

السؤال الذي يطرحه الكثيرون في ظل ما يجري، هو ماذا نفعل تجاه هذه المأساة، التي تضاف إلى سجل مشين في تاريخنا المعاصر؟

بداية وقبل الإجابة عن هذا الأمر، لابد من الإشارة إلى أن دماء السوريين ما زالت تنزف؛ لأن تفاعلنا معهم هو تفاعل عاطفي  ، نتعاطف مرة مع هذه المدينة، وأخرى مع هذا الطفل، وننسى أن هناك قصة شعب يعاني منذ سنوات، في سبيل الحصول على الحرية والتخلص من الديكتاتورية والاستبداد.

حلب ليست قضية السوريين وحدهم، بل هي قضية كل إنسان حر لديه ضمير حي

إن حلب ليست قضية السوريين وحدهم، بل هي قضية كل إنسان حر لديه ضمير حي، ونفس تشعر بغيرها، ولهذا فالوقوف مع هذه المأساة لا يجب أن يحصر بفئة هنا أو هناك، وبالوقت نفسه، لا ينبغي أن يبقى محصوراً مع حلب وحدها، دون غيرها.

إن الأمر لا يحتاج إلى نظريات معقدة، ولا مؤلفات مطولة، بقدر ما يحتاج إلى ثقة بسيطة بأنفسنا، وأن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً هو: ماذا أستطيع أن أقدم لإخواني السوريين؟

تخيل أن لك أخاً، أو ابناً، أو قريباً، أو حتى صديقاً يقطن في حلب، هل ستقف مكتوف اليدين؟   أم أنك ستبذل كل ما تستطيع في سبيل وقف العدوان عليهم؟

مشكلة البعض منا أنه يقلل من شأنه، ويضعف من حجم تأثيره، لكن الحقيقة أن كل واحد منا قادر على أن يكون شعلة ضمن نار تؤجج المشاعر، وتوقظ النفوس الميتة  ، التي اعتادت على مشاهدة الأخبار – إن شاهدتها- دون أن تتأثر، بل ربما تشكك في مصداقية ما يجري من أحداث ومجازر.

حلب وكافة المدن السورية ومخيمات اللجوء والهاربون من أرضهم لإيجاد أرض آمنة يأوون إليها، يحتاجون إلى تشكيل رأي عام ضاغط على أصحاب القرار، لا يكتفي بالإدانة والشجب، بل يرضخ لمطالب المجتمع في سبيل العمل على مساندة حق الشعب السوري في الحرية والاستقلال.

نحتاج إلى التخطيط لتنظيم الجهود واستمراريتها، وهذا منوط بالمؤسسات والحركات والأحزاب التي يجب عليها أن توجه كافة هذه الجهود في سبيل دعم الإخوة السوريين، وحل مأساتهم

إن تشكيل الرأي العام يحتاج إلى تضافر كافة الجهود، وتقديم ما يمكنه تقديمه من كل شخص منا، بدءاً من الدعاء، والمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتصميم الصور والفيديوهات، والتفاعل مع الحدث على الإنترنت أو حتى على الأرض، فلا تتردد في دعمهم، اهتف، شارك، ادعم، قاطع كل من يؤيد النظام ويدعمه. كل هذا كفيل بأن يكون هناك تحرك إيجابي ضاغط على صناع القرار، وفي النهاية نحتاج إلى التخطيط لتنظيم الجهود واستمراريتها، وهذا منوط بالمؤسسات والحركات والأحزاب التي يجب عليها أن توجه كافة هذه الجهود في سبيل دعم الإخوة السوريين، وحل مأساتهم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب فلسطيني، متخصص في الشريعة الإسلامية والسياسة، مهتم بالإعلام والتربية والتعليم.

شاهد أيضاً

“مبادرة المواطن العالمي”… المسلمون والتقوقُع الخاطئ!

بدأت النسخة العربية من قناة "ناشيونال جيوجرافيك" هذه الأيام، ببث سلسلة وثائقية جديدة بعنوان: "تفعيل.. …