رد “الجوار” عند المحنة!

الرئيسية » بصائر الفكر » رد “الجوار” عند المحنة!
hamas85

الإسلام يتيح لأتباعه الاستفادة من قوانين المجتمعات التي يعيشون فيها، وذلك من أجل حماية الدعوة ورجالها خاصة في زمن المحنة ومراحل الاستضعاف والملاحقة، وقد رأينا ذلك جليّاً في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد كان يتحرك ويدعو في السنوات الأولى للبعثة تحت حماية عمه أبي طالب رغم كفره، مستفيداً بذلك من رابطة الدم وقوة العائلة وتماسك العشيرة في النظام القبلي السائد في ذلك العصر.

ثم تكرر الأمر عقب محنة الطائف والتي رُدّ فيها النبي صلى الله عليه وسلم بصورة قاسية وهمجية من خلال تحريض الصبيان السفهاء لمهاجمته بالحجارة. وعندما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة دخل في جوار المطعم بن عدي وهو كافر، وكان ذلك بطلب مباشر من الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي كان قد توجه إلى عدة أشخاص قبل ذلك فاعتذروا إليه لعدم قدرتهم على حمايته.

وهذه الحوادث تفتح الباب أمام الدعاة في زماننا للقياس عليها، واستثمار كل فرصة ممكنة لحماية قيادات الحركة وعناصرها على حد سواء، ونحن في حماس نؤمن بهذه الفكرة، ولا يصرفنا عن الأخذ بها عند الضرورة غلو متطرف يزعم تحريم الاستفادة من إيجابيات قوانين الجاهلية وأعرافها.

هذه الحوادث تفتح الباب أمام الدعاة في زماننا للقياس عليها، واستثمار كل فرصة ممكنة لحماية قيادات الحركة وعناصرها على حد سواء

فالمسألة محسومة عندنا من حيث المبدأ وجواز الأخذ بها متفق عليه، غير أنها ليست مطلقة، بل إن لها أبعاداً أخرى ولها ضوابط محددة ينبغي الانتباه إليها وملاحظتها في كل حالة.

إذ ليس الهدف من اللجوء إلى الجوار وما شابهه هو حماية النفس وضمان سلامتها على المستوى الشخصي. وإنما يأتي ذلك في إطار المصلحة العامة للحركة. وهذا يتطلب تقديراً حكيماً للموقف يجمع بين الذكاء والفطنة والعقلانية من جهة وبين الجرأة والثبات والعزة من جهة أخرى.

ومَن مثل أبي بكر الصديق يشرح ويضع لك العلامات والإشارات على الطريق، إذ لما اشتد البلاء على المسلمين وتمادت قريش في الأذى والاضطهاد خرج أبو بكر مهاجراً إلى الحبشة. فلقيه أحد قيادات القبائل غير المسلمة واسمه ابن الدغنة فرده لما يعلم من حسن خلقه وإحسانه للناس، وأعاده معه إلى مكة وأدخله في جواره بمبادرة منه دون طلب أبي بكر لذلك، وأتاح له حرية العبادة والصلاة في بيته دون أن تتعرض لها قريش، ومضى أبو بكر على هذا الحال إلى أن اتخذ لنفسه مسجداً في فناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فتتأثر به نساء المشركين وأبناؤهم فخشيت قريش من هذا النشاط الدعوي، وتحدثوا مع ابن الدغنة كي يلزم أبا بكر بالصلاة في منزله أو يرد عليه جواره ففعل فقال له أبو بكر: "فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله".

فلم يقبل أبو بكر أن يتخلى عن فعاليات الحركة جميعها مكتفياً بالأمان الشخصي والعبادة الفردية، خاصة أنه من قيادات الصف الأول في الدعوة وأحد رموزها البارزة، وهو منظور إليه. والدعوة أحوج ما تكون إلى جهده وعطائه، وأعداء حماس وخصومها يتمنّون لو أن القيادات والعناصر تحافظ على صلاتها وصيامها دون التدخل في الشأن العام، ولعلهم يحيّدون البعض ويوفرون لهم الحماية شرط ابتعادهم عن الحركة، فإن رضينا كلنا بذلك متذرعين بجواز قبول الجوار، فمن يقاتل العدو ومن يحمل راية الحق ويحميها.

التغيير يحتاج إلى مواقف التحدي والمراغمة كحاجته إلى مواقف المكر والدهاء

فاعرف مكانك، وتذكر مهمتك ولا تفتنك ألوان الفتن عن معرفة الحق، ومواصلة الدرب، فالتغيير يحتاج إلى مواقف التحدي والمراغمة كحاجته إلى مواقف المكر والدهاء، والأمر بيد الله يصرفه كيف يشاء، وهو سبحانه وتعالى خير ناصراً وأعز جنداً.

وفي عين ابن مظعون رسالة لأصحاب النظر الثاقب والرؤية الشاملة، حيث لم يتعرض له أحد من المشركين لأنه كان في جوار الوليد بن المغيرة، ثم أنه حدثته نفسه وهو يرى الصحابة يعذبون في الله ويأخذون الثواب ويتقربون إلى خالقهم، ثم عمد إلى الوليد فرد عليه جواره وقال له: جوار الله خير من جوارك، ثم قصد قريشاً في مجلسها يريد إغاظتهم، فوجدهم يستمعون إلى الشاعر لبيد. وكان من عادة العرب وأدبهم أن لا يقاطعوا الشعراء. فلما قال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.. قال عثمان بن مظعون صدقت. ثم أكمل الشاعر قائلاً وكل نعيم لا محالة زائل، فقال عثمان: كذبت فإن نعيم الجنة لا يزول، فاستنفر المشركون وراحوا يضربونه حتى جرت عينه بالدماء، فضحك الوليد للمشهد ولامه على ترك جواره، فقال له الصحابي الحرّ: لا والله. جوار الله أعز، وإن عيني السليمة لمشتاقة لما أصاب أختها في الله، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده الشريفة على عين ابن مظعون ودعا له حتى برئت. ولسنا بالذين ندعو إلى استجلاب المحنة والبحث عن الأذى والابتلاء، بل نحن نتمنى العافية والسلامة لجند حماس، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعترض على عمل ابن مظعون، ولم يوجه له اللوم والانتقاد مما يدل على جواز صنيعه رضي الله عنه.

ولك أن تتخيل أثر هذا الموقف على المستضعفين من المسلمين الذين لا يجيرهم أحد، وما هي حجم الشحنة المعنوية التي ستدخل في نفوسهم فتزيدهم ثباتاً وإصراراً واستشعاراً بتأييد إخوانهم لهم وتضامنهم معهم، إضافة إلى ما في المسألة من إبراز للتحدي والاستهزاء بطغيان الظالمين وجبروتهم، وهي نماذج تترك أثرها على الصراع بين الحق والباطل وتنتبه لها الجماهير فتشدها وتقربها من الحركة خاصة في وقت الشدة وأثناء المراحل الحرجة في مسيرة الدعوة.

وقد مرت حماس في حالة مشابهة أثناء حملات الاعتقال السياسي التي تعرضت لها من قبل سلطة أوسلو، وما رافقها من ملاحقة وتضييق في الرزق وفصل من الوظائف، وقد تباينت شدتها من مرحلة إلى أخرى ومن مكان إلى مكان، مما اضطر أبناء الحركة للبحث عن وسائل تبعد عنهم الأذى، فاحتمى بعضهم بالعائلة وهو أمر محمود، ولجأ آخرون إلى استغلال المعرفة الشخصية والواسطة للتخفيف من شدة الهجوم وهذا مشروع وله ما يبرره، وآثر البعض الابتعاد عن الدعوة ولو إلى حين، وتعددت طرق الحماية وتنوعت، غير أن ثلة من الرواحل النجباء كانت تدفع الثمن الأكبر في كل مرة. ولم يكن عندها غير جوار الله تعالى، فصبروا وثبتوا معتمدين على ربهم مستأنسين بتأييد إخوانهم.

ليس في القضية رأي واحد في كل حالة، والفكرة تحتاج إلى تدبر وحكمة واستحضار لمصلحة الحركة قبل مصلحة الفرد

وبرزت في صفوفنا حالات شاذة محدودة عددها قليل شأنها، بالغت في المهادنة والمداهنة وارتضت لنفسها الصمت المطبق في كل مراحل الابتلاء، وربما قبل أحدهم المناصب والعلاقة المميزة مع الظالمين دون الإنكار عليهم، ولعل صور إخوانه المضطهدين لم تحرك فيه نخوة ابن مظعون، ولا نصفها ولا عشر معشارها. ويظن الأمر ذكاء وحصانة، والمسألة كلها تعود إلى النوايا والمقاصد وما هي على الله بخافية، والأمور تقدر بمقدارها، وليس في القضية رأي واحد في كل حالة، والفكرة تحتاج إلى تدبر وحكمة واستحضار لمصلحة الحركة قبل مصلحة الفرد، وفي المشورة والاستخارة سنة. واستحضار مواقف الصحابة والسلف يعينك ويدلك، ثم يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب في موقع بصائر، قيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وناطق باسمها. أسير فلسطيني محرر في صفقة وفاء الأحرار.

شاهد أيضاً

أعمالنا الدعوية.. بين الالتزام والتطبيق وإعمال الاجتهاد

من أهم عوامل الفشل في أي إطار مُنتَظَم، التكلُّس والجمود، وعدم مواكبة المستجدات[/tweetable]، وهذا له …