في الذكرى الـ68 للنكبة.. إرادة المقاومة الفلسطينية تكسر الحلم الصهيوني

الرئيسية » ملفات خاصة » انتفاضة القدس » في الذكرى الـ68 للنكبة.. إرادة المقاومة الفلسطينية تكسر الحلم الصهيوني
flag145

تمر هذه الأيام الذكرى الثامنة والستون، لما يُعرف بنكبة ضياع فلسطين، عام 1948م، وهي مقولة بحاجة إلى بعض التنقيح؛ حيث إنه، ومن خلال التدقيق فيها؛ سوف نكتشف أنها ليست نكبة بالمعنى المعروف، ولا تعني ضياع فلسطين، وأن المسمَّى نفسي بالأساس، أفرزته طبيعة السياسة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، وفرضته رؤية الخصم للصراع، والتي تقوم على أساس تيئيس الآخر صاحب الحق، من حقه، وإشعاره بالدونية والمذلة.

كما أنه بالتنقيح وإعمال الفكر كذلك؛ فحرب 1948م التي استولت فيها العصابات الصهيونية على 78.5 بالمائة من إجمالي فلسطين التاريخية، ليست محطة انتهائية في الصراع في فلسطين وعليه، بين العرب والمسلمين، وبين الصهاينة ومن والاهم، وإنما هي ذروة من ذرى مستمرة للصراع، سبقتها وتلتها أحداث جسام أخرى، مستمرة وسوف تستمر حتى تحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر بإذن الله.

تأتي ذكرى النكبة هذا العام، وهناك انتفاضة جديدة مشتعلة أوارها على العدو الصهيوني، في فلسطين المحتلة بالكامل، ففي كل ربوع فلسطين؛ هناك مقاومة وهناك شهداء.

تأتي ذكرى النكبة هذا العام، وهناك انتفاضة جديدة مشتعلة أوارها على العدو الصهيوني، في فلسطين بالكامل، ففي كل ربوع فلسطين؛ هناك مقاومة وهناك شهداء

"انتفاضة القدس" الحالية هي الثالثة في غضون أقل من ثلاثة عقود، ومن قبلها كان الكفاح الفلسطيني المسلح ملء السمع والبصر العالميَيْن، وكان النضال الفلسطيني، ولا يزال، هو أهم الأيقونات الإنسانية احترامًا على مستوى العالم.

وليس من قبيل المبالغة القول، إن الإرادة الفلسطينية في العقود الأخيرة بالذات، قد أدت إلى كسر الكثير من المقولات التأسيسية للمشروع الصهيوني؛ حيث لم يعد الكيان الصهيوني هو بذات الصورة النقية التي حاول الإعلام اليهودي تصديرها إلى العالم، باعتباره واحة العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وسط بحر الوحشية العربية.

ولم يعد الكيان الصهيوني، هو ذلك الضحية الضعيفة التي تسعى إلى الحفاظ على وجودها وبقائها في مواجهة "الأعراب المتوحشين"؛ حيث كشفت الانتفاضات المتتالية، وحروب العدوان الصهيونية على قطاع غزة، منذ 2008م وحتى 2014م، والحصار المتواصل على القطاع منذ عشرة أعوام، عن الوجه الحقيقي للصهيونية وللكيان الصهيوني أمام العالم بأسره.

فصار الغرب يتحدث عن "مقاطعة إسرائيل"، وعن معالجة الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، وعن أمور لم يكن ليفرضها سوى قوة السلاح، وقوة الإرادة، والمقاومة التي أبداها الشعب الفلسطيني.

تأتي الذكرى الـ68 للنكبة – مجازًا – هذا العام، وقد كُسِرَت الكثير من مركزيات المشروع الصهيوني، وصار خائفًا، بل واستيقظ ضمير بعضهم فيه، ولعل في تصريح نائب رئيس أركان جيش الاحتلال، اللواء يائير جولان، الذي شبه فيه العمليات العسكرية لجيشه بـ"النازية"!

ولا يمكن الحديث عن "تمثيلية" يقوم بها هذا الجنرال في هذا الأمر؛ فلو أنه خارج الخدمة، أو اتهم القوات الاحتلال بالإجرام بشكل عام؛ لقلنا إن هناك توزيعًا مقصودًا للأدوار يقوم به الرجل، من أجل تحسين صورة المؤسسة الحاكمة في الكيان الصهيوني، التي ثبت تلوثها للعالم بأسره، ولكنه استخدم تعبيرًا ربما لا يوجد يهودي في العالم يتحمل سماعه، وهو مصطلح "النازية"!

كل ذلك صنعه مشهد بسيط للغاية.. طفلة يعتقلها غيلان الاحتلال، أو طفل ملقىً على الأرض حاول أن يقوم بواجبه المقدس في حماية أرضه وعرضه، أو في شاب لا تعرف وكالات الإعلام العالمية، ولا أضواء ولا السينمات، عنه أي شيء، ولا تقوم بدبج القصائد له، فقط يرجم جنود إبليس بالحجر، فيرد عليه إبليس بالنار؛ فيموت شهيدًا، وقد حقق ما يصبو إليه!

تأتي ذكرى النكبة هذا العام، وقد نهض الشعب الفلسطيني خلف مقاومته، فتطورت قدراتها، وصار لها سلاح في البر والبحر والجو، وصارت رعبًا لجنود الاحتلال الغريرين الذين جاؤوا من مختلف أنحاء العالم، ظنًّا منهم أن اللحم الفلسطيني هيِّن؛ فماتوا رعبًا من أنفاق المقاومة، ومن أشباحها، قبل أن يموتوا في أكمنتها برصاص رجالها!

تأتي ذكرى النكبة التي لم تعد نكبة، بل هي مجرد تذكير بماضٍ لن يتكرر ، حيث صار العدو فيه يعمل ألف حساب لغزة وسلاحها ورجالها.

في هذا الإطار، وفي ظل هذه الصورة؛ إن أمام هذا الجيل مهمة شديدة الأهمية، وهي مركزية النكبة في الذاكرة الفلسطينية والعربية؛ حيث حملت هذا الاسم، وتم تكريسها كمركزية مهمة في وعي الأجيال القديمة، والأجيال الصاعدة، بحيث تكون دائمًا في حالة من الخزي وعذاب المهانة، في ظل ما تم تلبيسه للمصطلح والحدث من أمور واتهامات، تكسر الإرادة الفلسطينية والعربية.

النكبة ليست إلا مجرد مرحلة أو محطة من محطات صراع طويل بدأ منذ قرون طويلة

فالنكبة ليست إلا مجرد مرحلة أو محطة من محطات صراع طويل بدأ منذ قرون طويلة، منذ بعثة محمد "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"؛ حيث شمل الجزيرة العربية، وفلسطين، وأماكن أخرى، كان اليهود فيها يقعدون للمسلمين كل مرصد.

ثم جاء القرن التاسع عشر؛ لتكون فلسطين والمشرق العربي والإسلامي؛ محورًا جديدًا للتأسيس للمشروع الصهيوني الحديث.

وعبر هذا التاريخ الطويل، كانت الانتفاضات الفلسطينية والعربية، هي أساس التعامل مع الصهاينة ومن والاهم من قوى الاستعمار، فلدينا منذ العام 1920م، وحتى الآن، أكثر من 10 محطات صراعية أساسية، كان السلاح والتدافع هو محورها، ومن بينها ثورة النبي موسى عام 1929م، وثورة القسام، 1935م، والثورة العربية الكبرى، 1936 – 1939م، وانتفاضات الأربعينيات المتكررة ضد العدو الصهيوني، وما تلا حرب 48 من حروب وانتفاضات، لم تتوقف حتى الآن؛ دفع ولا يزال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها بالدم والنار.

والسؤال المهم: هل وقف المشروع الصهيوني عند حدود فلسطين فحسب؟!.. ألم تحتل دولة الاحتلال في سوريا ولبنان والأردن، وفي مصر نفسها، أكبر كيان عربي مركزي؟!

وهل وقفت حرب 48 على حدود فلسطين فقط؟! ألم تستولِ العصابات الصهيونية خلالها على القدس الغربية من الأردن، وقطاع غزة وأم الرشراش من مصر؟
فالأمر إذًا، لا يتعلق بفلسطين؛ حيث هي حروب وصراعات ترتبط بتاريخ طويل من صراع الحق والباطل، وما تكريس فلسطين كمركزية نفسية فيه؛ إلا لصرف النظر عن أبعاده وخلفياته، والتي ربما لم يدركها أحد، كما أدركتها المقاومة الإسلامية، بسبب تربيتها العقائدية، التي تكشف لها كل ذلك.

ولذلك؛ فإنها لا يمكننا أن نتحدث عن "نكبة" فلسطين، من دون النظر إلى كل هذه الخلفيات والأحداث؛ حيث فقط سوف نفهم في حينه، أن المصطلح مقصود؛ حتى تظل فلسطين ضائعة، والكيان الصهيوني موجودًا وقائمًا لتحقيق أهدافه التي تشمل المشرق العربي والإسلامي كله، وضمن سياق تاريخي طويل.

ونحن الآن، في الذكرى الـ68 لحرب 48؛ سوف نجد أن الكثير مما توسع فيه المشروع الصهيوني في ذلك العام، قد تراجع عنه

وفي الأخير، ونحن الآن، في الذكرى الـ68 لحرب 48؛ سوف نجد أن الكثير مما توسع فيه المشروع الصهيوني في ذلك العام، قد تراجع عنه، فلم تعد "إسرائيل" هي "إسرائيل"، ولم يعد جيشها هو الذي لا يقهر، ويتحرك عبر الحدود طولاً وعرضًا، وتقلصت مساحة الكيان الصهيوني عما سبق، وصار العالم ينتقد صراحة الإجرام الصهيوني والاستيطان.

نعم.. لم نعد في نكبة.. والفضل في ذلك لله عز وجل أولاً وأخيرًا، ثم لإرادة رجال بسطاء نذروا أنفسهم للمقاومة والشهادة، وأخلصوا فيها النية لله.. فَتَحِيَّة لهم، ورحمة الله تعالى على شهدائنا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع “بصائر”، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة “القدس” الشهرية، التي تصدر عن “مركز الإعلام العربي” بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: “أمتنا بين مرحلتين”، و”دولة على المنحدر”، و”الدولة في العمران في الإسلام”.

شاهد أيضاً

هبّة القدس.. دون المطلوب

لعل من الإنصاف أن نذكر أن ما حدث من تصريحات صادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد …