اقرؤوا تصحُّ عقولكم

الرئيسية » خواطر تربوية » اقرؤوا تصحُّ عقولكم
istock_boyreading

- اسحب كرسياً وتعال نجلس خارجاً ونتسلّى حتى لا نشعر بالوقت، كم ثقيل وقت الصيام، كم طويلة ساعاته، وكم شديد عطشي في هذا الحرّ، ألا تزال جالساً أمام مكتبتك تنبش وتتنفس الأغبرة فتزيد الأمر سوءاً، ماذا سيفعل هذا الغبار في حلقك وأنفك وعينيك، وأنت صائم لا يمكنك تناول الدواء ولا حتى شرب الماء؟ أنا أتوقع أن أموت قبل أن أستطيع استيعاب صمتك الطويل هذا أمام الكتاب، نحن نقول إنّك حُرٌّ، لكن ألا تخشى أن تنسى كيف يتحدث الناس؟ طيب ألا تشتاق إلينا، لقد اشتقنا إلى صوتك، هذه القراءة سترديك بلا شك.

- هل تقول شيئاً؟

- نعم... ماذا تستفيد من التحديق الطويل في سطور متراصة وكلمات غير مفهومة وثرثرات الآخرين، والله لو كان فيها خير لما لفظوها على الأوراق، نحن نبوح حين يثقلنا الهمّ، ونتمرّد بلفظه خارجاً حتى نتخفف منه، وأنت تذهب إلى قراءة هذا الهراء كله، وفي رمضان!

حين تتحدث عن الأشياء تقوم بقراءتها بدون وعي منك أو إدراك، إنّه الفعل الذي تقوم به وتمارسه فطريًا

- انظر إلى هذا العالم المتسع، ماذا لو كان الكونُ كتاباً؟ صدقني، لما مللت من التحديق فيه بالرغم من أنه قد يظل على حاله إلى الأبد. أنت حين تتحدث عن الأشياء تقوم بقراءتها بدون وعي منك أو إدراك، إنّه الفعل الذي تقوم به وتمارسه فطريًا.

- أفي وقت الصيام؟

- بالتحديد، فلولا ذاك ما كان أنزل القرآن وخُصّ رمضان بهذا الشرف، فما بالك وقد جاءت أول كلماته (اقرأ).

إنها فرصة للتصالح مع الكتاب:

التصالح مع الكتاب ينبع من قناعات ذاتية بأن الكتاب سيقدم لنا شيئاً يجعلنا بحال أحسن، أو سيحقق حلماً يخصنا، أو يمنحنا امتيازاً جديداً، وأن الإنسان يصغر أمام من هم أقرأ منه وأعرف بالكون والحياة ، والقراءة واحدة من وسائل السمو والعلو بالنفس وتنميتها إلى درجة النضج، هذه سنة الله في الكون حين قال: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} ولا يوجد علمٌ من غير كتاب. والدليل أن القرآن الكريم جمع في كتاب خوف أن ينفلت من صدور الرجال.

رمضان في ظل الإيجابية المتجددة هو فرصة عقد هذا التصالح مع الكتاب والقراءة وتسريب جدواهما إلى النفس

ورمضان في ظل الإيجابية المتجددة هو فرصة عقد هذا التصالح مع الكتاب والقراءة وتسريب جدواهما إلى النفس، فالأوقات فيه مباركة حتى كأنك تشعر بها تمتد أكثر من امتدادها الطبيعيّ، بالإضافة إلى ميزة الصفاء الفكري والنقاء الروحي والوجدانيّ المتدفق خلال الأجواء الرمضانية، وفوق ذلك كله اجتماع الفسحة العملية (الإجازة) بالفسحة الروحانية (رمضان) فلا تنهمر توترات الاختبارات ولا نكد الدراسة وضغوطها.

وطالما كانت لدى الإنسان نيّة صادقة بالتخلص من عادة سلبية، أو اكتساب عادة إيجابية، فليس هناك وقت هو أنسب من توقيت رمضان  أبداً. فمزاياه لا تعدّ، وفي السياق يقول علماء السلوك: "إن الإنسان يحتاج واحداً وعشرين يوماً لاكتساب عادة حسنة جديدة، أو التخلص من عادة سيئة موجودة لديه بالفعل" ، ويمكن للشخص توزيع تلك الفترة على شهر رمضان كاملاً بحيث لا يضغط على أعصابه. فالتطبيق سوف يمرّ قطعاً بثلاث مراحل: أولاها وأصعبها هي مرحلة تحليل الوضع الذي أنت فيه حيث تقف من القراءة وهي مرحلة حرجة وحساسة؛ لأنها تقوم على إقناع النفس وصراعات لا نهاية لها، لكنها تجعل الآتي سهلاً تماماً، والثانية هي الخطوة الحقيقية الأولى في عالم القراءة، تقطعها في التجريب وتحديد ما يفيدك ويستميلك ويخصك، والثالثة التي تمثل قمة المراحل هي مرحلة الاقتناع بأن القراءة هي الميزة التي ستضاف إلى حياتك فتجعلها أفضل، وفي كل الأحوال لن تخسر إذا لم تكسب بالفعل.

خطوات التطبيق:

فيما يلي بضع خطوات مدروسة يمكنك من خلالها جعل القراءة عادة رمضانية مُريحة، يمكنها أن تصبح عادة حياتية لاحقاً:

1. أول خطوة هي الاقتناع بأن القراءة جزء من العبادة، وقد سبق الأمرُ بالقراءة الأمرَ بالاعتكاف والصوم والصلاة، فالقراءة الشاملة لتراث البشرية هي من سترتقي بالإنسان وتجعله يتجاوز الألوان والأجناس والثقافات والألسنة ، وفعل الأمر "اقرأ" الذي ابتدأ به تواتر الوحي أمر للاستمرار والمداومة غير قابل للتوقف فلم يأت فعل ينسخه لاحقاً، وهو يضفي الجدوى والفعالية والمعنى على الأوامر الأخرى.

فعل الأمر "اقرأ" الذي ابتدأ به تواتر الوحي أمر للاستمرار والمداومة وهو يضفي الجدوى والفعالية والمعنى على الأوامر الأخرى

2. قسّم وقتك جيداً وعاقب نفسك بشدة إن لم تلتزم وكافئها إن التزمت، وفي هذه الخطوة يمكنك النظر إلى وقتك بفلسفة المستثمر وليس المالك، احصر أوقاتك وقسمها جيداً، ثم اكتشف ساعتك الذهبية فلدى كل إنسان ساعة معينة من اليوم يكون فيها أكثر طاقة من غيرها ، ثم استعن بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" إذن فساعات قمة النشاط الإنساني هي الأوقات التي تلي فترات الاستراحة: راحة الليل، وراحة القيلولة، وقبيل الفجر ؟

3. حضّر قائمتين كاملتين بما ستكسبه وما ستخسره في حالتي القراءة أو عدمها. وتصوّر مستقبلك مع القراءة وبدونها، حتى تعود للقائمتين بعد رمضان أما تصوراتك عن مستقبلها فاجعلها في مرأى العين طول الوقت، لتقيس الفرق وتستفيد من حصر المزايا والعيوب.

4. تقلّد مبدأ المنافسة كمبدأ عام لكل مناحي حياتك ومجالاتها ودروبها، اختر من تنافسه ولو سراً، وادعم إصرارك على التفوّق بكل قوتك وإرادتك، بعدها كن أنت جزءاً واضحاً من عملية دحض الزعم القائل بأن رمضان شهر كسل وفتور وإرهاق يسحب طاقة الإنسان .

5. جهّز قائمة منوعة من الكتب بحيث تحتوي على مجالات تغذي الجوانب: الروحاني، التنموي، المهارة، والميول، وحتى الدراسي وقم بتقسيمها حسب رغبتك أو اقرأ في مجموعة منها سوية حتى لا تمل من متابعة كتاب واحد.

6. لأمسيات رمضان طعم مختلف، اجعل رفيقك في سهرات رمضان وأمسياته قراء ومثقفون تستفيد منهم في كل حياتك وتخرج بذلك من دائرة بطالة القراءة.

احصل على جائزتك:

النجاح في تطبيق خطة تنموية على النفس وكسر حاجز تحدي النفس هذا وحده جائزة تستحق التعب والالتزام مع المثابرة والسعي للأفضل

إذا قمت بتطبيق هذه الخطوات بإخلاص نية ورغبة جادة في التغيير والتميّز، فلا أظن أنك ستكون محتاجاً لأن أسرد لك الجوائز، فالنجاح في تطبيق خطة تنموية على النفس وكسر حاجز تحدي النفس هذا وحده جائزة تستحق التعب والالتزام مع المثابرة والسعي للأفضل.

لكن الجوائز كثيرة كاكتشاف أن التنظيم ساد والفوضى تنحّت، أن العقل بدأ يستوعب أكثر، أن الملل من القراءة تحوّل إلى نهم، والرغبة في الراحة تقود إلى الكتاب، أن طريقة التفكير تغيّرت، كلما شعرت بالفرق كافئ نفسك بإهدائها شيئاً تحبه.

أما الجائزة الكبرى التي ستحصل عليها حين تنهي صيام عقلك عن القراءة طوال العام فتغذيه جيداً في شهر الصيام، هي البقاء في ظل جناح العلم الذي يهبك فضلاً على أقرانك كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على بقية البشر كما قال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

ومات الرئيس مرسي… مغدورا مأجورا

لم يكن الرئيس مرسي طبيعيا، ولم تكن فترة حكمه طبيعية. لقد كنا نقول حين وجوده …