الإسلام وشرائع الآخرين.. مقارنة لا تجوز!

الرئيسية » بصائر الفكر » الإسلام وشرائع الآخرين.. مقارنة لا تجوز!
الإسلام 3

بكل تأكيد أن الإسلام والمسلمين، يمران في عصرنا الراهن بمرحلة من مراحل الاستضعاف، ولئن كانت هناك أسبابٌ لتلك الحالة؛ فإن السبب الرئيسي لها، هو تخلي المسلمين عن صحيح دينهم، وابتعادهم عن معيناته الأساسية والأصيلة، وعلى رأسها القرآن الكريم؛ كتاب الله المُحْكَم المتين.

ولقد فتحت هذه الحالة من الاستضعاف، وتراجع الدور الحضاري للأمة إلى ظهور بعض الأيديولوجيات والشرائع والديانات الوضعية، مثل الليبرالية والعلمانية، على ما عداها من الديانات والشرائع الأخرى.

وجاء ذلك بحكم أمرَيْن، الأول، هو قانون عمراني مهم، تحدث عنه عبد الرحمن بن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، وهو أن المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب، والثاني مرتبط بذلك، وهو حكم الأمر الواقع، وقوانين المصلحة والقوة، والتي تفرض أفكار الغالب والمنتصر على باقي المجتمعات الإنسانية.

أصبح المكوِّن القيمي للأفكار والأيديولوجيات الغربية، هو بمثابة النموذج المثالي الذي يرنو إليه الكثيرون، ويُقاس عليه معيار جودة الأنظمة السياسية والاجتماعية القائمة

وبالتالي؛ فقد أصبح المكوِّن القيمي لهذه الأفكار والأيديولوجيات، هو بمثابة النموذج المثالي الذي يرنو إليه الكثيرون، ويُقاس عليه معيار جودة الأنظمة السياسية والاجتماعية القائمة، وتحاول باقي الأنظمة والمجتمعات توفيق أوضاعها، لأجل الوصول إليه.

وفي حالة الغرب، الذي تحكمه الآن قوميات أو أمم ثلاث، وهي الأمة الألمانية، والأمة الفرنسية، والأنجلو ساكسون، وتشمل الأخيرة بريطانيا وأمريكا الشمالية؛ فإن القيم الغربية، والنظريات الغربية في مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع والفن، وكل مفردات الحضارة الإنسانية؛ صارت سندًا قانونيًّا وسياسيًّا رسميًّا في تقييم الأنظمة والحكومات، بحيث يكون أو لا يكون لها قبولٌ دوليٌّ، ويتم التعامل معها من عدمه.

فالعهدة الدولية لحقوق الإنسان، هي بالأساس وثيقة غربية، تعكس قيم الحرية وحقوق الإنسان، من وجهة النظر الغربية، وعلى غرارها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "السيداو"؛ كلها وثائق تعكس الرؤية الغربية، ونظرة الأيديولوجيا الليبرالية لهذه المفاهيم جميعها.

وتنصب غالبية القيم والمفاهيم الأساسية على معايير الحرية بالمعنى الليبرالي، في المجال الاجتماعي والإنساني الفردي والجماعي، والديمقراطية في الممارسة السياسية، والرأسمالية في المجال الاقتصادي، وفق – كما تقدم – الرؤية الغربية.

وقد يكون من المبرر للأمم الناشئة والضعيفة أن تعمد إلى التماهي مع هذه الحالة التي تفرضها كما ذكرنا معايير القوة في هذه المحطة الزمنية من تاريخ الإنسانية، ولكن لا يمكن تبريرها لأمة كانت خير أمةٍ أخرجت للناس، وسادت العالم لنحو 14 قرنًا، من الزمان، وكانت أساطيلها وجيوشها تقوم على حراسة أكثر من نصف الأرض، ولغتها هي لغة الترجمة والعلم العالمية، وعملتها هي عملة التداول الدولية.

وكلها من معايير القوة الصلبة، القوة العسكرية، والقوة الناعمة، في المجالات الثقافية والمعرفية والاقتصادية؛ هي المعايير الأهم التي وضعها علماء الاجتماع السياسي لتوصيف معايير قوة الأمم الحضارية.

وكان الأجدى بالمسلمين، وطليعتهم الحركية في هذه المرحلة، التي لا تُقاس بشيء في عمر الزمن، أن تعمل على إعادة بناء عوامل قوتها الذاتية.
ولكننا نجد البعض، وهو ليس بقليل العدد، ويمثل منظمات وهيئات إسلامية، بل ودول تعلن هويتها الإسلامية، يقع في خطأ بالغ الخطورة، بموجب هذه الحالة من الاستضعاف، حتى من بين المخلصين المدافعين عن الإسلام.

هذا الخطأ يخص قضية سعي البعض إلى التأكيد أن "الإسلام" لا يرفض ما جاء في هذه الشرائع الوضعية، ومواثيقها، وأنه يدعو إلى ذات ما تدعو إليه من قيم "الحرية" و"الانفتاح"، تحت مبرر "تحسين صورة الإسلام"، وهو أمر خطير للغاية، وقد يمس – من دون أن يدري – صُلب عقيدة من يتعامل بهذه الصورة، من بين المسلمين.

وقبل التطرق إلى المخالفات والمخاطر الجمَّة المرتبطة بذلك؛ فإنه، ومبدئيًّا، فالإسلام لا يطلب من أحد تحسين صورته، فهو الدين الكامل، الذي ارتضاه رب العزة الحكيم العليم، لعباده، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبالتالي، فهو الصواب المطلق، والملائم لفطرة الخلق السليمة، والصورة السوية والمرشَّدة والمُرشِدة، لمعيار الجودة والخيرية في هذه الدنيا، وما هو غير ذلك؛ فهو دونه، ولا يرقى لمستواه، وفيه احتمالية الصواب والخطأ، وكلما اقترب من الإسلام؛ فهو يقترب من الصواب، وكلما ابتعد عنه؛ فهو إلى الخطأ أقرب.

كل ما يطلبه الإسلام من أتباعه هو الالتزام بما جاءت به شريعته، والظهور بأفضل صورة تمثيلية للدين، والدعوة إليه بالصورة التي أكد عليها القرآن، وسُنَّة الرسول عليه السلام

فقط كل ما يطلبه الإسلام من أتباعه هو الالتزام بما جاءت به شريعته، والظهور بأفضل صورة تمثيلية للدين، والدعوة إليه بالصورة التي أكد عليها القرآن الكريم، وسُنَّة الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

أول مكمن للخطورة في هذا الأمر، هو أن تشبيه الإسلام وشريعته، ومقارنتهما بغيره من الديانات والشرائع والأيديولوجيات الوضعية، يعني أنك تقارن ما هو من لدن الله تعالى، مع ما هو من دونه من خلقه، وتقارن حكمته البالغة سبحانه، مع المنتج العقلي القاصر لمخلوقاته، والاعتراف بأن هناك أحكام وتعاليم وشرائع، أفضل مما جاء في الإسلام، وهذا هو عين الكفر، بل والشرِّك، والعياذ بالله؛ ففيه مساواة – من أي نوع وبأية درجة – بين الله تعالى، وما يأتي به، وبين مخلوق من مخلوقاته، وما دعا إليه.

كما أنه استبدالُ الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهو خطأ بني إسرائيل الشهير، ولامهم عليه القرآن الكريم، عندما رفضوا عطية الله تعالى لهم، وهو أعلم بهم ومتطلبات عيشهم، بما اشتهته نفوسهم، وغلب عليهم فيه هواهم.

الأمر الثالث في هذا الصدد، هو أن هذا الموقف الذي يسارع به البعض تحت وطأة حماسة مبالغ فيها، أو غفلة غير مقصودة، إنما يتناسى حقيقة مهمة، وهي أن هذا الدين شامل، وفي القرآن الكريم ما يغني عن أي شيء، كما قال الرسول الكريم "صلَّى الله عليه وسلَّم".

وبالتالي؛ فإن الإسلام فيه كل ما يتعلق من تعاليم تخص الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا حاجة للمسلم إلى نظريات وأيديولوجيات أخرى يأخذ منها، وإلا يكون قد اعترف ضمنًا بأن الإسلام ينقصه جانب من الجوانب، وهذا حاشا لله تعالى أن يقع، فهو الكامل الذي لا يعتريه أي نقصان، وكلامه وتعاليمه وشرائعه، لا يأتيها الباطل ولا النقصان.

ولا يمكن لمسلم صحيح الإسلام، سوي الإيمان، أن يأخذ من دين الله تعالى بعضًا منه، ويكفر بالبعض الآخر، تحت أي مبرر

ولا يمكن لمسلم صحيح الإسلام، سوي الإيمان، أن يأخذ من دين الله تعالى بعضًا منه، ويكفر بالبعض الآخر، تحت أي مبرر.

وهو كذلك أحد خطايا بني إسرائيل في حق ربهم، عندما خالفوا بعض التعاليم التي جاءت في الكتب والصحف التي نزلت على أنبياء الله تعالى ورسله، إليهم، لأهواء في أنفسهم، فكانوا أنْ استحقوا الخزي في الحياة الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة.

ففي سُورة "البقرة"، في الآية (85)، يقول رب العزة: "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ"، وتضيف الآية الكريمة، وفيه الوعد والوعيد لكل من يفعل ذلك: "فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ".

وللوهلة الأولى؛ يبدو الجزء الأخير من الآية، هو خطاب وجهه الله تعالى لبني إسرائيل، ونحن أولى بذلك منهم بطبيعة الحال؛ فهو قرآننا وفيه تعاليم ربنا جل وعلا، ولكن بعض المفسرين في هذه الآية، قالوا بأن هذا الامتداد فيها، إنما هو خطاب للمسلمين بعد بعثة الرسول الكريم، محمد "صلَّى الله عليه وسلَّم"، وأن الخطاب القرآني لبني إسرائيل قد توقف عند نهاية القسم الأول منها، ثم، وبأسلوب معروف في القرآن الكريم بالالتفات والاستدراك؛ تحول به الله عز وجل إلى مخاطبة المسلمين.

إن إسلامنا هو إسلامنا، وشريعته هي شريعته، وارتضى الله تعالى فيها من ضوابط لنا، ما يجب أن نؤمن أنه في مصلحتنا وفي مصلحة ما استخلفنا الله عز وجل فيه، في الأرض، ولأجل تحقيق رسالته عز وجل من خلقنا ونزول آدم "عليه السلام"، وذريته إلى الأرض، وأن هذه الضوابط لابد منها لصيانة العمران، ومنع الخلل، ولا يجوز – في ظل إلهية المصدر – بالمطلق، أن تتم مقارنته بأي شرائع أو أيديولوجيات وضعية من صنيعة العقل الإنساني القاصر.

وبالمعنى الموضوعي؛ فإن الغرب نفسه، قد بدأ يدرك أن مفاهيمه هذه، التي حولها البعض منا بالعمد أو بالخطأ، إلى الصواب المطلق؛ إنما تحمل بذور فناء الحضارة الغربية، بينما ما تراجع المسلمون، إلا بعد أن تخلوا على نعمة الله تعالى عليهم، وأهمها، شريعة الإسلام التامة الكاملة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

أعمالنا الدعوية.. بين الالتزام والتطبيق وإعمال الاجتهاد

من أهم عوامل الفشل في أي إطار مُنتَظَم، التكلُّس والجمود، وعدم مواكبة المستجدات[/tweetable]، وهذا له …