د. سالم سلامة: مراقبة الله تعين على الارتقاء بالنفس إلى المصاف المطلوبة

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. سالم سلامة: مراقبة الله تعين على الارتقاء بالنفس إلى المصاف المطلوبة
سالم سلامة

ها هو رمضان المبارك قد أتى ليربي في المؤمن قوة الإرادة وعظمة التغيير في تحمل الشدائد، والانتصار على العقبات، ومصاعب الحياة، وهو فرصةٌ حقيقية للتغيير، فهو البرنامج العملي لإصلاح النفوس والقلوب، والبداية الحقيقية في البناء والارتقاء والطموح لمعالي الأمور، والابتعاد عن سفاسفها.

فهل من الصعب على المسلم الوصول لدرجة التقوى؟ وهل يجب على الشخص أن يعد خارطة لعبادته وأعماله خلال شهر رمضان ؟ وما هي الأمور التي تعين الشخص على الارتقاء بالنفس، وفي المقابل ما هي أبرز العقبات التي تقف أمامه، وتبعده عن الوصول لتلك الدرجة من التقوى؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها الرئيس السابق لرابطة علماء فلسطين، والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني د. سالم سلامة، فإلى نص الحوار:

بصائر: بداية، ما هو المقصود بالارتقاء بالنفس لدرجة التقوى؟ وهل من الصعب على المسلم الوصول لهذه الدرجة؟

شهر رمضان هو شهر العبادة والصيام، وهي العبادة الوحيدة التي اختصها الله سبحانه وتعالى من بين العبادات بأنها له سبحانه وهو الذي يجزي بها

د. سالم سلامة: المقصود بالارتقاء بالنفس الإنسانية حتى تصل درجة التقوى، أولاً- هي الشهادة التي ينالها الانسان بعد صيام شهر كامل يتقرب فيه إلى الله بكل شيء، فشهر رمضان هو شهر العبادة والصيام، وهي العبادة الوحيدة التي اختصها الله سبحانه وتعالى من بين العبادات بأنها له سبحانه وهو الذي يجزي بها، ففي الصيام يستطيع الإنسان أن يأكل ويشرب ثم يتظاهر بأنه صائم، لذا الله سبحانه وتعالى هو المطلع على كينونة هذا الإنسان وما تخفيه نفسه، وعندما تعلم النفس أن الله مطلع عليها ستُحسن العمل، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم "أحسن العمل فإن الناقد بصير".

ثانياً- أنت عندما تدخل في ورشة لمدة شهر كامل وأنت بعيد عن الكذب والغيبة والنميمة والغش والنصب والاطلاع على المشاهد الخبيثة، أو التحدث بلغة غير لائقة، وبعيد عن كل ما يشين الانسان وينقص أجره، فهذا شهر كريم وعظيم، أنت تبتعد فيه عن كل المنكرات.

والإنسان عندما يبتعد عن الشيء المحبب له لمدة ثلاثة أيام فإنه سينساه، فعندما يريد أن يقلع عن عادة منكرة كالتدخين مثلاً، فإن أول أيام يكون فيها الأمر شديدًا على النفس، بعدها يصبح الأمر عادياً وينتهي بالنسبة له إدمانه على هذا المنكر، فكيف إذا مكث ثلاثين يوماً وهو بعيد عن كل هذه الأشياء، التي تصبح غير محببة ومنكرة، وتُقبل النفس على كل خير، وكل عمل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذه هي الشهادة التي سيحصل عليها الإنسان بعد نهاية هذا الشهر عندما يكون قد حصل على التقوى والابتعاد عن كل هذه المنكرات.

وهذه هي النتيجة والشهادة التي نسعى لأن ننالها من وراء الصيام التي قال بها رب العزة والجلالة منادياً هذه الأمة بأحب ندائها إليها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، فالتقوى هي الأقوى وهي الارتقاء بالنفس إلى أن تصبح ترى الشيء وتبتعد عنه، وتعلم أن الله تعالى هو الذي يريد منها ذلك، وكل شيء يحدث في الكون يكون بأمر الله، لذا يقبل الانسان عن كل عمل وهو متأكد أن الله مطلع عليه فيراقب ربه بكل عمل يقبل عليه، فإن أعطاه الله الضوء الأخضر أقدم وإن أعطاه الضوء الأحمر أحجم عنه حتى نحصل على النفس المرتقية فتصبح مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وهم الذين يقتدا بهم.

بصائر: ما هي الأمور التي تعين الشخص على الارتقاء بالنفس؟

مراقبة الله والإذن الشرعي لكل ما يقدم عليه الإنسان من عمل هو الذي سيعينك أيها العبد الصالح لترتقي بنفسك إلى المصاف المطلوبة بإذن الله سبحانه وتعالى

د. سالم سلامة: من فضل الله سبحانه وتعالى أنه أعاننا في هذا الشهر على أن نرتقي بأنفسنا، فالشيطان وهو العدو الأكبر للإنسان حجمه الله، وقيده بسلاسل لا يستطيع الانفكاك منها من أول ليلة يدخل فيها شهر رمضان حتى يدخل شوال، ويبقى العدو الثاني وهو النفس الأمارة بالسوء وهذه النفس أنت الآن تحجمها وتروضها وتستطيع أن تكبلها، فلا تستطيع أن تأمرك إلا بالخير فعندما تأمرك بالكذب، فتقول إن الله مطلع علي حتى يقبل صيامي، فسأبتعد عن الكذب وشهادة الزور، والنصب، والغش، وهذه النفس الأمارة متى أنت تحكمت بها فأصبحت لا تأمرها إلا بالخير وهي لا تأمرك إلا بالخير أيضاً، لأنها حجمت فأصبحت تقية، وهذا الإنسان يستطيع بهذه الاشياء أن يرتقي.

بالإضافة إلى أنه يراقب ربه بصيامه، أيريد أن يكون صائماً جائعاً عطشان ولا أجر له؟؟ فلو كان الإنسان مراقباً لربه فسيبتعد عن كل شيء، وهذا مما يساعده على الارتقاء بهذه النفس الأمارة بالسوء لتصبح نفساً مطمئنة، لذا مراقبة الله والإذن الشرعي لكل ما يقدم عليه الإنسان من عمل هو الذي سيعينك أيها العبد الصالح لترتقي بنفسك إلى المصاف المطلوبة بإذن الله سبحانه وتعالى.

بصائر: في المقابل ما هي أبرز العقبات التي تقف أمام المسلم، وتبعده عن الوصول لتلك الدرجة من التقوى؟

د. سالم سلامة: أما العقبات فهي كثيرة، أولاً- هذه النفس الأمارة بالسوء إن لم تكبلها بما آتاك الله سبحانه وتعالى من قوة ومراقبة لله بأن تضبطها حتى لا تنحدر، كذلك العقبات التي يزين بها الشيطان وأعوانه من الجن والإنس بإضاعة الوقت على هذا المسلم بالنظر إلى المسلسلات، والواتس أب، والفيس بوك، وغيرهم من المواقع الاجتماعية، فيضيع وقته بدلاً من أن ينظر في كتاب الله.

أيضاً الشيطان يزين للإنسان بأن الدنيا حر شديد، فلو أنني أفطر اليوم ممكن أن أعيده أو أقضيه بأيام باردة، وهذا دليل على استيلاء الشيطان والنفس الأمارة بالسوء عليه. ولذا أنا أقول كلما كان الإنسان ذا عزيمة فسيستطيع أن يقهر النفس الأمارة بالسوء ويسيرها إلى ما يريد، ويستحيل أن يأمرنا الله بشيء وهو ليس بقدر طاقتنا {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] فهو يأمرنا بشيء ويجعل لنا فيه الطاقة والوسع على أدائه بأفضل ما يكون، وهذا بفضل الله ومنته.

كلما كان الإنسان ذا عزيمة فسيستطيع أن يقهر النفس الأمارة بالسوء ويسيرها إلى ما يريد

بصائر: هل يجب على الشخص أن يعد خارطة لعبادته وأعماله خلال شهر رمضان؟

د. سالم سلامة: يستحسن لكل مسلم أن تكون له خارطة كيف سيقضي هذا الشهر؟ كيف سيحفظ القرآن، وكيف سيتلو ما تيسر له، وأقل شيء جزء حتى لا ينتهي الشهر إلا وقد مر على القرآن كاملًا، فكيف للإنسان أن يترك كتاب الله لمدة سنة، لا بد أن يوطن نفسه على حفظ ولو أجزاء بسيطة من كتاب الله؛ حتى يزيد من إيمانه.

وعليه أن يجعل له ورداً وأحاديث يقرؤها في الصباح والمساء، وأن يجعل له خارطة طريق بحيث يزور الرحم والوالدين والأخوات والبنات والأقارب حتى هؤلاء لهم حق عليه.

لذا يجب أن يستغل الإنسان هذا الشهر ولا يضيع أية دقيقة, لأنه بحاجةٍ لها، ولو خير أصحاب القبور أن يعودوا إلى الدنيا لعادوا ولو بركعة واحدة، واعلم أنك ستصبح من أصحاب القبور، فاركع ما شئت واقرأ ما شئت وأقبل على الله بقدر ما شئت حتى يُقبل الله عليك بقدر ما يشاء.

بصائر: ما هي الرسالة التي توجهها للشباب المسلم ونحن في الثلث الأول من الشهر الفضيل، خاصة أن الكثير منهم يتقاعس عن العمل الدعوي بعد رمضان؟

الأولى تقديم صلوات الفريضة وأداؤها جماعة قبل صلوات النافلة دون أن ننقص من النافلة

د. سالم سلامة: رسالتي لأبنائي وخاصة الشباب منهم بأن يُقبلوا على الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر، وعليهم أن يطهروا قلوبهم من كل الأشياء التي فيها شرك ونفاق وما يشينها ولا يجعلها مقبولة عند الله، وأن يكثروا من الاستغفار حتى لا يأتي شوال إلا وقد غفر الله لهم ذنوبهم، لذا عليهم أن يصلحوا بينهم وبين ربهم، وأن يصلحوا بين والديهم وأرحامهم وأقاربهم وجيرانهم حتى لا يبقى أي أحد على شحناء؛ لأن رحمة الله تقبل على الجميع ما عدا المتشاحنين. وأن لا يضيعوا شيئاً من الصلوات إلا في جماعة، " فصلاة الجماعة تفوق صلاة الفرد على أقل تقدير ب 25 ضعفا "، لذا لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يبقى الإنسان نائماً ويقول أصليها بعد قليل، فهذا الذي يريد أن يترك فضل الجماعة في المسجد يضيع عنه فضل عظيم، فالله يبارك للمصلين بالجماعة ويبارك للذين يزورونه في بيته. والأولى تقديم صلوات الفريضة وأداؤها جماعة قبل صلوات النافلة دون أن ننقص من النافلة، فبقدر ما يُقبل الانسان على ربه بقدر ما يقبل الله عليه برحمته وبعفوه وبقبوله.

وعندما يكون الصيام قوياً يدافع عن صاحبه يوم القيامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار، ويقول بالقرآن: منعته النوم بالنهار فشفعني فيه فيشفعان)، وإن لم يكن الصيام قوياً وقد جرح بالكذب والغيبة والنظر إلى المحرمات فيأتي الصيام مجروحاً فلا يستطيع أن يقاوم وينافس أو أن يدافع عن صاحبه، لذا لا بد أن نقبل على كتاب الله علماً وتفسيراً وقراءة، وأن نتعلم كيف نتلوه بتجويده وأحكامه ونتعرف على أحكامه التي لا نعرفها حتى لا نكون مسلمين بالاسم فقط.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

التفكر بالنِعم… العبادة المُغترِبة

اعتدنا على النعم لدرجة أننا إذا سُئلنا عن حالنا قُلنا: لا جديد! فهل استشعرنا تجدد …