رمضان شهر الجماعة.. فالتمسوا فضلها فيه

الرئيسية » بصائر الفكر » رمضان شهر الجماعة.. فالتمسوا فضلها فيه
ramadan-people30

عن ابن عباس "رضي اللهُ عنهما"، أن رسولَ اللهَ "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قال: "يد الله مع الجماعة"، وفي حديث ابن عمر "رضي اللهُ عنهما"، أن رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، قال: "إن الله لا يجمع أمتي (أو قال: "أمة محمد "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم") على ضلالة، ويد الله مع الجماعة" [صحيح/ أخرجه الترمذي].

ويقول أهل الحديث، إن المقصود بذلك هو رعاية الله عز وجل للجماعة المسلمة، وعنايته بها، وأنها في كنفه وحفظه.

وبالرغم من انقسام الفقهاء والمفسِّرين حول المقصود من الجماعة في الحديث، على خمسة أقوال، مثل الصحابة، أو أمة الإسلام، أو أهل السُّنَّة والجماعة، أو السواد الأعظم من أمة الإسلام؛ إلا أنها تتضمن في النهاية، معاني الاجتماع وعدم التفرُّق، واتباع سُنَّة المصطفى "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم".

يمثل شهر رمضان المبارك، أحد أهم مظاهر اجتماع المسلمين في مختلف وشتى الاتجاهات، فيما يمكن أن يُطلق عليه مواسم الخيرات

وفي هذا الإطار، يمثل شهر رمضان المبارك، أحد أهم مظاهر اجتماع المسلمين في مختلف وشتى الاتجاهات، فيما يمكن أن يُطلق عليه مواسم الخيرات، بحق القول.

وهو أمر تشترك فيه مختلف المجتمعات المسلمة حول العالم، مهما اختلفت ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وكذلك مهم كانوا عليه من مستوىً تعليمي واقتصادي؛ حيث يُعتبر شهر رمضان هو شهر الجماعة بمعنى الكلمة في مختلف التجمعات المسلمة عبر العالم، حتى لو لم تكن تقيم في مجتمعات ذات غالبية إسلامية.

وبالبحث في الدراسات والتقارير التي تتناول شهر رمضان في التجمعات والمجتمعات المسلمة؛ سوف نجد الكثير من أوجه التشابه، التي ربما تكاد تصل إلى درجة التطابق، لدرجة دفعت أحد المراسلين العاملين في حقل التوثيق والرصد، إلى القول بأنه لولا الكاميرا؛ لأخذ ذات التقرير الذي يتناول عادات وتقاليد شهر رمضان التي تتكلم عن السودان، ووضعه عن إندونيسيا، أو باكستان، مكتفيًا فقط بتغيير اسم الدولة والمجتمع!

وهو قول صحيح إلى حد كبير، ويعكس طبيعة مهمة من طبائع محتوى الإسلام وتعاليمه، وهي أن الرسالة في صميمها معنية بتوحيد جماعة المسلمين، وجعلهم منارة يهتدي بها الناس من أتباع الديانات والفلسفات الوضعية الأخرى.

رسالة الإسلام في صميمها معنية بتوحيد جماعة المسلمين، وجعلهم منارة يهتدي بها الناس من أتباع الديانات والفلسفات الوضعية الأخرى

ففي مختلف العبادات؛ سوف نجد أنها تقف عند هذا المنطق، وتشدد عليه، وليس تؤكده فحسب.

ففي الصلاة، فإن صلاة الجماعة هي في صحيح السُّنَّة النبوية أفضل من صلاة الفرد، بسبع وعشرين درجة، أو خمس وعشرين ضعفًا، أو خمس وعشرين جزءًا، كما في أكثر من حديث نبوي صحيح.

بل إن هناك حديث لأبي هريرة "رضي اللهُ عنه"، أخرجه "مسلم" في الصحيح، عن الرسول "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، يقول فيه: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام ثم آمر رجلاً فيصلِّي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار".

ونفس الرسالة في الزكاة؛ فهي شرعًا تعني: "حصَّة من المال ونحوه يوجب الشرع بذلها للفقراء ونحوهم بشروط خاصة"، أو: "اسم لمال مخصوص، يجب دفعه للمستحقين، بشروط مخصوصة"، وفي الإطار العام؛ فإنها تعني أخذ نسبة معينة من مال الأغنياء، لصالح الفقراء، فتعضِّد من روح الجماعة داخل المجتمع، وتدعم رسالة الإخاء فيه.

ومن ترغيب الشارع الأعظم فيها، أطلق عليها اسم "الزكاة"، أي الطهارة والنماء والزيادة والبركة، كما في اللغة الغربية.

وفي الحج؛ نجد الصورة الأكبر لاجتماع المسلمين، وتوحيد مواقفهم؛ حيث يقف المسلمون على صعيد ترابي واحد، يعبدون الله الواحد الأحد، بنفس الصورة والهيئة، وبنفس العبادات والمناسك.

ولا يقف الأمر عند العبادات الرئيسية المفروضة في أركان الإسلام كما تقدم، فهناك الصدقات، وهناك أعمال البر والخير بشتى صورها، والتي زكتها الشريعة الإسلامية، وجعلتها سبباً لتقرب العبد لربه سبحانه وتعالى.

وهي من الأمور الكثيرة الغائبة عن مدركات الجيل الحالي من المسلمين، ممن لم يتلقوا التعليم الديني الكافي، وتم تغييبهم عن صحيح دينهم، وعن أصوله النقية ممثلة في القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبوية الشريفة.

وترتبط هذه الطبيعة بشكل خاص بشهر رمضان؛ حيث نجد أكثر من صورة للاجتماع وتوحيد الصف، وإعادة الروابط إلى أبناء الأسرة الواحدة، والعائلة الواحدة، وتحسين أواصر العلاقات بين أبناء السكن الواحد والحي الواحد.

فهناك الإفطارات الجماعية، وهناك الزيارات العائلية، وهناك مجالس السَّمَر الرمضانية، التي تحقق واحدةً من أهم الوصايا التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، وهي صلة الرَّحِم.

وصلة الرَّحِم تعني "الإحسان إلى الأقربين، وإيصال ما أمكن من الخير إليهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم"

وبهذا المعنى؛ ففي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تدعو إلى صلة الرَّحِم، ومنها ما قَرَن بينها وبين صفات المؤمنين، بل إن منها ما وضعه في مرتبة من التقوى، تالية لتقوى الله عز وجل، وأنها سوف تكون على رأس ما يُسأل عنه المسلم يوم القيامة.

وهناك كذلك العبادات الجماعية التي تكاد أن تكون قاصرة على الشهر الفضيل، مثل صلاة التراويح، وجلسات ختم القرآن الكريم الجماعية.

هذا الشهر من أوله إلى آخره، هو شهر الجماعة، بالبر والإحسان وعمل الخير

وهذا الشهر من أوله إلى آخره، هو شهر الجماعة، بالبر والإحسان وعمل الخير؛ حيث إنه حتى نهايته؛ نجد زكاة الفطر، التي من بين أهم أهدافها، تعضيد التكافل وروح المودة والجماعة في المجتمع المسلم.

وفي هذا، قال ابن عباس عباس "رضي اللهُ عنهما": "فرض رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث وطُعْمَةً للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" [أخرجه أبو داوود]، وقد قيل إنها هي المقصودة بقوله تعالى في سُورة "الأعلى": {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)}.

ففي زكاة الفطر، تعميمٌ للفرحة في يوم العيد على كل المسلمين، وعلى كل الناس؛ حيث لا يوجد شرط لها بقصر توزيعها على فقراء المسلمين فقط، وألا يوجد أحد كذلك في هذا اليوم العظيم؛ يوم فرحة المسلمين كما قال النبي "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، في حديث "للصائم فرحتان"؛ محتاجًا إلى القوت والطعام.

ولذلك قال رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم"، وفي رواية: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم" [أخرجه البيهقي والدارقطني].

وفي الأخير؛ فإننا أمام بابٍ واسع من الفضل، وفرائض من أنبل وأجمل الفرائض التي دارت حولها الكثير من أركان حكمة الشارع الأعظم من وراء مختلف فروضه وعباداته التي أوجبها على عباده المسلمين، وذلك فإن التماس الجماعة في شهر رمضان، فضل ما بعده فضل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

معايير توجيه المعارف وصناعة المناهج التعليمية

لم يعد مفهوم المعارف يتجاوز الفهم القاصر الذي يعبّر عن محو الأمية –بوساطة تعلم فنون …