رمضان..شهر الفتوحات التربوية

الرئيسية » بصائر تربوية » رمضان..شهر الفتوحات التربوية
child-dad5

تنسجم فوائد الصوم مع عناصر تكويننا الثلاثة: فهو يصقل العقل ويصفي الروح ويقوي الجسد، وعلى عمق فهمنا لروح الصيام وفهم لتعاليمه يكون انتفاعنا بهذا الشهر. فنأخذ منه على قدر عزيمتنا ذخيرة تعيننا فيما بقي لنا من العام، وتكون كذلك زاداً في آخرتنا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الانتفاع الرمضاني لا يقتصر فقط على الصحة النفسية والجسدية، بل هو فرصة تربوية عظيمة يغفل عنها البعض؛ لأن فهمهم اقتصر على أن العبادة الرمضانية هي عبادة جسدية بحته، ولم يدركوا أنه فرصة استثمارية رابحة.

يمر المربون في حالة مد وجزر أثناء تربية أبنائهم، وذلك وضع طبيعي لما في الحياة من مشاغل وملهيات أخرى، ولعل الفرصة التربوية في رمضان هي الأغلى، ولا يسمح لنا بالتفريط بها؛ لأن المنفعة التي سنجنيها هي منفعة عظيمة سنلحظ بعدها عدة فوارق على ذوات أبنائنا ونكون بذلك قد ارتقينا بهمهم إلى مدارج السالكين وحققنا قصد الشارع من هذا الشهر العظيم.

رمضان.. موسم بذر وقطاف

لا أظن أن هنالك من هو أغلى من ابنك لتبذر بداخله قيماً تربويةً نهضويةً تعينك وتعينه على قطاف المهمة التي خلقنا الله تعالى جميعاً لأجلها وهي مهمة الاستخلاف.

يقول المفكر الجليل مالك بن نبي في كتابه (شروط النهضة): «إن الحضارة إنسان وتراب وزمن، وبذلك فإنه عند نقطة الانطلاق ليس أمامنا سوى هذه العوامل الثلاثة وفيها ينحصر رأس مال الأمة الاجتماعي، وكل ما عدا ذلك من مبان وصناعات، يعد من المكتسبات لا من العناصر الأولية».

لا أظن أن هنالك من هو أغلى من ابنك لتبذر بداخله قيماً تربويةً نهضويةً تعينك وتعينه على قطاف المهمة التي خلقنا الله جميعاً لأجلها وهي مهمة الاستخلاف

وهذا يعني أن النقطة الأساسية للعوامل الثلاثة هو الإنسان، ولا إنسان حقيقي دون تربية حقيقة سامية. والآن سننطلق إلى بعض النقاط التي يمكن استغلالها في رمضان لتحقيق صفقات تربوية رابحة:

1) استغلال الدافع: يعتبر رمضان من أحب الشهور إلى قلوب أطفالنا؛ لأنهم يشعرون بأجواء الفرح والابتهاج فيه، وعليه فإنه من أجل تحقيق بعض المنافع التربوية فعليك أيها المربي استغلال ذلك الدافع حق استغلال. فمثلاً لو كان طفلك يتلفظ بكلمات بذيئة غير لائقة يمكنك تفاديها بعمل برنامج عبادي مشترك، يسهم هو نفسه بوضع شروطه، وتضع أنت فيه المشكلات التي تود معاجلتها دون أن يشعر الطفل أن ذلك انتقاد له، وكذلك شريطة أن تستمر دافعيتك أيها المربي إلى آخر الشهر، ويؤكد التربويين على أن مدة الثلاثين يوماً هي مدة كفيلة بطمس تلك السلوكات شريطة الانسجام التام والشراكة الحقيقة بين الطفل والمربي ومشكلته.

2)علموه معانٍ لا ألفاظ: يمر الطفل في مرحلة "الهبّة" وهي المرحلة التي يرسم فيها رمضاناً مختلفاً بأفكاره البسيطة المشرقة، فهو يظن أن رمضان شهر اللقاءات الأسرية، وشهر الألفة والمحبة، ولكنه يفاجأ بأمه حينما تصرخ بوجهه وتضحد ذلك الخيال المترامي وتخبره أن رمضان هو شهر الفقراء وشهر الامتناع عن الطعام والشراب. وبذلك نرسم صورة ليست باللطيفة عن رمضان في عقل ذلك الطفل.

وهنا نقول لك أيها المربي الفاضل أن هذه المعاني راقية وسامية جداً ولكنها تعاش ولا تنقل، فمثلاً يمكنك شراء الأشياء التي يحبها واقتسامها بينه وبين ابن جيرانكم اليتيم، وهذا كله حتى لا تحلق طيور الفكاك من رمضان حول مخيلته.

أعزت دراسة أمريكية سبب تدني مستوى الأخلاق والمهارة الاجتماعية عند الأطفال إلى انعزال الأسر بعضها عن بعض

3) "اتقوا النار ولو بشق تمرة": وأنا أقول انقذوا أولادكم ولو بشق تمرة، من خلال انخراطه ضمن العائلة، والاهتمام به. ففي دراسة أجريت في ولاية هيوستن الأمريكية حول سبل المعاجلة التربوية الصحيحة لبعض سلوكات الأبناء المزعجة، فقد جاء "الحب" في المرتبة الأولى، يليه ملازمة الأم للبيت، كما أعزت الدراسة سبب تدني مستوى الأخلاق والمهارة الاجتماعية عند الأطفال إلى انعزال الأسر بعضها عن بعض.

وهنا تؤكد الدكتورة وفاء طيبة أستاذة علم نفس النمو بجامعة الملك سعود، ما خرجت به الدراسة الأمريكية وتقـول: "إن فعالية الأساليب التربوية التي اعتادتها مجتمعاتنا ترجع إلى أن الأسرة كانت تعيش في محيط أوسع يضم الجد والجدة وقد يتعدى لبعض الأقارب، لكن ذلك تغير إلى نقيضه ليس فقط بانعزال الأسر بعضها عن بعض بل بانعزال أفراد الأسرة الواحدة، بسبب اتساع البيوت والتزام كل بغرفته وتعدد وسائل الإعلام وتنوع قنواتها التي جذبت الاهتمام وشغلت الأذهان حدَّ من اختلاط الأسرة الواحدة وترابطها وتماسكها".

إن فصل الطفل عن الكيان العائلي الأوسع أفقده مسايرة الكثير من العادات الطيبة والمهارات الاجتماعية والأخلاقية التي قد يكتسبها من خلال الملاحظة والاستنباط، ويعتبر رمضان فرصة عظيمة لإعادة تصحيح هذا المسار وتوجيه بوصلته نحو القبلة الصحيحة شريطة أن ينصبغ تلك اللقاءات بصبغة إسلامية بحتة لتظل علامة فارقة في منحنى حياة الطفل فمثلاً لا مانع من اجتماع عائلي رمضاني كل فترة محددة في بيت أحد ما، يأكلون ما قسم لهم ويصلون جماعة ويوزعون الطعام على الجيران والأقارب، وبذلك نقوي عرى الوحدة والتآلف، ونعمق مفهوم صلة الأرحام وهذا كله يبث في سلوك طفلك كل طيب، فرمضان فرصة لتربية القائد المنتظر.

إنه شهر أراد الله به أن يكون بمثابة التدريب العملي الذي يتغير به الإنسان المسلم ليصبح بعد رمضان خيراً منه قبل رمضان

إن أعظم ما في رمضان أنه لم يشرع من أجل أيام رمضان فقط، ولكنه كذلك من أجل ما بعد رمضان. إنه شهر أراد الله به أن يكون بمثابة التدريب العملي الذي يتغير به الإنسان المسلم ليصبح بعد رمضان خيراً منه قبل رمضان، وإلا فإن حكمة الصيام لم تتحقق، وإن أعظم تغير قد يحدثه رمضان في ذواتنا هو تغيير قناعتنا حول من هم أضعف منا -أبنائنا- فيجب علينا أن نؤمن أن رمضان هو مركز تحويل نقاط الضعف إلى نقاط قوة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية، مختصة بالتربية و مهتمة بالشأن الفلسطيني.

شاهد أيضاً

ماذا يعني انتمائي للإسلام؟؟؟

يعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي تحيك في صدور الشباب المسلم هذه الأيام، خاصة …